النقد

وقفة عند مواكب جبران

بعد بروز المد الرومانسي في منتصف القرن الثامن عشر تغيرت النظرة إلى الطبيعة ، حيث اتجه الشعراء إلى التفاعل الوجداني مع عناصرها والتماهي معها بدلا من الاكتفاء بوصفها من الخارج ، وقد كان لدعوة الكاتب والمفكر الفرنسي الشهير جان جاك روسو j.j Roussae التي حثَّ فيها على حب الطبيعة ونبذ الناس وهجر المجتمع لما فيه من زيف وفساد وشرور أثر كبير في تغيير موقف الأدباء والشعراء من الطبيعة ، والانتقال من مرحلة التفرج والإعجاب إلى مرحلة التفاعل والاندماج .

جبران خليل جبران عن الشبكة
جبران خليل جبران
عن الشبكة

والحق أن دعوة روسو في أبجديتها الأولى قد تبدو بسيطة وساذجة ، لكن حين التعمق في تفاصيلها كما وردت في كتاباته وفي أشعار من تبناها من بعده من الرومانسيين مثل الشاعرين الإنجليزيين كيتس Keats ووردزورث Wordsworth يتضح أنها من أخطر الدعوات الفكرية التي ساهمت في زلزلة أركان المجتمع الكلاسيكي الغربي، وفي تغيير العقلية والمرجعية التي كانت تسيِّره ، ذلك لأنها ترى أن سبب تعاسة وشقاء الإنسان يعود إلى خضوعه للأعراف والقوانين والشرائع التي تكبل حريته وتمسخ فكره وتشوه أدميته ، بحيث بات مستعبدا شقيا تنزع نفسه إلى الشر والفساد، ولكي تعود له أدميته وسعادته لا بد له من أن يتخلص مما يقيد حريته ، ولن يتأتى له الخلاص إلاَّ إذا عاد إلى الحياة الفطرية الأولى ، وكما كان يحيا في الماضي البعيد قبل أن يسن تلك الأعراف والشرائع التي كانت وبالا عليه .

ويعد جبران خليل جبران من أوائل الشعراء العرب الذين تلقفوا هذه الدعوة فمطولته الشهيرة ( المواكب) تبرزـ كما قال الدكتور إحسان عباس ـ صورة المواكب الإنسانية التي ضلت الطريق حين سعت إلى السعادة والحرية والخلود في عوالم أخرى ، ونسيتْ الغاب ، ولا بد من إيقاظ تلك المواكب على نغمة عذبة تنبهها إلى حقيقة حالها، وتصرفها عن الاتجاه الذي سارت فيه آمادا طويلة ، وترجع بها إلى البساطة البدائية قبل أن تعبث بها يد التركيب والتشويه والتعقيد .

ومن هنا تبدو قصيدة ( المواكب) صوت الإنسان التعيس الداعي إلى عالم الغاب والفطرة ، فرارا من المدنية والحياة المصطنعة ، وقد استهل جبران القصيدة بتأكيده أن الشر ثابت في الناس، لكن الخير متغير لا يفعلونه إلاَّ إذا جُبروا عليه، لذلك خُمَّ المجتمع بالفساد والمظالم فلا مساواة ولا عدل ، وأن الحل يكمن في الحياة البدائية الأولى ، في الغاب حيث لا سيد ولا مسود ، ولا راعٍ يسيِّر القطيع :

الخير في الناس مصنوع إذا جبروا … والشر في الناس لا يفنى وإن قبروا

وأكثر النـاس آلات تـحـركـها … أصـابع الـدهر يومـا ثم تنـسرُ

فلا تقـولـن هـذا عــالِم عَلَـم … ولا تقـولن هـذا الـسيد الـوقـرُ

فأفضـل الناس قطـعان يسير بها … صوت الرعاة ومن لم يمشِ يندثرُ

ليس في الغابات راع … لا ولا فيها القطـيعْ

فالشـتا يمشي ولكن … لا يجـاريه الربيـعْ

خُلق النـاس عبـيدا … للذي يأبى الخضوعْ

فإذا ما هـبَّ يـوما … سائرا سار الجـميعْ

أعطني الناي وغـنِّ … فالغنا يرعى العقولْ

وأنين النـاي أبـقى … من مجيد أو ذلـيلْ

<><>

وتمضي القصيدة على هذا النحو بين تنفيرٍ من الواقع المؤلم وترغيبٍ في الغاب موئل الحرية والسعادة والبساطة ، وبين هذا وذاك يعلو صوت الناي ليجمع التعساء من حوله وليصفِّيهم من أدران دنياهم .

نشرت قصيدة ( المواكب) سنة 1918م ، ويبلغ عدد أبياتها مائتين وثلاثة ، وقد نظمها جبران في وزنين مختلفين إيقاعيا هما : البسيط ومجزوء الرمل ، وعُدت آنذاك فتحا شعريا جديدا وثورة في مضمون القصيدة العربية ، ونالت من الثناء والإطراء ما كانت تستحقه في حينها ، أما الآن فيمكن النظر إليها بموضوعية ودون مغالاة في تقييمها ، فمضمونها بلا شك إنساني بحت ، مبتداه نشدان حرية الإنسان وسعادته المفقودة ، لكن منتهاه الغاب والناي مقابل المدنية ، والبحر والشمس والصخور مقابل الإنسان والمجتمع .

وبعبارة أخرى القصيدة تدعو إلى العزلة والسلبية والأنانية مقابل الاجتماع والتعاون مع الآخر لأجل عمارة الأرض وخير البشرية ، فمضمون القصيدة بهذا يبدو فكرة عبثية وهلامية، لا تجدي من يؤمن بها، بل قد ينتهي به الأمر إلى تدمير الذات والآخر معا ، فما حلت العزلة والانطوائية ورفض الآخر مشكلة من مشاكل الإنسان.

وقد كانت هذه الصيحة الهلامية في زمن جبران وما قبله من بين هرطقات غلاة الرومانسية ، ولطالما رُوج لها في الغرب والشرق معا، ولطالما ألهبت مشاعر البسطاء والحالمين وحفَّزت مخيلة الكسالى والعاجزين عن مواجهة ما تتطلبه الحياة ، ومما ساعد جبران على اعتناقها حياته في نيويورك تلك المدينة الكبيرة التي اكتوى بماديتها وتناقضاتها وعجرفتها ، ولعلنا نخلص من هذا كله إلى أن حبران يمثل التيار المغالي في الرومانسية العربية .

ومما لا شك فيه أن عددا من الرومانسيين قد تأثروا به ، لكن أحدا منهم لم يجاره في أرائه المتطرفة وتهويماته المبهمة، فالشاعر التونسي أبو القاسم لشابي مثلا كان أقرب منه إلى الواقع وأكثر اتزانا ، فبينما هجر جبران بلده وترك شعبه يعاني ويلات الجهل والفرقة والتعصب المذهبي والطائفي ، وشرع يدعو إلى العزلة والانطوائية واجتناب الناس والتحلل من الأعراف والشرائع دون تمييز بينها ، نجد الشابي يدعو إلى الحياة ويحرض شعبه على مقاومة المستعمر، مبينا لهم أن الإنسان جدير به أن يثبت وجوده ليعيش عزيزا كريما ، وقد أعلن في مطلع قصيدته الشهيرة ( إرادة الحياة ) أن الشعب إذا أراد الحياة فلا بد أن يُخضع القدر له ليستجيب لمطالبه ، ولم يقل قطّ اجتنب الناس واذهب إلى الغاب واستمع إلى أنين الناي ففيه السعادة والحب والإخاء ، وغيرها من المبهمات والحذلقات الإنشائية التي لا يمكن أن تنهض بها أمم تعشق الحياة ونفوس حرة خيِّرة تسعى للخير وللتقدم .

وما دمنا بصدد الحديث عن نزوع جبران إلى التحلل من القيود والالتزامات ، فلا بأس من أن نشير إلى غموض دلالة بعض جمل وتراكيب القصيدة ، فالبيتان السادس والسابع يتدثران بغموض كثيف ، ربما يعود إلى عدم وضوح الفكرة في ذهن الشاعر ، وإلا فما معنى قوله : الشتاء يمشي ولكن لا يجاريه الربيع ؟ وما علاقة هذا الكلام بالكلام عن العبودية والحرية ؟ ، كما أنه في قوله ( ومن لم يمشِ يندثرُ ) مخالفة صريحة وغير مبررة لقواعد النحو والعروض معا ، فقد عمد جبران إلى تحريك الفعل ( يندثرُ ) بالضم مع أنه واقع في جواب الشرط وحقه الجزم بالسكون ، وذلك لكي لا يقع في الإقواء ويحافظ على حركة روي الأبيات ، ولربما ظن جبران أن ما فعله مسوغ من المسوغات التي يسمح بها للشاعر دون الناثر ، لكن العروضيين في مثل هذه الحالة التي يجيء فيها الحرف الأخير من القافية ساكنا لعلة الجزم يجيزون تحريكه بالكسر وليس بالرفع أو بغيره ، وهناك أمثلة من الشعر العربي القديم تؤكد هذه القاعدة العروضية ، ومن ذلك قول زهير بن أبي سلمى في معلقته ( ومن لا يظلم الناس يُظلمِ ـ ومن لا يتقي الشتم يُشتمِِ ـ وإن خالها تخفى على الناس تُعلمِ ) .

مقالات ذات علاقة

رواية تكون الشخصية عند “وفاء البوعيسي” من ليبيا

المشرف العام

سير الشخوص والأمكنة والمدن في كتب ليبية

خلود الفلاح

شاعرية حبل الغسيل

ناصر سالم المقرحي

اترك تعليق