قصة

وصايا توزين

خمسون عاماً منذ أن غادر سليمن سحب يفرن إلى ضباب دبلن، خمسون عاماً عاشها يحمل في قلبه ذكريات خمسة عشر سنة مضت، تلون سواد الغربة، ونسائم تاملولت حملها في ثنايا راحته، فلا شيء هنا سوى الصبر.. أسطوانة إيدير كما هي، تتوسط حائط غرفة المعيشة منذ 25 عاماً، لا يزوره أحد إلا وعرف أن إيدير أهداها له شخصياً، حتى براين الي يزوره مرة كل ستة أشهر لصيانة أنابيب الغاز، صار يحفظ القصة عن ظهر قلب، كتب سعيد سيفاو محروق في كل مكان، في الحائط المقابل علق قصيدة أمي لعمرو النامي، بعد أن ترجمها للغة الانكليزية، كان براين المسكين يبكي كلما قرأ هذه القصيدة، حتى أنه ينسى في كل مرة أن يأخذ ثمن أعمال الصيانة.

في غرفة النوم كتب كثيرة حققها سليمن على مدى سنوات فقد كان يمضي أكثر من نصف يومه في مكتبه تشستر إحدى معالم مدينة دبلن التي تضم أفضل المخطوطات الإسلامية، لقد حقق حتى الآن أكثر من 78 مخطوطاً من إجمالي 2650 مخطوط إسلامي نادر، وهي المكتبة التي تبرع بها الفرد شستر بيتي، لذلك يسميها بيتي، لأنه كان يمضي فيها أكثر مما يمضيه في بيته.

أكثر كتبه رواجاً كتابه عن حضارة الأمازيغ والذي أعتمد منذ 5 سنوات ككتاب منهجي في جامعة جورج تاون، ولكنه لم يكن حينها يملك ثمن تذكرة السفر لحضور حفل افتتاح كلية الدراسات الأمازيغية.. على باب الثلاجة صورة والدته الحاجة توزين، يحرص على تثبيتها في نفس المكان حتى لا يخلف وعدان أقسمهما أمامها .. توزين من قرية اسمها جريجن، كثيراً ما كانت تعتز بنسبها لآل الباروني، وكثيراً ما كان هو يعتبر نفسه وصياً على الإرث الإنساني الكبير الذي خلفه أباؤه الأوائل.. وعدان أقر بهما أمام والدته قبل أن ينسدل مع أول سحابة نحو شليوني الرجبان وصولاً إلى طرابلس ومنها إلى حيث أمضى جل حياته.

الجبل لا ينبت سوى النباتات البرية القاسية، توزين كانت تؤمن بذلك، كثيرون هم الذين غادروا دون عودة، ولكنها أصرت أن تبقى هنا، قالت لهم ذات مرة إذا غادر قصر كاباو المدينة فسأغادر أيضاً.. سليمن آخر العنقود من دالية الأمازيغ هكذا نمت الفكرة في رأسه المدور، وخلف وجنتيه المحمرتين كأنهما وجنتي إيرلندي أصيل، هكذا كانت تصله تعليقات أصدقائه الإيرلنديين خصوصاً يوم السبت وهو اليوم الذي يخصصه عادة للجلوس في تمبل بار، المكان الذي جاءه منذ خمسين عاماً شاباً يافعاً ليرحل من خلاله إلى نفوسه حيث نسى قلبه هناك.

وعدان حرص سليمن على الحفاظ عليهما براً بأمه، أن لا يأخذ مالاً مقابل علمه، فقد نشأ يتيماً فقيراً، لولا ما تحصلت عليه الحاجة توزين من مال من أهل البر والإحسان، لبقى حتى الآن يلعب السيزا في شوارع يفرن، ويلوك مع أقرانه سير الناجحين.. لقد ألف أكثر من خمسين كتاباً عن الأمازيغ والأباضية، وعن تعليم التيفيناغ كما كتب قصص عدة أشهرها، ماسيليا تستبكر الصباح، التي تحولت لشريط قصير، تبرع بإيراداته لجمعية تهتم بالجماعات الإثنية، براً بأمه رغم محاولات صديقه الجزائري رشيدي الذي وجد له فتوى في قسمه الثاني، وهو عدم تعاطي السجائر، إذ اقنعه أن الشيشة ليست تدخيناً، فالتدخين شيء والأرقيلة شيء آخر.. لم يقتنع هو بهذه الفتوى ولكنه وجد ما سيقول لوالدته عند لقائها بعد هذه الحياة الفانية.

لقد ألف عن الشيشة ثلاثة كتب، كتب عن تاريخها، وعن أشكالها، وعن دورها الاجتماعي والثقافي، لقد كانت سلوته الوحيدة، بين عشرات الكتب التي لم تغنه من جوع، عبر أربعين سنة صار الأخبر بها وبمزاجها وبتوغها الفاخرة وغير الفاخرة.. بعد أن عاد إلى أرض الوطن وجدها الأشهر بين كل كتبه، تناسى الليبيون ما كتبه عن الفلسفة والديانات، والتاريخ، وأينما حل سأله المثقفون عن كيفية تحميل نسخة مجانية من كتابه المشهور ( الشيشة مفتاح الكتابة) .. لقد ظل ذلك يؤلمه كثيراً فلا أحد يعير أكثر من أربعة عقود من البحث والتأليف أي اهتمام، لا أحد يسأله عن الشهائد التي منحت له من أرقى الجامعات.. كان يتوقع ذلك من العامة، ولكن المؤسسات الرسمية والثقافية لا.. أمضى ثلاثة أشهر متجولاً بين طرابلس ويفرن، ولا أحد يذكر سوى إنه إبن توزين.. مرت الأيام ثقيلة وكأنها اندور، وقرر العودة إلى غربته الثانية، فعلى ما يبدو أن رسالته لم تقنع كفار قومه.

في فندق صغير بشارع بلخير قرر أن يحتفل بآخر ليلة له في ليبيا التي غادرها صغيراً يافعاً وعاد إليها بعد أن أرهقتها سنين الظلم العجاف، اليوم يرى طرابلس وكأنها يوم أن غادرها، شارع سبها كما هو لم يتغير، بيت الحاجة مناني حيث أمضى ليلته قبل خمسين سنة في طريقه لدبلن، كما هو لم يتغير، رايات الاستقلال كما عهدها تزين سماء المدينة، ولكن البشر ليسوا هم البشر.. شعر بالغربة كأن لم يكن يوماً من سكان هذه البلاد. أصوات الرصاص اختفت تماماً غير إن جلبة أخذت تتناسل في مدخل الفندق، سأل موظف الاستقبال عن الموضوع، فرد:

– عادي .. ثورة

عاد للنوم، ولكن الجلبة وصلت لباب غرفته، ضابط برتبة مقدم وثلاثة شباب يعتمرون كوفيات ملونة، ويرتدون ملابس عسكرية مموهة، ومن خلفهم موظف الاستقبال، يرفع عقيرته بالتكبير.

– الله اكبر .. الله أكبر .. والله عرفته من الأول من الأزلام !!

فتش في قاموسه القديم عن هذه الكلمة، فلم يعثر عليها، هل هي بوتاجاز .. لا .. لا أعتقد .. هل يقصد زلابية؟ ألقى بدلو الذكريات مرة أخرى في بئر المعاني، ولكن ابتسامه صغيرة كشفت عن رداءة التبوغ المحلية، قطعت حبل تفكيره، أنا المقدم بشير بادره قائلاً

– الله أكبر يا خونا

أضاف أحد المرافقين

ظل سليمن، يتماوج بين تكبيرات موظف الاستقبال، وابتسامة المقدم بشير، لا يذكر أنه مر في السابق بمثل هذا الموقف .. طيور من التساءل بدأت تحط على كتفيه، سرعان ما باشرت التحليق عندما بادره المقدم بشير بالتحية.

– الله أكبر يا خونا، لينا أسبوعين اندوروا فيك أنت من أهم الشخصيات في ليبيا.. في ليبيا شني .. أنت من أهم الشخصيات في الوطن العربي.

وسط ذهول رد سليمن بلكنته الجبالية، التي لم تغادره قط، شاكراً المقدم ورفاقه

– أنت يا أستاذ مطلوب، قصدي مش مطلوب، أنت يبوك .. يبوا يستفيدوا من خبراتك، ولينا أسبوعين اندوروا فيك، حرام عليك تحرم الليبيين من خبراتك، ومن علمك.

هكذا قال المقدم بشير.. ثم اقترب من سليمن وهمس في أذنه.. الأستاذ يبيك.. وقال اهتموا بيه لأنك راجل متعلم مزبوط، والبلاد لازم تستفيد منك.. وقالوا لي أنت معروف هلبة برا!!

هز سليمن رأسه مبتسماً رغم المفاجأة

أضاف المقدم بشير

– الأستاذ يستنى فيك، عندك معاه مقابلة

سارت السيارة الصحراوية التي أقلت سليمن ضمن كوكبة من السيارات، تخترق منبهاتها سماء العاصمة، كلما مرت بمجموعة، تعالت أصوات التكبير، كل الذي استطاع تذكره أن الموكب سار باتجاه يفرن في حدود ربع الساعة من مقر سكناه بشارع بلخير.

لم يجهد نفسه كثيراً في تخمين شخصية الأستاذ فقد تناثرت صوره في كل مكان داخل السيارة، وعلى الجدران، وكثيراً ما كان يستمع إليه في الميديا الأوروبية أيام الثورة، رجل خمسيني تبدو على ملامحه الطيبة والوقار.. لقد تطوع مرافقوه بإخباره بأدق التفاصيل عن الحياة السياسية الخاصة، بدى له أنهم يعلمون من أمر العالم أكثر من براك أوباما.

مرت خمسة عشر دقيقة وكأنها دقيقة في تمبل بار، كم تمنى أن يحمل معه كتابه الجديد ( آليات الفكر العربي) .. ولكن سرعان ما تراجع .. لأن نقده للفكر العربي كان لاذعاً في ذلك الكتاب، لا أدري كيف سيطر العرب بهذا الفكر الباهت، على حضارة عمرها سبعة آلاف عام.

لا بد أن المقام سيطول، حاول في دقائق معدودة، تجهيز مجموعة من الأفكار المهمة التي يمكن للحكومة تبنيها، مركز لتطوير الفكر.. مركز للترجمة.. مركز للتأهيل المجتمعي.. مراكز عدة لا بد أنها ستلقى القبول لدى الاستاذ. كما توقع كان اللقاء حميمياً، ويبدو أن الأستاذ قد جمع عنه كافة المعلومات، بادره بالسؤال عن حياته، وعن رأيه في البلاد بعد غياب طويل، لم تأخذ أسئلة تكسير الجليد أكثر من خمس دقائق، حتى دلف الاثنان إلى حجرة الاجتماع .. مكتب كبير تزينه جلسة مغربية تتوسطها أرقيلة لم يشاهد مثلها من قبل رغم الكتب التي كتبها عن الشيشة.. يبدو أننا متقاربين .. قال في قرارة نفسه.. أنواع عديدة من التبوغ التركية والمصرية، وحتى الكندية في كل مكان، صور لشخصيات عبر التاريخ المعاصر، وهي تتلذذ بشرب الرقيلة.

– وراء كل عبقري أرقيلة

قالها الأستاذ ضاحكاً، تبعه هو بضحكة مماثلة، كان هذا عنوان كتابه الثالث عن الشيشة.

مرت ساعتان ولم يتبادلا سوى الأحاديث عن الشيشة، يبدو أن سيؤجل الحديث عن المراكز البحثية لليوم التالي، وستكون هذه الليلة مجرد لقاء ودي.. هكذا قال في قرارة نفسه.

في منتصف الليل، نظر الأستاذ لساعته معلناً عن نهاية الجلسة الحميمية، وضع الأستاذ يسراه في جيبه وأخرج ورقة صغيرة اشتملت خمسة أسطر، وضعها هو بدوره في جيبه، فقد نسي أن يحظره نضارته الطبية، في ظل مفاجأة الموكب المهيب الذي قاده إلى هنا.

في الصباح أكد حجزه على طائرة المساء، وعاد لدبلن.

في المساء جاء موظف الاستقبال لتنظيف الغرفة، لقد ترك له عشرة دينارات والورقة التي تسلمها من الأستاذ. أفندي بشير يطلب منكم تمكين السيد سليمن جمعة من استلام عمله كخبير في الرقيلة ضمن كادرنا الوظيفي، وبصورة من هذه الرسالة يطلب من السيد رئيس القسم المالي منح المعني مبلغ 3000 دينار شهرياً التوقيع الأستاذ

دبلن – مارس 2013

___________________________

نشرت باللغة الأماريغية في مجلة أرمات

شكر خاص للصديقين محمد ؤمادي وطارق الرويمض

 

مقالات ذات علاقة

صَــــــــــــــــــــوْتٌ …!!

جمعة الفاخري

ليلة القّرة.. وبطانية البركطوطة.. والكسكسي بالقرعة

المختار الجدال

لا يمكن تعويضهما

خيرية فتحي عبدالجليل

2 تعليقان

عادل بن يوسف 5 فبراير, 2015 at 07:34

هذه المرة الأولى التي أقرأ فيها لك نصاً قصصياً، كوني أعرفك إعلامياً وتكتب بعض الشعر المحكي. لكن هذا النص يعكس مخزوناً ثقافياً ومعرفياً مميزين.

رد
جلال عثمان 3 مارس, 2015 at 17:21

شكراً أخي عادل .. كلماتك رائعة وأتمنى أن أكون في مستوى طموح القارئ

رد

اترك تعليق