سرد

وزارة جديدة لشؤون الأحلام

أدين رجال البوليس الذين تسببوا في المشاكل الماضية ولا أوافق على تقلد أي منهم وزارة مهمة لها علاقة بأحلام الناس ومشاعرها وآمالها وراحتها النفسية، الأحلام يجب أن نتعامل معها بمسؤولية وبتقدير وباحترام وبدون الصراخ بالأوامر وبدون عمليات زحف أو اقتحام أو إرهاب أو أي شيء ألصق بصفة الثورية بطريقة الجهالة، فالثورة هي حلم كبير أفسده الجهلة والطغاة والفاشيين والدكتاتوريين والمرضى، لابد أن نحترم أحلام الناس ولا نفرق بينها، ونمنحها العناية الكاملة بعدل ومساواة، أنا أدين البوليس والعسكر ولا يمكن لأي فرد منهم أو ممن يرقصون في جوقتهم أن يتقلد منصب وزير شؤون الأحلام.

أنسحب غاضبا وزير الحربية من الجلسة و تبعه فورا وزير البوليس ومدير السجون ومدير الهيأة العامة لصناعة حبال البر والبحر ووزير الأوقاف و الفتوى، ولأن وزير شؤون حقوق الإنسان سجين سياسي سابق وقلد منصب الوزارة تعويضا له عن فترة سجنه واحتواء لردة فعله التي قد تقوده للانضمام للمعارضة، وهو على صلة وثيقة بالقيادة الشابة التي ستؤول مقاليد الأمور لها و ترغب في طي صفحة الماضي وإصلاح أخطاء المرحلة السابقة وتعويض الشقاء بالفرح فلم يشعر برهبة من انسحابهم أو يشعر أنه سيعتقل مجددا ويعاد إلى السجن والتعذيب، أي أنه لديه ضوء أخضر الآن ليدق مسامير صدئة في الممارسات الخاطئة في الحقبة الماضية وأن يدين ويناهض مقترفيها بكل ثقة وقوة.

بعد عشر دقائق عاد الوزيران إلى الجلسة مبتسمين، وكل واحد منهما في يده حفنة تمر و كوب من اللبن يتجرع منه بلذة، هزهزا رأسيهما في نفس الوقت علامة الموافقة على استبعاد العسكر والبوليس من الوزارة، لكن وزير البوليس بعد أن انتهى من جغم كوب لبنه ومسح شنبه الكث بمنديل ورقي سأل رئيس الجلسة الذي هو رئيس الوزراء :

لكن يا سيادة الوزير مَن هذا المحظوظ المرشح لهذه لوزارة السيادية ؟

وصمت برهة محملقا في الحاضرين وأضاف :

لا يمكن أن يتقلد الوزارة وكإجراءات أمنية أي كان دون أن يكون لديه ملف لدينا، ودون أن يملأ البيانات المطلوبة، أنا مع الحرية ومع الأحلام ومع الإصلاح ومع كل شيء، لكن لابد أن أقوم بدوري الأمني وأعرف بالتفصيل من المرشح.

نظر رئيس الوزراء في عيني وزير شؤون حقوق الإنسان يسأله هل لديك مرشح ؟ أجابه :

نعم.

وقرّب ناقل الصوت المعكوف والرقيق إلى فمه وبعد أن تنحنح وطرد ما في بلعومه من بلغم بدأ في سرد حيثيات اختيار مرشحه فقال :

نظرا للمعاناة التي عانا منها زميلي فلان ابن فلان في السجن و المسجون بسبب نسيان حلم، ونظرا لمواصلته الاعتناء بأحلامه وتسجيلها يوميا في دفتر، ونظرا لثقافته ولإجادته أكثر من لغة تعلمها في السجن، ولحفظه لأجزاء لا بأس بها من القرآن الكريم ودراسته لشيء من الإنجيل والتوراة في السجن أيضا ونظرا لخطه الجميل الواضح وللغته الرشيقة، ولإلمامه بفن الميوزك يعني الموسيقى والرسم والنحت والزخرفة ولإلمامه بالطب الشعبي والنباتات الطبية ولعضويته المتميزة في زاوية صوفية يردح و يجدب فيها كل خميس حتى يغمى عليه و نظرا لدراسته لعلم النفس و للنقد الأدبي خاصة النقد السيميائي الذي له علاقة مباشرة بعوالم الأحلام ودلالاتها، ونظرا لأخلاقه العالية وشفافيته وخلو قلبه من الحقد والانتقام، فحتى بعد أن خرج من السجن بعد عشر سنوات، بينما كلنا رفعنا قضايا في الدولة من أجل تعويضنا ماليا عن فترة السجن، هو لم يرفع قضية، ورفع يديه إلى الله وقال المسامح كريم، ونظرا لكل الخصال الحميدة التي سردناها على مسامع أعضاء المجلس الموقر و التي نادرا ما نجدها في شخص في هذا العصر المادي الأرعن فإني أرشحه لتقلد منصب وزير شؤون الأحلام.

ثم استدار ناحية وزير البوليس وقال له :

وبما أن هذا الشخص كان سجينا سابقا لديك فلا داعي لأن أقدم لك ملفا عنه، فملفه لديكم منذ أن فتح فيه أول كلمة رجل بوليسك الذكي الذي زج به في السجن لسبب تافه كان من المفترض أن ينتهي في لحظتها كنكتة تمنح المرح لكل رواد المقهى.

ابتسم كل الوزراء بالإجماع ورفعوا أيديهم بالموافقة، لا معارضة حول استوزار هذا الشخص الذي عانا كثيرا وهو مظلوم.

بعد إلحاح وتشجيع من الأصدقاء وافق على تقلد الوزارة، ولم يوافق بصورة نهائية إلا بعد أن تم التعهد له من أعلى السلطات بأن لا أحد يتدخل في عمله وأن تقدم له الميزانية المالية دون تأخير.

استلم وزير شؤون الأحلام الوزارة وتغيرت حالته ظاهريا نحو الأفضل، مُنح بيتا فاخرا في العاصمة، ومرتبا ضخما، وأسطول سيارات بسائقيه، ومروحية صغيرة بطيارها، وتم طبع كتابه ” مذكرات الليالي المطنشة ” في مطبعة ذات تقنية عالية بالعربية والإنجليزية و تم اعتماد الكتاب رسميا كمرجع مهم يدرس في الجامعات والمعاهد والمقاهي والبيوت والحانات الإصلاحية، وكان عندما يحضر اجتماع مجلس الوزراء الأسبوعي يغط في النوم، فلا أحد يجرؤ على إيقاظه، لأنه وزير لشؤون الأحلام، وهو الوحيد الذي من حقه أن ينام في الاجتماعات ليغطي الاجتماع حلمويا، ويحلم أثناء الاجتماع بحرية وربما يؤدي حلمه أثناء العمل لكشف مؤامرة ضد الشعب.

ذات اجتماع كان نائما وقفز صارخا، فتوقف الاجتماع وسأله رئيس الوزراء ما الأمر إن شاء الله خير ؟ ما الرؤية المباركة يا وزيرنا العزيز ؟

فأجابه :

فاجئني كابوس رائحته ثوم.

ثم عاد إلى نومه هانئا من جديد.

لم يترك رئيس الوزراء الأمر يمر مرور الكرام وبعد إجراء الكشف الطبي على مؤخرات الجميع اتضح أن وزيري الصحة والإعلام هما اللذان ضرطا، فتم تغريمهما ولفت نظرهما، لأن وزير إعلام يضرط مافيش مشكلة لأن الأمر من طبيعة وظيفته، لكن وزير صحة و يضرط فهذه مشكلة كبيرة، معنى ذلك أن هناك خللا وغشا في شحنة الأدوية الأخيرة التي اعتمد ميزانيتها المجلس وقام بالدعاية لها في التلفاز والراديو والمطبوعات وزير الإعلام شخصيا والتي من ضمنها أقراص وقف الفساء في الأماكن العامة والاجتماعات وذلك محافظة على البيئة وحتى لا يتلوث عبير الأزهار المنتشرة أشجاره في كل الشوارع، تعهدا أن لا يتكرر هذا الأمر.. وأن يتناولا قرصين قبل كل اجتماع على سبيل الاحتياط.

عندما ينتهي الاجتماع ويطرق رئيس الوزراء الطاولة بالمنضدة ينهض وزير شؤون الأحلام ويلتحق بعمله في مكتبه تلقائيا.

كانت مهمة وزير شؤون الأحلام تقتصر على جمع أكبر عدد ممكن من أحلام الناس وتشجيعهم على الحلم وإقامة مهرجانات و مسابقات لأفضل وأروع وأظرف وأعمق حلم وتلخيص ما يأتي به الناس من أحلام وتقديم تقرير فيها إلى مجلس الوزراء.

فتح فروع في كل مدن البلاد، عين على رأسها موظفين مؤهلين لديهم شهادات في العلوم الاجتماعية والنفسية والدينية والطبية وغيرها، عين أيضا على سبيل المجاملة والتعويض عن الألم لأنه صار من أبناء الدولة ومن المحسوبين على السلطة بعض أقاربه و أصدقائه وخاصة إخوته وأبناء عمومته وأصهاره وأخواله وشيخ قبيلته ومختار محلته بالإضافة أيضا لرفاقه في السجن الذين أولاهم عناية خاصة، فهؤلاء السجناء على عكس المؤهلين أكاديميا في معالجة الأحلام وتسجيلها كانوا هم الأفضل وقد أبدوا مهارة كبيرة في تسجيل الأحلام بأدق تفاصيلها وحتى شرحها وتفسيرها عبر هوامش ملحقة وذلك لخبرتهم الطويلة التي تجاوزت العشر سنين في السجن، حيث التأمل الطويل والسكون والصمت والنوم واستدعاء الذاكرة الماضية وتجميل حاضر السجن والقبول بأمره الواقع كقدر لا مهرب منه رغم انغلاقه عليهم ليل نهار ونظرا أيضا لتحليقهم الدائم في العالم الواسع مخترقين جدار الزنزانات وطائرين إلى كل مكان في الدنيا بأرواحهم و أحلامهم وأمانيهم.

صار هذا الوزير يمنح مكافآت لكل مواطن يتقدم للوزارة بحلمه، لا يحاسب الناس على أحلامها، في الأحلام حرية شاملة، لا توجد خطوط حمراء، أكتب حلمك في ورقة وقدمه، هناك قانون صدر بعدم محاسبة الناس عن أحلامها مهما كانت قاسية، وحتى وإن طالت رموز الدولة وثوابتها السياسية والدينية والاجتماعية وغيرها بس إلى درجة معقولة يمكن احتمالها، ففي النهاية رموز السلطة ليبيين عصبـيين يتنرفزون مثل كل الشعب بسرعة فتكون ردود أفعالهم أحيانا متهورة وعنيفة.

تم تقسيم الأحلام إلى عدة أقسام :

سياسة.. رياضة.. نفسية.. اجتماعية.. خيالية.. اقتصادية.. تاريخية.. ميثالوجيا.. ثقافية.. فنية.. علمية.. صحية.. خيال علمي.. غير مصنفة.. وهي الأحلام الجديدة غير المطروقة من قبل والتي لا تخطر على بال الشياطين إنْ كان للشياطين بالات مثلنا.

المكافآت التي تمنح عن الأحلام متفاوتة القيمة، فالحلم مثل الفواكه والخضروات، إن أحضرته طازجا تتحصل على مبلغ أعلى، وطازجا هو أن تحضره عند الفجر وحتى السادسة أو السابعة صباحا، وإن كان الجو ممطرا وبردا ومرضت نتيجة توصيل الحلم في طقس سيء، فوزارة شؤون الأحلام ستتكفل بعلاجك وبمرتبك حتى تشفى، وإنْ أتيت بالحلم والشمس في كبد السماء فبالطبع ستكون المكافأة منخفضة لكن بعد منتصف النهار تتوقف الوزارة عن استقبال الأحلام، لأن أحلام القيلولة لا يعوّل عليها لدى السلطات و أيضا غير معتمدة بعد من اللجنة الفنية والعلمية، وتذكّر المجتمع بنجوم القايلة المنتجة بكثرة في الحقبة السابقة التي عاشتها وعانت منها البلاد حيث كان التعذيب وضرب الفلقة والخنق والكي على وذنه، أي في أعلى معدلاته و ازدهاره إن كان للألم ازدهار، خاصة أن الوزارة ملتزمة بالتوجهات الجديدة نحو الإصلاح والتصالح ودفن الذكريات الأليمة السابقة في قبور التسامح.

من هنا اقتنع الوزير بعدم نكأ الجراح بقبول أحلام القيلولة وما بعدها، لكن هناك جماعة أخرى، منظمة أهلية تتظاهر بعدم تبعيتها للوزارة والدولة، جمعية اسمها ” يفسرلي هالحلامة “، تقبل مثل هذه الأحلام، لكن ليس لديها إمكانيات مادية كي تدفع مكافآت للحالمين فكسد نشاطها، لكن الوزير وضعها تحت المجهر وحاول إجراء اتفاق معها وبالفعل وافقت جماعة يفسرلي هالحلامة على الاتفاق أو صفقة المداهنة، وافق الوزير على منحها ميزانية مالية لا بأس بها من الوزارة، يأخذ مجلس إدارتها نصفها ونصفها الآخر يدفعونه مقابل أحلام الظهيرة على أن يوافوه بهذه الأحلام ليلا، حيث سهرة المساء، حيث يجتمع الكبار للسهر والسمر والرقص والنيك والعربدة الأنيقة، فيمزقها بل يضعها في المرحاض ويجذب عليها ذراع السيفون فتغرق مع فلطته الليلية.

تغير وزير الأحلام، بعد انغماسه في المال والسلطة، فالتحق بالشلة المرفهة وثبت في سيرية الكارطة، خاضعا مطيعا إلى درجة الإذلال، يضعه الجوكر حيثما يريد، قد يشرفه ويدلعه فيتركه في يده مدة طويلة، وقد يرمي به على الطاولة ورقة يمكن الاستغناء عنها فتلتهمه ورقة منافسة أخرى كوقود لتواصل اللعب، تكمل به قائمتها وتفرشها قافلة الدور منتصرة وهو محصور بين مروحة أوراق اللعب، سيظل دائما ورقة ملعوب بها، والأوراق الملعوب بها لن تكون هي اللاعب، فقدرها دائما أن ترفع ثم ترمى، ثم يتم خلطها مجددا في قطيع الأوراق ثم يوضع قطيع الأوراق منكفئا على بطنه ورقة فوق ورقة، ليبدأ اللاعبون في سحب أوراق حظهم، ومواصلة اللعب حتى تتلف الكارطة وتبيد، فيرمونها في سلة المهملات ويغيرونها بأوراق لعب جديدة، ناعمة الملمس وذات رائحة عطرة، تحدث صوتا لطيفا عند خلطها ( التمشكاي ).

بعد مدة وجيزة من بدء وزارة شؤون الأحلام لشغلها، انتهت مشكلة البطالة في البلاد، ممارسة الحلم ثم تسليمه للوزارة صار فرصة عمل لا بأس بها، الناس تنام باكرا وتستيقظ باكرا لتسلم حلمها وتستلم مكافآتها وتذهب لمواصلة النوم أو للعمل لمن كان لديه عمل، أو للتبضع من الأسواق أو التريض أو الجلوس في المقاهي، صارت الناس سعيدة، أن تبدأ يومك في الصباح الباكر بقبض مبلغ لا بأس به من المال لا يوجد هذا الأمر إلا في هذا المجتمع السعيد، ارتفعت وتيرة الإنتاج في المؤسسات الاقتصادية والخدمية وفي القطاع الخاص أيضا، لم يعد هناك تأخير عن العمل أو معاناة من مشكلة تأخر المرتبات ففي كل صباح يوجد مال بصورة منتظمة.

الحلم كالنيك، هناك أناس نشطة الأحلام، أحيانا تحلم حلمين أو ثلاثة في الليلة الواحدة، وهناك أناس بائسة عنينة لا تحلم في الأسبوع إلا مرة واحدة، مما استدعى الأمر لفتح قسم صحي خاص بالوزارة من أجل مد هؤلاء الذين لا يحلمون يوميا أو بصورة طبيعية بالدواء اللازم لإدرار لبن الأحلام.. أقراص سماوية بلون الزرقينا شبيهة بأقراص الفياجرا.

استعانت الوزارة فيما بعد حفاظا على الوقت والجهد لها وللمواطن بمنظومة كمبيوتر ضخمة، تستلم الأحلام عبر الإيميل وترسل المكافآت إلى حساب صاحب الإيميل بصورة آلية، استخدام التقنية الإلكترونية اقترحه الوزير من أجل القضاء على عملية الزحام، بعد استلام الأحلام بواسطة النت يتم تبويبها ثم تقدم للوزير ليختار المهم والمتميز منها، ويلخص الباقي بطريقة الصورة العامة أو الانطباع العام.

الأحلام المهمة والمتميزة والطريفة تصدرها الوزارة في كتاب شهري، لقى هذا الكتاب اهتماما وقبولا من القراء في داخل الوطن وخارجه وصار يصدر باللغات الخمس المعتمدة من قبل منظومة الأمم المتحدة، هذا الكتاب تم إصدار معه في خطوة جديدة مجلة أسبوعية تهتم بشؤون الأحلام وجريدة يومية، وكل المشاريع الاستثمارية التي أنشأتها وزارة شؤون الأحلام لاحقا من قناة فضائية ومطابع ومصانع ورق هدايا ومشاتل ورود لاقت نجاحا ورواجا كبيرا خاصة في المجال الإعلامي، فقد سجلت الصحف والمجلات والكتب التي تصدرها الوزارة أعلى درجة مبيعات وتوزيع في العالم وتم ترجمتها لأكثر من خمسين لغة، لم تعد الوزارة تعتمد ماليا على دعم الدولة، صارت تعتمد على نفسها، الناس تريد أن تحلم لتنفس عن نفسها وتكسب المال، إذن ستشتري كل الأشياء التي لها علاقة بهذه الأحلام التي تحوّلت إلى عمل يجلب لقمة العيش.

الوزير لم يجعل اقتصار قبول الأحلام من المواطنين فقط، وافق على قبول أحلام الرعايا الأجانب الذين يعيشون في البلاد بشرط أن يقدم الحلم مصحوبا بترجمة باللغة الوطنية وأن لا يناقش في أمر المكافأة إن كانت أقل قيمة من الحالم الوطني.. بالنسبة لترجمة الحلم لم تعد مشكلة، فعلى شاشة الكمبيوتر، هناك أكثر من برنامج يقوم بالترجمة الفورية بسعر زهيد أو مجانا.

لم تكن هناك سمسرة ومضاربة في الأحلام، لم تتشكل بورصة تجارية لها، كل حالم يفضل أن يبيع حلمه مباشرة، لأن المكافآت غير ثابتة، أحيانا مرتفعة وأحيانا منخفضة، حسب بورصة الأحلام العالمية، الوزارة صارت تصدّر من هذه الأحلام لبعض الدول التي بها جدب حلمي ومجاعة خيال ونوم، مقابل مبلغ رمزي أو مقايضة معها ببطاطين وألحفة وبسط ووسائد وكل مستلزمات النوم المريح، وبين الحين والآخر تستورد من تلك الدول بعض الأحلام الجديدة غير المألوفة لديها لتضمنها أرشيفها الكبير.

برر الوزير سبب استيراده لأحلام من الدول الأخرى وتخزينها في الأرشيف لدواع أمنية، قائلا :

قد تنشب ذات يوم حرب أحلام كونية على غرار حرب النجوم، فنكون مستعدين لها وعلى دراية بعدونا وأحلامه، لذلك أطلب من مجلسكم الموقر إقرار الميزانية المالية التي طلبتها لهذا الغرض، فالأحلام سنشتريها بالعملة الصعبة وهي أحلام منتقاة من قبل لجنة الخبراء، وليس هناك دولة تبيع أحلامها بالرخيص.

عندما أتم وزير شؤون الأحلام قراءة الكلام السابق، ابتسم له وزير البوليس ووقف من مقعده وتوجه إليه يعانقه تقديرا لهذه اللفتة الأمنية الباهرة.

الناس صارت تحب هذه الوزارة لأنها تصدقها وتثق فيها، لم ترد أي بائع حلم قصدها لبيع حلمه، لا تقل لأحد أن هذه قصة ملفقة وليست حلما، لا تقل لأحد هذا كذب، تحترم كل الأحلام القادمة إليها، دون تمييز وتسدد الثمن فورا لأصحابها، حتى أحلام العسكريين والبوليسيين تستقبلها منهم وتتعامل معها بتحفظ وسريّة حفاظا على أمن الدولة، فتلقي نظرة عليها من قبل منسق خاص يصاحبه عضو من العسكر وآخر من البوليس، ثم تقوم الوزارة بحفظها في مكتب تحت الأرض محصن ضد الحروب النووية.

من خلال دراسة هذه الأحلام من قبل الدولة تغيرت في البلاد مفاهيم و قوانين كثيرة، تغيرت القوانين غير المتماشية مع الزمن وتطوره العلمي والثقافي، تغيرت البلاد إلى الأفضل، لأنها أجابت عبر قوانينها الجديدة على سؤال بماذا يحلم الناس ؟!.

يحلمون بالحرية، تمنحهم حرية، يحلمون بالسعادة، تمنحهم سعادة، يحلمون بالموز، استورد لهم الموز، يحلمون بالجنس، أقم الأعراس الجماعية وأدعم برامج الزواج، وأفتح لهم حتى بعض المواخير في الفنادق، يحلمون بالخمر، وفره لهم عبر حانات أو في الدكاكين، يحلمون بالنزهة أفتح لهم حدائق وجهز لهم شواطئ و بلط لهم كورنيش على البحر أو النهر يمارسون فيه الرياضة المسائية ويشمون فيه عبير الماء المنعش، يحلمون بالثورة، أتركهم يثورون ويتظاهرون ويحطمون بعض الواجهات الزجاجية ويشعلون النار في بعض أطر السيارات دون أن ترديهم بالرصاص أو تزج بهم في غياهب السجون معتبرا أن هذه الأمور في الحياة طبيعية جدا.

أحلام الناس لم تتغير، كانت أحلام عادية، بسيطة، معظمها يتعلق بالحصول على مال وتحسين الوضع الاقتصادي للأسرة، أو عن الرغبة الجنسية، أو الخوف من الحكومة ومن البوليس والمباحث، أو رؤية غائب أو ميت في مذبحة أو حرب، لا أحد حلم بتدبير انقلاب مدني أو عسكري، وربما هناك من حلم بذلك لكن لم يتجرأ أن يسلم حلمه للوزارة دون تحوير، يحوره مثلا، حلمت بمجموعة تخطط لانقلاب فوجدت نفسي أركب حصانا خشبيا وأشعل في خشبه النار فيطير بي عاليا لأجد نفسي أمام رجل يحب الوطن عانقته وأخبرته بالأمر، بعدها سمعت صياح ديك فاستيقظت وكان الوقت صباحا فجئت راكضا إلى هنا ليس على حصان إنما تطبيقا لمبدأ الرياضة للجميع على قدمي الحافيتين هذه.

عند انتهائه من سرد هذا الحلم المحوّر قدم له وزير شؤون الأحلام حذاء رياضيا فاخرا نوع ديداس مع دستة جوارب وقال له في مثل هذه الأحلام أريدك بطل العالم في الجري.

كل الأحلام الناس تحلمها بحرية مطلقة لأنها في حالة نوم، لكن تسلم أحلامها بعبودية، لأنها في حالة يقظة، فتحرص يقظتها الواجفة على أخذ مقابل عنها ولا شعوريا تقوم بتهذيبها قليلا فتنقص من حدت حريتها تقية وحذرا.

كل الشعب بفضل جهود هذه الوزارة صار سعيدا، وراضيا عن الدولة وعن نظامها السياسي البديع، وعن إصلاحها الشفاف، أين تجد هذه النعمة في كل أرجاء المعمورة، دولة تحترم أحلام شعبها، وتدفع مالا دون مَنٍ من أجل الحصول على الأحلام، وتدوينها، وأرشفتها، لأنها تعتبرها تراث وطني وذاكرة اللاوعي القومي، وحديقة أمنيات للماضي والحاضر والمستقبل البسيط والمركب.

الدولة تعتبر الأحلام ثروة كبيرة، أهم من النفط، استثمار مستقبلي، من يدري ربما في المستقبل بسبب الحضارة والعولمة وجنونها والتقدم المادي المنفلت والسخيف أن يفقد الإنسان أحلامه، أن يتوقف عن الحلم، أن يعجز عن النوم، ومن هنا يمكن للدولة أن تحقن بعض الناس ببعض الأحلام القديمة لتنتعش دورة الأحلام وتنبعث من جديد ويعود الحلم إلى المخيلات مواصلا رسالته في مواساة الأرواح.

الأحلام سلعة لا تأكل ولا تشرب ولا تموت ولا تفسد ولا تأخذ حيزا كبيرا من حياة الناس وكل الناس تحبها لأنها أحلام الأجداد سبب وجودنا، ورمز عزتنا وكرامتنا، من فقد أحلامه فقدَ حياته، ونوم بلا أحلام، آخييييييييييييه عليييييييييه، نوم كلوط، ثقيل الدم والروح.

بفضل هذه الوزارة تضاءل دور أجهزة البوليس والمخابرات في البلاد، الناس تسلم كل صباح أحلامها، ومن سلمك حلمه سلمك روحه، فماذا تريدون منها أيضا ؟!، ارفعوا عيونكم وأيديكم عن الشعب، هكذا قال لهم وزير شؤون حقوق الإنسان متظاهرا بالغضب الشديد في اجتماع مجلس الوزراء، بالطبع لم يقل هذا الكلام من رأسه، انتظر غروب الشمس وتأمل في لسانه هل ثمة نور أخضر.

مقالات ذات علاقة

رواية الحـرز (3)

أبو إسحاق الغدامسي

دهورة – الجزء الأول (مشاهد رصدت قبل الثورة….)

حسن أبوقباعة

تاجر الأوهام (2)- رجل الحاوية

محمد النعاس

اترك تعليق