من أعمال التشكيلي مصباح الكبير
قصة

ورطة كاتب روائي

.

بدأت ورطة زميلنا ابراهيم عبد المجيد عندما رن الهاتف في غرفته، وهو مستغرق في اغفاءة بعد الظهر، فقام منزعجا يرد على الهاتف، حيث كان موظف الاستقبال على الطرف التاني يخبره بوصول صندوق الكتب.

كان الكاتب المصري، ضيفا على بغداد ضمن مهرجان المربد، مقيما في فندق المأمون، المخصص بكامله لاقامة الضيوف، ولم يكن قد اشترى كتبا يتوقع وصولها اليه من اية مكتبة، ومع ذلك سـأل عامل الاستقبال ان يرسل الصندوق اليه في غرفته، واكتشف عندما وصل العامل، انه جاء يحمل صندقا كبيرا ثقيلا، فوق عربة نقل الحقائب، واحتاج العامل لجهد حتى ينقله من العربة الى داخل الغرفة، فهو لا يقل عن اربعين او خمسين كيلو جراما، لان كل الكتب كانت مجلدات سميكة باغلفة صلبة وتجليد فاخر، ومع الكتب بطاقة مشفوعة بامضاء السيد وزير الاعلام تزف اليه الهدية الثمينة الغالية الا وهي باقة الكتب – كما تقول البطاقة – التي تحتوي خطب ولقاءات الرئيس المهيب السيد صدام حسين حفظه الله ورعاه مع كتب اخرى عن حياته وسجله النضالي البطولى منذ انخراطه في الدراسة الابتدائية في مناطق تكريت.

كان مهرجان المربد قد وصل الى ختامه، وكان موعد العودة لابراهيم عبد المجيد الى القاهرة، المحدد في تذكرة السفر هو اليوم التالي، وكان ما اصبح يشغل دهن ابراهيم عبد المجيد، هوان لديه حقيبة وضع فيها ما انتقاه من كتب من المكتبات وما تلقاه من هدايا الاصدقاء الادباء، بما يزيد عن الوزن المخصص لكل راكب، معتمدا على ان سيضع الفائض من الوزن في حقيبة ياخذها في يده

صندوق الكتب الذي جاء هدية من الحكومة يزيد وحده عن مخصصات راكبين لا راكب واحد، ولم تكن مع الكتب رسالة الى الخطوط تتحمل نفقات هذا الوزن الزائد، ومعنى ذلك انه لن يستطيع حمل هذه الكتب معه في الطائرة باعتبارها وزنا زائدا لان مثل هذا الوزن يحتاج الى ان يدفع مبالغ طائلة فوق قدراته، الا اذا ظهر الان من لجان الاستضافة من سيتكفل بمعالجة هذا الوزن الزائد، وكان شغله ذلك المساء الذي يسبق يوم السفر، هو معرفة هذا الترتيب الذي وضعته وزارة الاعلام لتيسير سفر الكتب معه، وكانت الاجابة التي تلقاها من كل من اتصل به من اعضاء لجان الاستضافة انه لا وجود لاية ترتيبات تؤمن للضيوف سداد الوزن الزائد . اذن ما العمل يا ابراهيم ياعبد المجيد في هذه الورطة ؟ فهو يعرف يقينا ان ترك الكتب بالغرفة، سيكون اهانة لمرسل الهدية السيد الوزير لطيف نصيف جاسم الذي خصه بهذه الهدية مرفقة ببطاقة المعايدة الشخصية، واهانة اكبر للقائد الفذ والرئيس المهيب نفسه، ولا احد يستطيع ان يتنبأ بنتائج ما يحدث له، فيما اذا اكتشف احد اعوان الامن في الفندق هذه الاهانة . كانت مفارقة مؤسفة ان يجد هذا الكاتب الروائي اذي برع في صنع المزالق والكوابيس لابطال قصصه وتوريطهم في مازق صعبة يعجزون عن الخروج منها بطلا لمثل هذا المأزق الحرج.

تصادف ان وجد في صالة الفندق صديقه الناقد العراقي فاضل تامر، فقرر ان يفاتحه في هذه الورطة وعن السبيل الافضل للتعامل مع هذه الهدية الملعونة، فوافقه عى ان تركها مشكلة، واخذها معه الى المطار مشكلة اكبر، ولابد من طريق ثالث، والطريق الثالث هو ان يتطوع احد الادباء العراقيين باخذها الى بيته ويحتفظ بها او يبحث عن طريقة آمنة لاتلافها، ولكن اغلب الكتاب العراقيين المشاركين في المؤتمر غادروا الفندق عائدين الى بيوتهم او الى المدن التي جاءوا منها، ولا سبيل الى ازعاج احدهم في مثل هذا الوقت من الليل، اما السيد تامر فهو يقيم خارج العراق وسيتجه هو الاخر الى المطار عائدا الى البلد الذي جاء منه.

كان الفندق قد بدأ يتحرر من ضجيج النهار، وجلساء اللوبي يغادرونه عائدين الى غرفهم، ويعمه سكون وهدوء منتصف الليل، ولم يبق عدا عمال الفندق وموظفي الاستقبال الا ابراهيم عبد المجيد وصاحبه، يفكران في العثور على حل لهذه الورطة، ولمعت في عيني كل منهما فكرة، اكتشفا انها ذات الفكرة التي خامرت عقل الاخر، وهي التخلص من الكتب بتكتم وسرية عن طريق رميها في نهر دجلة المحاذي للفندق، وصعدا الى الغرفة حيث الصندوق يقعى مهيبا مخيفا كانه محمل بالصواعق والبراكين، وافرغا جزءا من الكتب في كيسين من البلاستيك تستخدم في جمع الملابس المعدة للغسيل، ولم يكن ممكنا اخذ هذه الكمية من الكتب في مرة واحدة، فقررا اخذ دفعة والعودة الى الدفعة الثانية، بعد اتلاف الاولى. وبمنتهى الحذر والحرص والاحتراز تسللا بكيسي البلاستيك الى شاطيء النهر، وجلسا على حافة الكورنيش، في جلسة عادية، طبيعية، باعتبارهما صديقين يستمتعان بانسام الليل على النهر . تاكدا بانه لا وجود لكائن بشري يراهما، ورفعا بصريهما الى شرفات الفندق، فبدت كلها صامتة، خاوية، مظلمة، لا تصدر عنها نأمة ولا حركة، وقذف ابراهيم عبد المجيد باول كتاب في النهر، وكان يخشى ان يبقى طافئا فيدل في الصباح على الجريمة، ولكن سمك الكتاب وثقله، ساعدت على ان يغوص سريعا في الماء، وهكذا صار الاثنان يتناوبان على قذف السيالات الذهنية المريضة التي كان يقذف بها طاغية العراق مواطنيه، الى النهر، كتابا بعد الاخر، وبسرعة عادا لجلب الدفعة المتبقية، وبحرص وتكتم وسرية، صعدا الى الغرفة وعادا منها متسللين الى النهر . وجلسا في ذات الوضع الذي كانا عليه في المرة لاولى، الا ان ضوء سيارة، انبثق في طريق الكورنيش، فانتظرا السيارة وهي تمر ببطء، واحسا بشيء من الضيق والخوف وهما يكتشفان انها سيارة شرطة، دورية ليلية، وازداد خوفهما وهما يجدانها تبطيء في الحركة الى حد التوقف امامهما، يستقلها ضابط وشرطي يقود السيارة، وقفا بالسيارة يتطلعان فيهما، ويبدو انهما عدلا عن الوقوف والنزول من السيارة عندما وجدا انهما رجلان من اهل القيافة الرسمية بذل انيقة وقمصان يلمع بياضها في الظلام وربما ربطة عنق تعود الاستاذ تامر ان يرتديها اثناء المؤتمرات، فاكتفيا بان اطلقا التحية وواصلا طريقهما. تنفس الاثنان الصعداء، وانتظرا حتى اختفت السيارة، ليباشرا مهمة قذف الكتب في النهر. كراس صغير يحتوى على خطاب اخير، لعله الخطاب الذي القاه السيد الرئيس عند افتتاح المربد، كان مدسوسا بين المجلدات ولاقى هو ايضا مصير الكتب الاخرى مقذوفا به وسط مياه النهر، الا انه لخفته وقلة صفحاته ظل طافيا لا يغرق، ولعله يكون فيما بعد دليلا على الجريمة . نعم انتهت المهمة بسلام، وتم التخلص من هذه الهدية التي تجلب البوس والهم، الا ان الدفتر الذي بقى طافيا فوق الماء صار مصدر قلق لهما، ولا سبيل لعمل اي شيء لاغراقه، ولم يكن هناك بدا من تركه كما هو معتمدين على ان مياه دجلة ستفعل فعلها به محوا وتشويها وتعتيما على اسم كاتبه حتى يصعب الاستلال على انه كتاب الرئيس، ولكن الامر سيظل مع ذلك رهن التخمين والامل في ان لا ينتبه احد من اعوان الامن لما حدث.

عاد ابراهيم عبد المجيد الى غرفته وقد تخلص من ورطة الصندوق، ولكنه كان يلوم نفسه لانه لم يكن يضيره ان يحتفظ بهذا الكراس الصغير الذي لا وزن له ولا قيمة ولا يشكل مشكلة ولا عبئا، فكيف يرتكب خطأ رميه في النهر وهو يعرف انه لن يغرق مثل بقية الكتب، الم يكن حماقة ان يرمي به في النهر ليترك دليلا يقود الى جريمته،وقد يؤدي به الى المهالك، وظل القلق يساوره الى ان جاءت السيارة وجاء المرافق ياخذانه الى المطار، واراد ان يلقى نظرة على مكان الكراس في النهر، فلعل الامواج سحبته الى مكان بعيد، او نجحت في اغراقه، ولكنه خشى ان يثير الشبهات بهذا الخروج الى النهر، فاخذ طريقه صامتا الى السيارة التي اوصلته الى المطار، ودخل الى قاعات المغادرة، والقلق يساوره، وهو في حالة اصغاء دائم للنداءات الصادرة من ناقلات الصوت، عله يسمع احدا ينادي اسمه كاشارة على اكتشاف امره، لم يهنأ ولم يستقر حتى اخذ مكانه بين الركاب وسط الطائرة، واخذت هي طريقها الى مدرج الاقلاع، واضاءت الاشارة الحمراء التي تطالب الركاب بربط حزام المقعد، فربط حزام مقعده وهو يعاهد نفسه بان يكون هذا اخر حضور له للمرابد التي يفتتحها صدام حسين، غير مدرك ان صدام حسين هو الذي سيغادر المشهد العرقي متارجحا من عنقه في مشنقة العدالة، وان مرابد اخرى ستقام وسيحضرها متحررا من كوابيس الطاغية وسيالات عقله المريض.

مقالات ذات علاقة

الثقب الاسود

إبراهيم الصادق شيتة

قال أحبك ومضى!

المشرف العام

جفاف

خيرية فتحي عبدالجليل

اترك تعليق