المقالة

ورحل شاعر الربابة المعاصر، العبقري عبد الرحمن الابنودي

استأذن القاريء في ان ابدأ مقالي عن الراحل الكبير عمنا وصديقنا وحبيب الناس جميعا الخال والعم والاخ عبد الرحمن الابنودي بهذه الاسطر التي كتبتها منذ ستة عشر عاما، ونشرتها في صحيفة العربي يوم 1-1-1999،

الشاعر عبدالرحمن الأبنودي عن الشبكة
الشاعر عبدالرحمن الأبنودي
عن الشبكة

بمناسبة خروجه من وعكة صحية، وقلت تحت عنوان “شعر معجون بطمي النيل” هذه الكلمات “لا أدرى منذ متى بدأ اتصالى بإبداع شاعر العامية المصرية الكبير الأستاذ عبد الرحمن الأبنودى، فلا بد أنه بدأ منذ أن باشر النشر فى الصحف المصرية فى الستينيات، التى كنت أتابعها من طرابلس حيث أقيم، وحيث كانت الصحف والمجلات والكتب المصرية تفد إلينا بيسر وسهولة، وإذا تعذر الشراء فإننا نستطيع أن نعتمد على صالات القراءة العامة، التابعة للدولة، أو فى المركز الثقافى المصرى الذى كان مركز إشعاع فكريا وثقافيا خلال تلك المرحلة.

ما أذكره الآن أننى لم أجد أية حواجز لغوية تمنعنى من التفاعل والتواصل مع شعر العامية المصرية الذى يكتبه الشعراء المثقفون بدءا من بيرم التونسى وفؤاد حداد وصلاح جاهين، ثم الجيل الثانى لهؤلاء، جيل عبد الرحمن الأبنودى وأحمد فؤاد نجم وسيد حجاب، وقد ربطنى بهؤلاء الثلاثة أجمل عرى المودة والصداقة.

فى عالم عبد الرحمن الأبنودى نماذج وصور وألوان أجد تماهيا معها، وتوحدا مع رموزها، لأنها تضرب فى عمق البيئة الشعبية الريفية البدوية، التى ينتمى إليها، حيث الجذور واحدة ومتطابقة مع بيئات ومجتمعات عربية أخرى، من بينها البيئة الريفية البدوية القروية التى جئت منها، بل إن كثيرا من مفردات القصيدة العامية لدى الأبنودى، لا تختلف عن قاموس ومفردات اللهجة الشعبية الريفية البدوية فى ليبيا، عدا أن عبقرية الشاعر أعادت ترتيبها وصياغتا وصنعت منها جواهر أدبية، فارتفعت بها عن محدودية الزمان والمكان لتصبح  بتراثا باقيا على مر الزمن وتعاقب الأجيال.

لم يعد شعر العامية على أيدى هؤلاء الشعراء الأفذاذ، شعرا محليا مصريا خالصا، كغيرة من أشعار عامية لا تخاطب أحدا إلا أهل تلك اللهجة، وقد تعجز تلك الأشعار عن الخروج من مربع القرية أو العشيرة التى ينتمى إليها الشاعر نتيجة ما تتسم به اللهجات من اختلاف وتباين.

ورغم أن شاعر مثل الأبنودى يتعاطى مع أكثر القضايا تعقيدا، ويسعى فى ملاحمه الشعرية إلى سبر أغوار النفس البشرية، والتعبير عن العوالم الداخلية لأبطال ملاحمه، ويكتب شعرا يتجاوز أغراض الشعر الشعبى المعروفة والموجودة فى الأغانى والأهازيج العاطفية، وقصائد النقد السياسى، ليكون وثائق نفسية وتاريخية واجتماعية، علاوة على رسالته الإبداعية الفنية، رغم ذلك كله فقد نجح فى تطويع المفردة الشعبية لاقتحام هذه العوالم بمقدرة وكفاءة، باعتبارها أداة تعبير وتصوير وبلاغة، مثلها مثل الفصحى، ولذلك فإن الأمسيات الشعرية التى يقيمها الأبنودى فى الوطن العربى وأخرها الأمسية التى أقامها فى قطر قبل أيام من مرضه، تحظى بإقبال جماهيرى واسع، لا يمكن لأى شاعر أن يتعامل بالمفردة الشعبية أن يلقاه خارج الدائرة المحدودة التى ينتمى إليها، بسبب ما يتوفر لهذا الشعر من عناصر القوة فى اللغة والأداء والتصوير، وما احتواه من غزارة الخيال. انني على يقين كامل بأن شعر الأبنودى لو ترجم إلى لغات أخرى، لوجد قبولا ونجاحا يضاهى قبوله على المستوى العربى، لوفرة العناصر الإنسانية فيه، معجونة بماء النيل وطميه، ويبقى بعد ذلك جهده العلمى الكبير الذى ما كان لأحد غيره أن ينجز بهذه الكفاءة والمثابرة عندما جمع السيرة الهلالية فى عدة مجلدات وحفظ هذه المادة الأدبية الشعبية من الاندثار، وحماها من الضياع، لتبقى وثيقة تتوارثها الأجيال عن قوة وعبقرية الخيال فى مصر وعناصر الوحدة فى الثقافة الشعبية العربية.

“حفظ الله شاعرنا الكبير وشفاه من مرضه وأعاده سالما معافى لأسرته الصغيرة فى بيت الأبنودى وأسرته الكبيرة فى مصر وأسرته الأكبر فى الوطن العربي.(العربي (11/1/1999)”… كانت هذه الكلمات هي التحية التي وجهتها للشاعر النابغة عبد الرحمن الابنودي، في حياته، وفي وقت كان  فيه حضوره الابداعي الجميل، طاغيا، ومهيمنا على الساحة الادبية، بفضل ما حباه به الله من سحر البيان، وجاذببة الشخصية، وروعة الالقاء، وصدق التعامل مع الناس والكلمة، وبراعة التواصل والاتصال، وبادلني، بما جبل عليه من ادب وريحية ورقي في السلوك والمعاملة، كلمات المحبة والتحية بعد ان قرأ المقال، وكان قد استرد عافيته، محاطا كما كان حاله في كل الاوقات، باصدقاء يحبونه، ويتلقون بحماس ولهفة، كل كلمة يقولها، كما يتلقاها ايضا جمهوره العريض، على امتداد الوطن العربي، وقد استعار تقنيات واسلوب شاعر الربابة وتقاليده القديمة، عندما كان ذلك الشاعر يصنع حلقة من جمهور المنصتين باعجاب لانشاده وعزفه، الا ان حلقة الشاعر الابنودي، كانت واسعة سعة الوطن نفسه، وتجاوز حدود بلده مصر، لان مثله مثل شعراء الانسانية الكبار، لم تكن المفردات التي يستخدمها، حتى لو كانت تنتمي الى بيئة محدودة، او لهجة شعبية ذات طابع محلي، تضيق عن استيعاب الرؤى والمواقف والافكار والمشاعر التي يبرع في صياغتها، والتي تصنع بينه وبين الناس، بمن فيهم جمهور خارج اللغة التي يكتبها، روابط ووشائج لا تنفصم عراها ابدا، والا ما كنا ونحن في العالم العربي نعرف شاعرا هنديا مثل طاغور، او اسبانيا مثل لوركا، او روسيا مثل بوشكين، او تركيا مثل ناظم حكمت، او فرنسيا مثل ايلوار او رامبو.

وبقدر ما كان الشعر هبة حباه بها الله، فان الله جعل الابنودي نفسه هبة للشعر، ازداد به الشعر حضورا في حياة الناس، وازداد به الشعر شعبية وانصارا ومحبين، وبمثل ما استقطب للشعر جمهورا من اهل التعليم والثقافة، استقطب جمهورا اكبر من خارج اهل التعليم والثقافة، وهذا هو انجازه الكبير، لانه استطاعت ان تجتمع في رحاب كلمته الشاعرة، كل الفئات، ويلتقي حوله اصناف من الناس، شديدة الاختلاف والتنوع والتباين في مستوياتها التعليمية والثقافية، وربما مشاربها السياسية والاجتماعية، وصار الشعر قادرا، كما تفعل السياسة، على صنع نجوم وقادة يبلغون ذات المرتبة الراقية العالية التي لا يبلغها عادة الا الزعماء الملهمون، ممن يجد فيهم الناس البسطاء صورة لهم، ويراهم قادة قادرين على تحقيق امالهم وحلامهم، وقد اعطى هؤلاء الناس منزلة للابنودي، تعادل هذه المنزلة، لانهم وجدوا فيه صوتا يعبر علن امالهم واحلامهم وافراحهم واتراحهم، رأى فيه الفلاح المصري، تجسيدا للصورة التراثية للفلاح الفصيح في الذاكرة الوطنية والتاريخ، المتوارثة منذ عصور الفراعنة، فاحبه واعطاه ثقته وجعله بحق الناطق الرسمي باسم الضمير الجمعي للشعب المصري، وعن استحقاق وجدارة وتميز.

لقد حقق الابنودي شعبيته عبر مراحل بدأت منذ الايام الاولى لظهوره شابا فوق العشرين بقليل، يستطيع بقوة موهبته ان يقتحم قلاع الغناء والموسيقى، ويستفيد من قوة وزخم وشعبية نجوم الغناء اللامعين، امثال عبد الحليم حافظ، ومحمد رشدي، ونجاة الصغيرة، وفايزة احمد، ووردة الجزائرية، وكبار نجوم الموسيقى امثال محمد الموجي وبليغ حمدي وكمال الطويل، ليصل الى الناس بشعره المضمح بعبير ونكهة الحقول وعبق النيل وبساطة اللهجة التي يتلكم بها اهل الصعيد، الملتصق بروح الناس، القريب من فهمهم، المعبر عن همومهم ومشاغلهم، بل كان قادرا على التقاط الكلمة الشعبية من افواهم، كما يرددونها في اعراسهم، مستوحاة من تراثهم الشعبي، ويقوم بصياغتها صياغة جديدة، كما في اغانيه الشهيرة، تحت الشجر يا وهيبة، وانا كل ما اقول التوبة، ولو الهوايا هواي، وعدوية، وعرباوي، وغيرها، ليلتقي الناس باسلوب جديدة، ولغة جديدة في التعبير الغنائي ولون جديد، وتتعانق موهبته بمواهب اولئك المبدعين الكبار في الاداء والتلحين، يصنعون معا مدرسة في الغناء هى التي تبسط نفوذها وسيطرتها على العقول والقلوب منذ نصف قرن وحتى الان.

ولم يكن عبثا ان ينبرى عبد الرحمن الابنودي، للقيام بمهمة شديدة الصعوبة، وان يتصدى بمهارة الغواص الماهر، في الغوص عميقا في اوقيانوس الفلكلور المصري وفن الشعب وتراثه، بحثا عن اكثر جواهره قيمة، وان يكرس جزءا من عمره، منتدبا نفسه لمهمة لم يكن احد انتدبه لها، وانما باشرها تطوعا، وحبا، واختيارا، وبجهد وجلد ومثابرة، يجمع اشتات الملحمة الشعبية المسماة السيرة الهلالية، ذاهبا الى اعماق الريف، واعماق الصعيد، جالبا رواتها، ليرصد ويحلل ويسجل مختلف الصياغات الشعبية لهذه الملحة، ومختلف اللهجات، ومختلف الاساليب، التي يروي بها الرواة والمنشدون هذه السيرة،   ويقوم بثوتيقها كتابة ثم بالصوت والصورة، لكي تبقى كواحدة من اثمن المجلدات واثمن التسجيلات في تاريخ الفلكلور المصري، جهد لم يكن يمكن لغير عمل مؤسساتي ان يتصدى له، ولكنه هو بمفرده من قام بالمهمة، ولم يفعل ذلك لانه باحث، يريد انجاز شهادة الدكتوراه، او بغرض ان يؤدي عمل الاكاديميين نيابة عنهم، ولكنه كان يعرف ان مهمة كهذه لن يستطيع التصدي له الا شاعر مثله، مفعم بحب التراث، وعلى قدر كبير من فهمه واستيعابه، ومع ذلك فلم تكن غايته مجرد التوثيق والتسجيل، وهو عمل وطني وعلمي جليل دون شك، وانما  ايضا لان هذه العملية كانت بالنسبة له اثراء واغناء لوجدانه الادبي، وفيوضا يغذي به موهبته العظيمة، ورصيدا يضاف الى رصيده في فهم التراث واستيعابه، وزخما يضاف الى الزخم الذي يعتمد عليه في انجاز مشروعه الشعري، ولهذا فان الموهبة العملاقة التي تجلت في هذا الانسان، لم تتكون بسهولة ولم تتكون الا بالجهد والجلد والكدح والمثابرة ليبقى ذلك درسا لمن يريد ان يصل الى المشارف العالية التي وصلها هذا الشاعر.

ولان عبد الرحمن الابنودي ابن عصره، متفتح على كل افاقه، عارف بكل مفاتيحه، مستوعب لوسائله واساليبه، ادرك ان العصر الراهن يقدم له فرصة ذهبية، لم تكن متاحة ابدا لاسلافه من اهل الشعر والادب، فكان اكثر شاعر في  العصر الحديث، استطاع تطويع هذه الاجهزة والوسائط لمشروعه الابداعي، بحيث جعل السموات المفتوحة واجهزة التسجيل المرئية والمسموعة ومواقع اليوتيوب في شبكة المعلومات العالمية (انترنيت)، تمنحه نفسها بيسر وسهولة، وتضع امكانياتها في التواصل مع جمهوره العريض تحت امره، فيصل عبرها ومن خلالها الى اكبر قاعدة يمكن ان يصلها شاعر بشعره.

واذا كان الشاعر الابنودي في حالة اشتباك دائما مع الواقع المصري ومع قضايا وهموم المواطنين في بلده، فان ذلك لم يشغله ابدا عن هموم وطنه الكبير الوطن العربي، وكانت القضية العربية المركزية قضية فلسطين في قلبه وعلى لسانه، وسخر لها جزءا من شعره، وغنى للبنان في اوقات محنته بلسان مطربته ماجدة الرومي، وكنت التقيه في محافل عربية فاجده موقع احتفاء وترحيب فقد حضرت جلسة جمعته مع ادباء عرب بينهم اديبة هي ليلى العثمان من الكويت وابن بلدها اسماعيل فهد اسماعيل فاذا بهم يشيدون به لانه اول من قدمهم واول من كتب مقدمة لاول رواية كتبها اسماعيل فهد اسماعيل، والتقيته في محفل اخر تشرف عليه الشاعرة السورية خديجة مكحلي التي قدمته لجمهور القاعة باعتبار ما له من فضل علىها وعلى ادباء من بلادها وكان قد سألني وسالها باعتبار ان جمهور القاعة ذلك اليوم يغلب عليه الضيوف العرب ان كنا ننصح بقصائد بعينها فقلنا له ان كل ما تقوله سيكون موضع ترحيب ولا مفاضلة بين قصيدة واخرى لان الشعر عندما يكتبه شاعر بقامة وقيمة عبد الرحمن الابنودي يتجاوز المناسبة التي كتب من اجلها ليصبح زادا للوجدان الانساني في كل زمان ومكان، وكنت استطيع ان امضى في الكتابة عن هذا الشاعر العملاق الا انني ساختم بهذا البيت للشاعر المتنبي واخاطب به الراحل الابنودي قائلا:

يفنى الكلام ولا يحيط بفضلكم   ايحيط ما يفني بما لا ينفد

__________________________
* سبق نشر المقال في صحيفة “المقال” القاهرية.

مقالات ذات علاقة

لماذا هذا التجاهل للموروث الدستوري في ليبيا؟

المشرف العام

قراءة الأدب

محمد الترهوني

العالم الأول الثالث

أنيس فوزي

اترك تعليق