سرد

وحكايات اْخرى!!

ندوات ثقافية

حكايه قديمه….

حين قدم المدينه اكتشفها بعفويه. وصدق…. لاحت له منذ اول وهلة مفزعه. ومخيفه…. الزحام…. الضيق…. بنايات الاسمنت المرتفعة…. العربات ذات الابواق الحادة…. ولهاث البشر وسطها بلا توقف. ودون قناعة بشىْ فى نهاية المطاف.

كان قد ترك (النجع) خلفه واتى اليها بعدما اصابه ملل من حياة الريف… ضاق بالمحراث. والمنجل. والحقل. وصفاء الارض… وامتدادها امام البصر دون حدود او جدران… او اشارات مرور واتى للمدينة يسعى… يبحث عن عمل يتكسب منه. ماله ومال الارض… والحرث والحصاد… لقد اضحت تركيبة لاتلائم حضارة المدن وعصر النفط وبنايات الاسمنت… والالات العديدة. كثيرون من جيرانه… ومن اقاربه فى ذلك النجع البعيد. فعلوا ذلك… كانوا شطارا… لقد اتوا مبكرا عندما دمر الجفاف الارض ذات عام. نفضوا ايديهم من غبارها واتوا… ونالوا نصيبهم من خير المدينه… وتغيرت طباعهم شيئا فشيئا.لقد ادركتهم حضارة المدينه… وهم ليسوا احسن منه بايةحال… وهو سيفعل مثلما فعلوا… سيحاول ان يستغل كل الفرص… سيسعى لنيل حصته من المدينه… المدينه التى هى كل شى فى رايه الان هى حلمه… هى طموحاته سيشترى قطعة ارض فى احد المخططات…. وربما يتزوج باخرى…. وربما وربما…. احلام كثيرة كثيرة…. احلام…. تتدفق وتنهمر….

غير ان ماظل يفزعه ويناكد تفكيره. هو ذلك الشوق الانسانى الحار الذى يطير به الى هناك… الى النجع البعيد… الى الحقل الواسع… وامتداد الافق امام البصر بلا حدود… وجمال المرئيات كلها… وتحليق الطيور المغرده… وزهور الربيع… والمحراث… والارض… والمطر… حتى صياح الثعالب فى الليالى الباردة… ونباح الكلب الودود جنب القطيع… اضحى لهما طعما خاصا فى تلك اللحظه!

انه الشوق الانسانى الحار… فماذا انت فاعل ايها البدوى حياله… وماذا تريد وسط هذا العالم الغريب عنك… هذا العالم الذى فاجاْك… واصابك بالذهول منذ البدايه… ماذا انت فاعل عبر هذا الخضم المتلاطم؟…

ينطلق هتاف خفى فى صدره…. يقدم رجلا ويؤخر اخرى…. يظل الشعور يؤرق حلمه…. وامامه تمتد المدينه… والطرقات… وبنايات الاسمنت شامخه صلده. فيما ذلك الشوق الحار يتدفق… يتدفق فى قاع نفسه بلا انقطاع !

………..

قصه طويله جدا…!!

تنبلج الاشياء فى لحظة الصمت امام عينيه… ثم تخبو… ثم تنبلج وتضىْ من جديد…. ضيق يعصر صدره عصرا… دائما بمفرده… يحاول ان يتواءم وغيره من الناس فلا يستطيع ابدا. يعيش همومه بمفرده… احزانه بمفرده… وضيقه الذى يعصره عصرا بمفرده. له مشاكله الطويله… والمتعدده… وهم لايابهون به وعندما يجلس معهم يحس دواما بتلك الغربه…. اجل انها هنا فى قاع النفس !!

يحس انه معزول عنهم تماما… لهم عالمهم الخاص… جوهم الخاص… تطلعاتهم الخاصه المحدوده فى افق صغير… وضيق مثل نصف القرش… قطعة ارض… بناء مسكن فخم عليها… كاس يدلقونه خفيه… وغير ذلك…. تمتع من شميم عرار نجد… لكنه لايحاول.

وتنبلج الاشياء فى لحظة الصمت امام عينيه… يتطلع… يتدفق شىْ فى اعماقه كمياه النهر… يخضه… ويرجه رجا. يعلو به الى فوق. يهبط به الى تحت. يحلم بالشمس… بالورود التى ستغمر العالم ذات يوم. قالوا عنه معتوه ولاشىْ سوى هذا. معتوه. لانه يحلم… هل هذا زمان الحلم ؟ اضحى الحلم جريمه…. اجل انها هنا فى قاع النفس !!

ينطفىْ شى فى اعماقه… يموت رويدا رويدا. لكن الحنين الابدى لايموت… الحلم يبقى… يتوهج… تتوهج الشمس… يصخب المد على الضفاف…. يهرع الناس جموعا بشرية متراصه… جلسوا فى المقهى… قهقهوا بصوت عال… شرعوا يتحدثون عن انفجار انسان فى وضح النهار… تناثر على الارض قطعا من اللحم والدماء !!

………..

عجوز فى الفندق…

هذا الضحى… قالت لى العجوز تحت اقواس الفندق فى بنغازى…. (حطت مالديها فى الطبق)… وقالت… الطريق سالكه سوى من بعض المطبات والصالتوات… فاحذروا. ستضيق احيانا امامكم… ثمة (زناقى لاطمات)… فيما تسود السماء وتنتفخ بغيمات حالكه دون ان تمطر…. وقالت… سيكثر الادعياء والنهازون للفرص مثل ذباب الشاطى… سينالكم ارهاق وتعب جراء نشهم طوال النهار… فنشوا واحذروا… سيتكاثر الاكله على القصعه دون ان يقولوا باسم الله… سيزداد الهتافون والمصفقون… ويختفى الشرفاء الاطهار ويموتون من السل… فاحذروا (دعوتهم)… وقالت لى والشمس فى كبد السماء… خوفى عليكم ياكبادى… حلمت بان امد المؤتمر سيطول… وكذا عمر الانتقاليه… والدستور… سيتاْخر اعداده… ياكبادى… فاحذروا…. وكانت تريد ان تقول لى… غير اننى اسرعت الخطى… باتجاه الريح.

………..

وقالت ايضا…

وقالت لى العجوز اليوم تحت اسوار الفندق بعد ان فتحت لى الكتاب مشيرة باْنه ليس (زمياطى…)… اسمع مااقوله لك… ان الدنيا يحملها قرن ثور… فاذا تململ حدثت الزلازل… ووقع مالم يكن فى الحسبان… وقالت لى… معظم النار من مستصغر الشرر… فلا تهزاْ ايها الفتى باْحد… وقالت لى… احذر غيمات المطر شديدة السواد… واحذر الريح العقيم عندما تاْتى من جهة الشرق… وقالت لى… من يحط روحه فى النخاله… يبربشه الدجاج… احيانا مناقير الدجاج من حديد… فاحذر ايها الفتى… واغلقت الكتاب… ثم مضيت فى طريقى. كانت الشمس تسقط بعيدا فى بحر الشابى… وكانت النوارس تغنى بحزن.

………..

الفخ…

كان من بين من غرهم مشروع ليبيا الغد…هرول كثيرا وراءه وهو الاستاذ الجامعى… لم يدر وغيره ان المشروع برمته (ضحك على الذقون) و(مشروع امنى بالدرجه الاولى اعد حبكته الاب). صدرت اويا وقورينا. كان يوالى كتاباته وغيره من المؤمنين بالمشروع… طبعا (بفلوس)… اعتقدوا ان ذلك براح للحريه… وسقف لصحافة متطوره وغير مسيطر عليها !!

بادرنى بسؤال… ماراْيك فيهما ؟

قلت من فورى… لاتختلفان عن الزحف الاخضر والجماهيريه والشمس…. انهما تكملة لاغير. هذا فخ…. لم يعجبه ردى… قال… بكثير من الزهو والاعتداد… اللى تحلم بيه ياسالم مايصيرش منه !!

بعد اربع سنوات… (صار منه…) فيما واصل الاستاذ الجامعى وغيره الركوب على الموجه من جديد…

………..

نارك ولاعه…

…. ويتذكر مدرسة الامير وفصل السنة الخامسه الابتدائيه… ومعلميه ورفاقه والايام الطيبه… كان المنهج دسما وكان هناك مادة اسمها (التربيه الوطنيه) عرف من خلالها الحقوق والوجبات والعلاقه بين المواطن والدوله. وكان الوطن يعيش فى القلوب شامخا فيما يرفرف العلم الزاهى الالوان فى روعه… وعندما يعود الى بيته البعيد ويترك المدرسة خلفه… كان ثمة اهزوجه تنبعث من (الراديو)…

نارك ولاعه يابلادى…

بلاد الشجاعه يابلادى

خيلك رتاعه فى الوادى

…. ويشعر بالانتماء والفخر !

………..

يا صديقى…

الوقت ليل…. والملل يمزقه قطعة… قطعة…موقد النار يعلوه براد الشاى… ورغم ذلك يحس بالصقيع…. شعور غريب يملاْ جوانحه ويغربل اعماقه دفعة واحده… يحس بعواء موحش ينتاب صدره… يصل الى قلبه. انه مثل عواء الذئاب عبر الاوديه البعيده. يدوخ… ويمزقه الملل قطعة… قطعة….

كان قد اعتراه الحزن حين تذكر فى هذه اللحظات دماء الشهداء… اجل الشهداء… والمفقودين…. الفقد… افظع شيئ ايها الليل… ايها الملل… انا تذكرت ابناء ليبيا فى هذه اللحظات الذين استشهدوا ولم يهمهم ما الذى يحدث بعدهم…. هل راحوا بلاش ؟.

يا ايها الليل… اعنى هل راحوا بلاش… وعبر العتمه… وصوت براد الشاى ينهض صديقى الغالى محمد جمعه السلينى او الشلمانى وغيره من مفقودين… يقولون لى… كيف الحال ؟

انه الليل… انه الملل يامحمد… ياصديقى… ياكل اصدقائى المفقودين فى ثرى الارض الرحيبه…

صديقى الغالى… والمفقودين… والليل… والملل… وعواء الذئاب…. انا اشعر بالفقد… والوحشة… والحزن… والعذاب !!

………..

اركيله…

جلس فى المقهى… طلب اركيله… هتف الى الجالس بجواره…. اعطنى ولعه… اجابه… عندى ليعه ولوعه… خذهما… وولع !!

………..

سعف…

الاول للثانى… شنو فيها جريدة اليوم ؟

الثانى للاول… سعف

………..

ذاكره…

فى عهد معمر… وصل الرئيس السودانى الاسبق. كانت صفته (راْس الدوله). قام بجوله فى ربوع الجبل الاخضر. فى طريق عودته الى بنغازى شعر بضرورة قضاء حاجته. بالطبع فى الفضاء الطلق لم يكن ذلك لائقا. توقف الموكب الرئاسى امام احد المنازل فى بو جرار. سمح صاحب المنزل للسيد راْس الدوله بالدخول وقضاء الحاجه… ثم غادر الموكب. انتشر الخبر. اضحى حكاية طريفه. لم يفت ذلك على الذاكره الشعبيه التى قالت…. مرحبتين براس الدوله غرق بوجرار ببوله……

مقالات ذات علاقة

أبي أو غابة الأشجار الميتة

أحمد الفيتوري

ذبابة منتصف النهار

محمد النعاس

رواية الحـرز (6)

أبو إسحاق الغدامسي

اترك تعليق