قصة

وجـع

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه


حان موعدها مع ذلك الطبيب الذي أمرها أن تجري العديد من التحاليل بعد أن زارته الأسبوع المنصرم تشكو ألما شديداً في معدتها، صار يحرمها نومها الهانئ ويحوله الى كوابيس مزعجة تقض مضجعها، ويسلبها ذلك الاسترخاء الجميل عند شربها كوب الشاي المفضل برفقته عند السادسة مساء.

عند جلوسها أمام الطبيب نظر لها نظرة فاحصة وقال بحزم:

– عليك أن تتبعي كل التعليمات بدقة.. من الآن فصاعدا؛ لا قهوة، لا شاي، لا مشروبات غازية، ولا توابل في الطعام.. في عمر الستين علينا تبديل كل عاداتنا كي نستطيع العيش بسلام.

نظرت اليه في دهشة ممزوجة بابتسامة خجولة قائلة:

– أنت تحرمني مما تبقى لي من أشيائي الممتعة يا دكتور!!!…

الثانية صباحا ومازال النوم يأبى الدخول إلى مخدعها ومعدتها تعزف آلامها على شريط الذكريات، الذي يبدأ عرضه بمجرد أن يلمس رأسها الوسادة رغم تقلبها المستمر ومحاولتها إبعاد كل الصور والذكريات عن مخيلتها الممشوقة الحزن..

منذ حوالي شهر وهي تحرم نفسها كوب الشاي الذي كانت تتقاسمه معه كل مساء، الشيء الوحيد الذي ظلت متمسكة به من أثره، حريصة على طقوسه يوميا دون تأخير  لكن بلا جدوى، الظاهر ان تلك الآلام اللعينة والدواء والمسكنات صرن الأحرص على رفقة أرملة ثكلى وحيدة مثلها بكل إخلاص ووفاء.

تركت سريرها مرغمة بعد أن  استجدت النوم طويلا وأبى أن يطيعها، جلست على طاولة المطبخ وتناولت جهاز الريموت كنترول لذلك التلفاز الذي لا توقف تشغيله ليلا ولا نهارا دون ان تهتم بما يقوله، فهي كانت تستعمله للتغلب على شعورها بالوحدة فقط، أخذت تقلب القنوات، كلها عواجل وجلبة كبيرة عن الاجتماعات والرحلات المكوكية لأولئك القادة الذين يحثون الخطى في طريقهم للصلح والوفاق، نظرت الى صورة وحيدها الشهيد على الجدار بحسرة  والغبار الكثيف  يكسوها حتى صار يحجب عنها بعض معالمها والصمت يلفها ويغرقها وتلك الابتسامة التي كانت تشع بهجة وحياة بهتت واضمحلت واستسلمت للحزن المخيم من حولها، دققت في التاريخ وخفق قلبها بعنف، إنها الذكرى الثالثة لوفاته.

آآه ما بال هذا الزمن مصرا على الركض بعيدا عنه؟

شعرت برجفة تسري في أوصالها وذلك التقلص يداهم جوفها مرة أخرى، إلا انها لم تستسلم لآلامها المكتنزة وخرجت لتسقي شجرة الزيتون اليافعة التي زرعتها عند نافذة غرفته، وضعت ابريق الشاي على النار ووانزلت الصورة المعلقة على الجدار بحذر ومسحتها بعناية وربتت أطرافها بحنو وهمست بأسى:

– نمت شجرة الزيتون في نافذتك يا بني.. سأستعيض بصوت حفيفها الناعم وانا اشرب الشاي عن صوتك الذي غاب الى الأبد.

مقالات ذات علاقة

تَمـَردَ قَــلمي

محمد عياد العرفي

بقايا حلم..

حسين بن قرين درمشاكي

قصة قرصة

عبدالرحمن جماعة

اترك تعليق