طيوب المراجعات

وثائق علمية تاريخية

وثائق علمية تاريخية حول كتاب (البعثة الألمانية إلى ليبيا 1912 ومشفاها في غريان) للدكتور عماد الدين غانم

عمر عبود

كتاب البعثة الألمانية إلى ليبيا 1912 ومشفاها في غريان) للدكتور عماد الدين غانم

تعد الفترة التاريخية الممتدة من أوائل القرن التاسع عشر وحتى مطلع القرن العشرين من الفترات التي تستحوذ على اهتمام الكثير من الدارسين والباحثين في التاريخ الليبي.. ذلك أنها فترة شهدت العديد من الأحداث والتطورات التي مرت بها البلاد ومرحلة انتقالية في التاريخ الليبي.. وكذلك شهدت ظهور ليبيا على ساحة الاهتمامات والرحلات الاستكشافية.. أو ربما تفطنا لموقعها الاستراتيجي كبوابة للقارة الأفريقية.. ذلك العالم المجهول والذي يغري البحاث والمستكشفين بخوض مجاهله.. ولئن كان مركز جهاد الليبيين أو المركز الوطني للمحفوظات والمخطوطات التاريخية وفق التسمية الجديد العصية اللفظ لا يزال دائبا في سبر أغوار التاريخ الليبي من خلال جهابذة البحث والتحقيق والترجمة الذين لا يألون جهدا في كشف الكثير من الوثائق والحقائق الهامة في التاريخ الليبي.. فإن هذا الكتاب الذي قدمه د. عماد الدين غانم يكشف النقاب حول (( البعثة الألمانية إلى ليبيا ومشفاها في غريان )) عبر الكتاب الذي حمل هذا العنوان وكان ضمن سلسلة ( نصوص ووثائق ) التي يتولى نشرها المركز.. هذا الكتاب استخلص عبر تقارير الرحالة الألمان إلى ليبيا في تلك الفترة وذلك عبر المساعي المبذولة والمكللة بالنجاح في الحصول على الوثائق الألمانية من خلال التعاون مع الهيئة الألمانية للتبادل الأكاديمي.. الكتاب تطرق إلى الأوضاع الصحية في ليبيا في كتابات الرحلة الألمان في القرن التاسع عشر.. وكذلك تقارير بعثة الصليب الأحمر الألمانية إلى ليبيا عام 1912 ف.. ومن ثم تناول نبذة عن الأوضاع الصحية في بداية حركة الجهاد الليبي وحتى قدوم بعثة الصليب الأحمر الألماني والظروف التي عايشتها هذه الرحلة.. ومن أهم ما واجهته هذه الرحلة هو ما وصفه الكتاب بالحرج الذي وقع فيه الألمان باعتبارهم حلفاء للطليان في تجمع المحور.. لكن الألمان أعلنوا الحياد التام باعتبار العلاقة التي تجمعهم مع الدولة العثمانية في المجالات العسكرية والسياسية والاقتصادية.. أما عن وصول بعثة الصليب الأحمر إلى غريان فيرد في الكتاب ما يلي:

(( لقد جرى إنزال حمولة الباخرة في مرسى البيان قرب بنقردان في الجنوب التونسي.. وعندما دخلت الأراضي الليبية في 30 يناير 1912 لقيت استقبالا رسميا.. وقام بمرافقة القافلة البالغة 330 جملا واثني عشر عربة آمر زوارة وضباط تابعون للقوات العربية العثمانية التي اتخذت مقرها في العزيزية ومرت برقدالين والعجيلات والزاوية.. واستقبلهم في مقر القيادة العقيد نشأت بك بحضور بعض من زعماء المجاهدين والهادي كعبار قائم قام غريان.. وطرح السؤال عن الموضع الأفضل لنصب المستشفى.. ثم استقر الرأي على أن تتابع البعثة سيرها إلى غريان حيث سيتم نصب المستشفى )).

ومن هنا تتاح الفرصة للقارئ عبر صفحات هذا الكتاب للتجوال عبر معالم غريان التي وصفت من أعين أعضاء البعثة.. وفيما يخص المشفى فقد كان عمله موثقا من خلال السجلات التي وضعت للمرضى والحالات التي يصابون بها.. وكذلك المراحل العلاجية والتطورات التي تشهدها الحالات.. وبعد هذا المشفى كانت هناك عديد المشافي الألمانية في ليبيا تطرق لها الكتاب خلال الفترة ما بين 1941 ـ 1942.. ومن خلال هذه التقارير والبعثات أمكن تشخيص الموقع الجغرافي للمنطقة من الناحية الصحية ووضعت ضمن المناطق الحارة التي يجب إتباع قواعد صحية عند الدخول إليها.. وفي الجزء الآخر من الكتاب ترد الترجمة الحرفية للتقارير بدأت بتقرير بعثة الصليب الأحمر الألماني للإغاثة في طرابلس الغرب 1912 والبلقان 1913.. ومن ثم كانت الترجمة لتقرير بعثة الغوث إلى طرابلس الغرب التي تتناول الإعداد والتجهيز ونصب المستشفى وتشغيله والأقسام التي يحتويها المستشفى الذي نصب بغريان.. ولم يغفل التقرير حالات الإصابة التي كانت جراء الحرب من إصابات بأعيرة نارية وكسور وجروح وغيرها.. واحتوى الكتاب كذلك على خريطة للمستشفى وكذلك بعض الصور التي ترجع إلى ذلك التاريخ.. ومن بينها أيضا صور للمناطق التي مرت بها القافلة عبر رحلتها البرية انطلاقا من وصولها للحدود التونسية وعبور المناطق الغربية الليبية وحتى وصولها للمكان المستهدف إقامة المستشفى فيه.. وهو غريان.. وكان التقرير يتضمن أيضا وصفا للأحوال الجوية لمدينة غريان وأثرها المزعج على أفراد البعثة.. خاصة جراء الرمال التي تنثرها الرياح وتجعلهم في وضع غير ملائم لتقديم الخدمات المنـاطــة بالـبـعـثـة.. ومــن التقارير العلــميــة المترجمــة مــا يتعــلــق ببعــض الحــالات التي تم عــلاجها.. حيث جاء في أحد التقارير:

(( إن الذين عولجوا جراحيا هم إما جرحى حرب أو مرضى آخرون.. ولم يكن بين جرحى الحــرب من أصيب بســلاح أبيــض.. كما أنــه لم يكن من بينهم من أصيب حديثا وقد حول إلينا أولئك الذين عولجوا منذ فترة قصيرة أو طويلة في مستشفيات الجبهة أو مستشفيات الهلال الأحمر.

ومن المؤسف أن المعالجة التي تلقوها في تلك المستشفيات لم تكن تتناسب دائما والمتطلبات التي تفرضها الجراحة الحربية الحديثة.. ويمكن تفسير ذلك من خلال الوضع الذي فاجأ لزملاء العثمانيين عند اندلاع الحرب فجأة وخلال فترة لاحقة.. فلم تتوفر الأدوات مثل الجبائر وأجهزة التخزين وغيرها.. إن توريد ذلك فيما بعد كان صعبا جدا.. ولذلك كان هناك نقص زائد.. وجرى إيواء المرضى في خيام تابعة للمستشفى غاية في البدائية )).

وهكذا صور التقرير بعض الصعوبات التي كانت تمر بها هذه البعثة والمشاق التي تواجهها إضافة للأمراض والجراح المتزايدة نتيجة عدم معرفة البلاد.. وورد في التقرير بعض الحالات المرضية ووصف دقيق للمرض الذي تعانيه وردت صور لبعضها.. وكذلك أسماء لبعض هذه الحالات مع بعض البيانات الخاصة المتعلقة بالعمر وتاريخ الإصابة وتشخيص الحالة والخطوات العلاجية التي خضع لها المريض.. كما احتوى التقرير جدولا تفصيليا عن العمليات الجراحية وتشخيصاتها ونتائجها.. ثم يأتي التقرير الذي يختص بعمل المشفى ونتائجه العلمية والذي كان بإمضاء أحد الأطباء العسكريين من كتيبة المشاة الذي تضمن أحوال العمل بهذا المشفى والتقارير العلاجية والأمراض التي تم علاجها والحالات التي تم تشخيصها.. وليكون التقرير الختامي يتعلق بأعمال القسم الباطني والبكتريولوجي من خلال أحد الأساتذة المساعدين في الطب الباطني بجامعة ميونيخ.. وما يجدر بالذكر أن كل التقارير كانت تحمل وصفا دقيقا للأماكن والأحوال المشاهدة والأوضاع المعاشة مما يعد وثائق هامة من شهود عيان تبين الكثير من الحقائق والمعلومات الهامة التي تهم الباحثين والمنهمين بالتاريخ الليبي.. كما تعد وسيلة مقارنة بعديد المعلومات المستقاة من مصادر أخرى تعزز دقتها وتؤيد صحتها وبالتالي يمكن الاعتماد عليها تاريخيا.

مقالات ذات علاقة

روايات ليبية نسائية… بعيداً عن تحديد الهوية الجنسية

خيرية فتحي عبدالجليل

البحث عن الهوية

إنتصار بوراوي

الملك إدريس واستقلال ليبيا في أطروحة عراقية

يونس شعبان الفنادي

اترك تعليق