قصة

واحة كبيرة تضج بالغناء

– أتعرف كم عدد قواتنا بالمقارنة مع قواتك.
– نعم، أعرف، عشرات الآلاف. ورجالي بضع مئات.
– أتعرف نوع عتادنا؟
– نعم أعرف. إنه أحدث العتاد.
– وهل تعتقد أنك تستطيع أن تهزمنا برجالك وعتادك هذا؟
– لا. كنت أعلم أني لا أستطيع.
– لماذا تحاربنا إذن؟
– كنت فقط أؤدي واجبي.

من حوار “غراسياني” مع “عمر المختار” قبل تنفيذ حكم الإعدام

اندفع جبران المرابط في الخلاء حتى بلغ بئراً في واحة صغيرة تتبعثر فوقها مجموعة من أشجار النخيل. انهمك يسحب الماء من البئر عند ما تناهي إلى سمعه عواء الذئاب. ظل يشرب من الدلو مباشرة حتى تقطعت أنفاسه. رمة بالدلو جانباً بعد أن دلق الماء فوق رأسه وصدره. أنهار بجوار البئر وهو يلهث ويلتقط أنفاسه المتلاحقة. كاد يموت من العطش……

ثلاثة أيام وهو يهيم على وجهه في الصحراء السرمدية، بلا ماء

بعد أن اتفق مع الجماعة أن يلتقوا في الحدود بعد اجتياز سلسلة الأسلاك الشائكة. لقد قرر أن يمر على النجع ليلقي نظرة أخيرة على الأهل: الأب، الأم، الزوجة، الأطفال الثلاثة.

حاول الرفاق إقناعه بأن لا فائدة، ولكنه أصر. قال لابد أن ألقي نظرة ولو من بعيد. ربما لن أراهم بعد ذلك أبداً)

تناول مخلاته، وانطلق عبر العراء الوحشي.

اتفقوا على اللقاء خارج الحدود، ثم اندفعوا يعانقونه، في النهاية شيعوه بخيبة الأمل واليأس.

بلغ النجع فوجده محاطاً بالأسلاك الشائكة، وجنود غراسياني يتسكعون حوله وبنادقهم مشرعة فوق مناكبهم. انقبض قلبه، وهاجمه اليأس، فتراجع مندفعاً في الخلاء.. ميمماً صوب الحدود حيث الأسلاك الشائكة!

كانت الأسلاك الشائكة في تلك السنوات قد سارت ونصبت في كل مكان كالمشانق.

تناهي إلى سمعه عواء الذئاب مرة أخري. قريب جداً هذه المرة عوائهم.. جائع مفترس. إنها ذئاب سهل الجفارة المتوحشة المتعطشة لمهاجمة القطعان والرعاة. تفترس الرجال أيضاً عندما يبلغ بها الجوع حد الجنون. ظل يتصنت لعوائها الجماعي العدواني حتى اقشعر بدنه.

لقد سلبه العطش قواه، وزاده الماء خوراً وضعفاً بعد أن ارتوي من عطش ثلاثة أيام، فما العمل؟

استمر متكئاً بجسده المنهك على حافة البئر وهو يلهث، يجول ببصره عبر العراء الأبدي المغمور بالسراب. العواء يقترب، وعقله خامل، خائر معطل عن التفكير. رمق البندقية الملقاة إلى جواره فتذكر المعركة الضارية غرب الكفرة.. المعركة التي نفد فيها الرصاص في بنادق أغلب الرجال.

كانت أسلاك غراسياني الشائكة قد نصبت في الحدود مع مصر قبلها بشهور فمنعت تسرب الذخيرة، تلاها سقوط الشيخ الجليل في الأسر. فأصبحوا بالعركة الضارية غرب الكفرة في حلّ من الوعد الذي قطعوه على أنفسهم أمام الشيخ لقد نفذت الذخيرة.

…. فتدفقوا في الصحراء ينشدون النجاة من المذبحة.. قبل وقوعه في الأسر بشهور قليلة قال لهم

– أرجو المعذرة يا جماعة الخير. إذا أراد أحدكم أن يتراجع فله ذلك منذ الآن. إنني لا أجبر أحداً على الاستمرار معي في القتال ولن ألومه أبداً إذا تخلي. والله على ما أقول شهيد.

يومها قالوا له:

– والله يا سيدي عمر لن نتراجع حتى نموت معك، أو ينفد ما معنا من الذخيرة.

– هكذا قطعوا العهد على أنفسهم في حضرة الشيخ الجليل نظر إليهم طويلاً وهو يفرك يديه المعروقتين حتى ترقرقت عيناه

بالدموع، ثم تسللت أصابعه تداعب لحيته البيضاء. بعدها هرعوا نحوه يعانقونه واحداً تلو الآخر. تباد ولو معه تقبيل الأيدي أيضاً. وفي النهاية هبطوا لصلاة جماعية تأكيداً للعهد.

وحتى عند ما وقع الشيخ في الأسر بعدها بشهور، وتم فيه تنفيذ الحكم استمروا في القتال إلى أن جاءت المعركة الضارية غرب الكفرة فنفذت الذخيرة ووفوا بالوعد.

حاصرهم اليأس فتدفقوا في الصحراء ينشدون النجاة من المذبحة..

تأمل البندقية فخيل إليه أنها جثة هامدة بلا روح، بلا رصاص، لن تدفع عنه حتى الذئاب.

انقطع العواء فجأة، وانكفأت الشمس نحو الغروب. ناول جرابه وبندقيته، وتلحف بعباءته، ونهض متثاقلاً يتسلق شجرة نخيل تطل على البئر. وخزه الشوك فافترش عباءته بين أعراف النخلة. حبس أنفاسه المتلاحقة وأنصت.

لقد كفت الذئاب عن العواء تماماً. من بعيد تراءى شبح جواد يسرع نحو الواحة الصغيرة. تابعه حتى اقترب، فأدرك أنه جندي من الجند رمة، يرتدي بزته العسكرية، وبندقيته منصوبة فوق منكبه الأيمن. ترجل عن الجواد، وركض نحو الدلو يرمي به في قاع البئر وهو يلهث من العطش. استمر يرقبه وهو يجثو على ركبتيه، ويحشو رأسه في الدلو، ويشرب في نهم فتذكر عطشه. ظل جاثياً على ركبته، وأنفاسه تتلاحق. و.. فجأة حاصرته الذئاب. ثلاثة ذئاب، هو نفسه لا يعرف من أين جاءت. كأن الأرض لفظتها، أو سقطت من السماء في ثانية واحدة. ضامرة، نهمة، متحفزة، مكشرة عن أنيابها.

بهت الجندي، وظل يحدق حوله في ذهول.. هاجمه الذئب الأماميّ أولا فنهش رقبته.. انبثق الدم وانكفأ الجندي على وجهه مصدراً صوتا غامضاً، حشرجة رهيبة يائسة، ثم اندفع نحو الذئب الثاني والثالث، وشرعوا ينهشونه في وحشية…

دس جبران المرابط رأسه بين يديه ولم يفق إلا عندما سمع صهيل الجواد وهو ينطلق عبر الخلاء. في لحظة خاطفة أبصر الذئاب وهي تمزق جسد الجندي وتشرع في التهامه.

فجأة وجد نفسه يقفز من النخلة وينطلق راكضاً استمر يعدو حتى أدرك الجواد في واد مكسو بأعشاب برية يابسة. سايسه حتى قفز فوق ظهره، ثم انطلق إلى الحدود.. هناك حيث تنتصب الأسلاك الشائكة.

تلقفه الشيخ غوما بالأحضان مكبراً مهللا بعد أن أستلم منه لجام الجواد الحمد الله على سلامتك. كدنا نيأس من وصولك.. ولكن الرجال تتلاقى والجبال لا تتلاقى، نرجو أن تكون قد ظفرت بروية الأهل. هب لا استقباله أيضاً بهلول ومسلم. ولكن أحداً غيرهما لم يظهر. عانقهما أيضاً ولجأ إلى النخلة المتواضعة التي اتخذوها بيتا لهم بعد أن غطوها بجرد صوفي من النوع الذي يستعمل في الشتاء. انهار بجوار موقد النار المتوج ببراد الشاي الصيني الأخضر. تناول وعاء الماء وشرب حتى تدفقت خيوط الماء بين شفتيه. طفق يلهث وهو يرقب مسلماً يروض الجواد ويحاول أن يوقه إلى البئر حيث تتزاحم جمال وجياد لا يعرف من أين جاءت.

تساءل بعد لحظات:

أين بقية الجماعة؟

ابتلع سؤاله الخلاء فلم يتلق جواباً من أحد. ولكنه عاد يتساءل في إصرار طفولي:

 رمقه بهلول بنظرة حانقة خاطفة، ثم نكس وشرع يمروح موقد الجمر معتنيا بإعداد الشاي. اقترب مسلم وتقرفص بجواره متسائلاً:

كيف ظفرت بالجواد؟ كيف اجتزت الأسلاك؟

كتم غيظه قبل أن يتساءل للمرة الثالثة:

كيف حال بقية الجماعة؟.. أين الجماعة؟

ولكن أحداً لم يجبه. راقبهم وهم يتراكضون هنا وهناك، حتى أغفا، وغلبه النعاس. مرت لحظات قبل أن يري الجماعة وهم يتسابقون إلى الجبل..

عبروا الأسلاك الشائكة بمعجزة فنفذوا إلى الخلاء.. ولكن الطليان الهجانة كانوا في انتظارهم. أطلقوا النيران فتدفق الجماعة في العراء.. تساقط بعضهم / ولكن الشيخ غوما صاح بأعلى صوته وهو يروض ناقته الهائجة:

– الجبل ! عليكم بالجبل!

– لم يكن جبلا حقيقياً، ولكنه ربوة صغيرة، تل صغري تعلوه الرمال فيبدو كجبل حقيقي. فقدوا السيطرة على أنفسهم فخاضوا في الفوضى مما جعل الشيخ غوما يجرى هنا وهناك هائجاً صارخاً:

– الجبل ! عليكم بالجبل!

– في تلك اللحظة أدركه أول طلياني من الهجانة مسدداً نحوه فوهة البندقية. لكن الشيخ غوما الذي عرف حيل الحروب القبلية وتربي على ترويض الجمال والمهاري سقط على ظهره، ورفس الجمل بحركة بهلوانية خبيرة فانهار الجمل، وتدحرج الطلياني بضعة أمتار.

– هجم الشيخ على البندقية. هشم رأس الطلياني بكعب البندقية في طريقه، وأطلق ساقيه للريح.. كانت الفوضى في ذروتها. الهجانة يصطادون الجماعة ببنادقهم كالخرفان، الجماعة الذين نفد رصاصهم في آخر معركة ضارية غرب الكفرة.

– لذلك لم يستطع الشيخ غوما أن يطلق طلقة واحدة، ظل يركض حتى بلغ السفح حيث ارتطم بالبهلول الذي شرع يرضع الماء من قربة.

لكزه الشيخ بكعب البندقية صارخاً:

الجبل !الجبل، يا كلب!

انبثق الدم من جبين البهلول ولكنه لم يتخل عن ضرع القربة.

ففتقها الشيخ غوما برصاصة. كانت أول رصاصة يطلقها ذلك اليوم على الإطلاق. ثم اندفع إلى الجبل! عند ما بلغ قمة الجبل أطلق صيحة (الله أكبر)

ثم شرع يصطاد كما تعود أن يفعل مع الغزلان الطائرة في الهواء في الزمن القديم قبل أن يعرف الخلاء المعتقلات والمذابح. في ذلك الزمان القديم الذي يتعمد أن يصيب غزا لتين برصاصة واحدة!

تلك الرصاصة التي لا تخطئ!

وقف فوق قمة الجبل وصوب وهو واقف..

كان أول طلياني أسقطة يمتطي صهوة جواد جامح خبير بالمعارك انهار الرجل فرأى كيف قفز مسلم الجريح وتناول بندقيته وشرع يطلق النار.

ثم.. ثم أصاب ذلك الفارس الذي يتقرفص فوق مهري عنيد مدرب أيضاً.

 ظل الشيخ غوما يصوب ويصطاد كما كان يفعل مع الغزلان أيام الشباب حتى نفدت ذخيرة البندقية فتذكر الشيخ عمر والمعركة الأخيرة قرب الكفرة.

راقب فلولهم وهي تحتمي بالخلاء الأبدي، فانهار فوق قمة جبلية الصغير ودس رأسه في التراب. بعد لحظات أيقضه مسلم وهو يضمد جراحه في الذراع الأيمن. رفع رأسه يتأمل السهل المزروع بضحايا الرفاق وعندما شاهد البهلول انتفض واندفع نحوه كالمجنون:

اتفو.. يا كلب.. الرجال تموت وأنت ترضع من القربة كالمرأة اتفوا خزي..

حاول بينهما مسلم الذي احتواه بين ذراعيه في ظل الشيخ يتمتم ويبصق:

عار- عار والله – خزي.. اتفو…

عندما نهض فوجئ بالشيخ غوما ينكفئ فوق رأسه. كان يسبح في العرق والكابوس قال الشيخ غوما بهدوئه المعتاد:

الحمد لله.. الحمد لله الذي جمعنا مرة أخري.

تنحنح فأضاف:

– أرجو أن تكون قد ظفرت برؤية الأهل. هذا هو المهم.

– اعتدل جبران المرابط في جلسته وتناول الشاي من يد البهلول قائلاً:

– نعم. لقد عرفت الآن من أين جاءت كل هذه الجياد والإبل.

– رمقه الشيخ غوما بنظرة استفهام، ولكنه عاد فنكس رأسه. قال بعد قليل:- الحمد لله على سلامتك. سوف نبلغ الواحة الكبيرة بعد يومين الآهلة بالسكان. لم نر واحة آهلة بالسكان منذ سنتين. رحمة الله على الشيخ عمر. في الواحات ثمة الفرح والمزمار والرقص والغناء. لم أغن منذ سنوات، لم أسمع لحناً منذ زمن، لم أر رقصاً ولا فرحاً.

– رحمة الله على الشيخ عمر.. أحم.

– ولكن جبران المرابط لم ينبس. أخرج مزماراً من جيبه الداخلي، وطفق ينفخ فيه لحلناً مرزكاوياً قديماً.

قبل أن يبلغوا الواحة الكبيرة الآهلة بالسكان والأفراح والمزامير والرقص والغناء بيوم واحد قرروا القيلولة وتناول طعام الغذاء. شرع الشيخ غوما يجلب الحطب، ويكبر النار. أما مسلم فقد هب يعد لتحضير الخبز. تناول الوعاء وألقي بالدقيق، لاحظ جبران المرابط أن الدقيق لن يكفي فألقي لمسلم بجرابه الجلدي ثم تناول مزماره وشرع يعزف. يعزف اللحن المرزكاوي.. ويحلم بالواحة الكبيرة الأهلية بالسكان والأفراح والمزامير والغناء. الغناء….

.. حتى سمع بأذنه الرصاص وهي تسقط. سقطت الرصاصة من جرابه. رصاصة حقيقية لا يأتيها الباطل. سقط في الوعاء المعد لعجين الدقيق.

توقف الشيخ غوما فجأة دون ولكن لبضع لحظات فقط واصل بعد تجميع الحطب. رمقه البهلول بنظرة خاطفة ولكنها توقف جبران المرابط عن العزف.. نزع شفتيه عن المزمار. زحف نحو مسلم حيث الوعاء تأمل الرصاصة بفضول رصاصته بلا شك.

فأين كانت تختفي؟ لقد عبر الصحراء الكبرى كلها على قدميه عندما كانت الرصاصة كهذه تساوي جواداً وحجم عن رؤية الأهل، حيث بوسعه أن يفعل شيئاً برصاصة واحدة، وتسلق نخلة هرباً من مواجهة الذئاب ببندقية فارغة. وقفز من النخلة. وتسلل عبر الأسلاك والتحق بالجماعة.. و (هرب) من المعركة الضارية غرب الكفرة وفي جيبه رصاصة فأين العهد؟

أين العهد الذي قطعة مع رقاقة أمام الشيخ الجليل؟

زحف جبران المرابط نحو مسلم الذي توقفت يداه عن عجن الدقيق كأنهما شلتا.

ثم ألقي بها في جيبه.

عاد جبران المرابط يداعب فوهات المزمار، ويروض لحن المرزكاوى

طاحت نجوم الليل وأنت وينك ؟

قردك سهر وإلا خذاتك عينك؟

أكل معهم خبز الملال في صمت حتى اقترب المغيب عندما نهض جبران المرابط إلى جواده. ذلك الجواد الذي أنقذه من الذئاب، ومن أسلاك غراسياني الشائكة.. قاده وعاد إلى هناك… هناك حيث تنتصب الأسلاك الشائكة نفسها.ز قال بهلول:

لا فائدة ماذا تفعل؟ لا فائدة انتهي كل شيء.ز لن تستطيع أن تفعل شيئاً.

عالجه الشيخ غوما بكعب بندقيته الفارغة، وصاح:

اسكت يا مرا ! شيعه مسلم منكس الرأس لم ينطق بكلمة ولكنه رأي في عينية كل شيء.

في الطريق إلي ” هناك” حيث تنتصب الأسلاك الشائكة رافقه الشيخ غوما مسافة طويلة..

… في ذلك اليوم وقف الشيخ غوما يراقب جبران المرابط الذي شرع يختفي رويدا خلف التلة الرملية، يبتلعه الأفق ويلتهمه السراب مسكين جبران المرابط ! لم يسعد برؤية الواحة الكبيرة الآهلة بالسكان والأفراح والمزامير والرقص والغناء كما لم يسعد قبلها برؤية الأهل والزوجة والأطفال.

مسكين جبران المرابط! لأنه لن يسعد برؤيتهم إلى الأبد. لقد ذهب ذلك اليوم ليتخلص من رصاصة تائهة وجدت في جرابه فلم يعد أبداً !.

مقالات ذات علاقة

حكاية شاعر آخر

محمد النعاس

الفستــان الأبيــض

رحاب شنيب

ليلة القدر

سعد الأريل

اترك تعليق