من أعمال التشكيلية خلود الزوي.
قصة

هنيّة بنت السوريلات

محبوبة خليفة

 

تفتح الباب الرئيسي المطلُّ على الحديقة الخارجية لـ (بارتو) 50* وتدخل الممر الفاصل بين الغرف المفتوحة والمليئة بالزائرات.. تُسمِعُ متعمدةً صوت خشخشة مفاتيحها وكأنها طبول حرب توشكُ أن تندلع!! ثم تتابع بحركةٍ تعرفها أغلب المترددات على المكان، فترفع يدها لتصل إلى زجاج الإضاءة في الجزء الأعلى من الأبواب وتحرك المفاتيح عليه فيصدر صوتاً قوياً يُحدِثُ إرتباكاً عظيماً بين الجالسات فلا تسمع إلّا جملة (هيّا هَي آنا طالعات)!!

هذا إنذارها الأول، لتتيح لهن أن يستعدْنَ أناقة الخروج من المكان فيلتحفْنَ (جرودَهن ) الدرناوية الناصعة البياض – سيتأهبنَ للمغادرة قبل أن يُضاء اللون البرتقالي في عينيها، فتعقبه صفارات الإنذار وعندها من سيتحكم فيما سيصدر عنها من غضبٍ ممهورٍ بشتائم تخصها وحدها وتُعرَف بها.

لهنّ بعضُ عُذر إن تجاوزن الوقت المسموح ببعض دقائق فقد يكنّ في تلك العشية يحضرْنَ (الشكرانَة) وهو أسم متداول لحفل المباركة في المستشفيات لمقدمِ مولودٍ أو لسلامةٍ من مرضٍ أو من عمليةٍ جراحية وغيرها من أحوال المرض والمرضى وفيه تقدم المشاريب والحلويات ويختم بتوزيع الشاهي الشهير بنكهة الورد أو الزهر والنعناع.. لكنهن يعرفنها ويخفنها فلا عذراً مهما كان ستقبله وعليهن أن يحترمن ساعة القدوم وساعة المغادرة وإلّا.

كانت على مشارف الخمسين، دقيقة الملامح تقص شعرها (كيرلي)على رأي شابّات هذا الزمان. لا تهتم كثيراً بزينتها لكنّ ملامحها البدوية تُضيف جمالاً وقوة شخصية وبعضٌ من هَمٍّ قديم مرسوم ويكادُ يُبين! لولا أنها لا تسمح لأحدٍ أن يعرف أو يواسي أو حتى يُبدي تعاطفٍ، أيُّ تعاطف؟ من يجرؤ على الإقتراب منها أو حتى سؤالها: كيف حالك؟.

يعرف أهل المدينة أنها إبنة السوريللات فهنّ من أحضرنها وهي طفلة من البادية القريبة من درنة واعتنين بها وتربت معهن ترببةً مختلفة عن أي طفلٍ آخر في عمرها في ذلك الوقت وفي تلك الظروف القاسية من حروبٍ ومجاعة ويُتمٍ وقلة حيلة.. كبُرَت (هنية) وهذا هو اسمها تحمل على وجهها ملامح أهل بلادها وتشاركهم نفس ديانتهم وهذا جمالٌ إضافي لجمال السوريللات، أمّا ما بقى لهنية فهو لها وتعمل وفقه.

ترَبّتْ على قيم العمل والنظام وتقديس الوقت والنظرة المحايدة للناس من حولها في ساعات دوامها، هنية لا تعرفُ أحد، هنية لا تحبُ ولا تكره ولا تفرح ولا تحزن، هنية أبدلت ذلك الخافق -الذي لا تتعامل معه كثيراً مذ أدركت يُتمها- بساعة وقت تنبهها متى تصحو ومتى تعمل ومتى تشتم ومتى تستريح.

لن تستطيعَ قراءة ملامح وجهها مهما حاولتْ، ثم من سيسمح لك أن تُطيل التأمل؟ هنية؟ ياويلُ من يفعل! فستحدّجه بنظرةٍ قد تُصيبه بدوارٍ أقسى من دوار يائسٍ في بحرٍ لُجي تقذفه الأمواج موجة بعد موجة فلا تُغرقه ولا تُسلّمه لشاطيء الأمان!!

يعرفها أهل المدينة بالمشرفة على (بارتو 50) وهو قسمٌ خاص بالولادة في مستشفى درنة العام والإيواء فيه بمقابل، أما باقي أقسام المستشفى فمجّانية فالناس يعانون في نهاية الخمسينات من شظف العيش وعملُ أهل المدينة مقتصراً على الوظائف الحكومية البسيطة فلم تكن في درنة إدارات حكومية مهمّة أو بنوك كبيرة ويشتغل بعض سكانها ترزيون يخيطون البدل الرجالي الأفرنجية وهم يجيدون هذه الحرفة الراقية أو يعملون بالتجارة البسيطة والصغيرة أو في سوق العقارات وتشتهر به بعض العائلات المقتدرة وفيها بعضُ عائلاتٍ معروفة بالزراعة الخاصة التي لن تعرفها إلاّ هناك فهم يزرعون ماتطلبه المطابخ الدرناوية بالإضافة لمزارع الموز أما الحبوب فتزرع خارج المدينة لضيق المساحات الزراعية.

أعود لذلك القسم الذي جُرّبَ فيه عمل القطاع الخاص فكان على النزيلة دفع خمسون قرشاً يومياً نظير الإقامة ولهذا سمي بارتو أو قِسم خمسين. هنية كانت زعيمة لهذا القسم وحاكمته المطلقة ولا أمل لإحدٍ أن يأخذ مكانها فلا يوجد تداول للسلطة فيه ومن يجرؤ هنا أن يطرح هذه الفكرة للتداول أو حتى الحلم بها .هنية ليست سيئة هنية تدير المكان بعقلية أوربية وأهل المدينة يقبلون بتسلطها مادامت النتائج نظام ونظافة وتطور للأفضل لهذه المملكة الصغيرة التي تديرها هذه الشخصية الغريبة.

المعلومات عنها قليلة وفي بعض الروايات يُقال انها ربما قُتل ذويها في غارة على أحد النجوع القريبة من المدينة وأن السوريللات وجدنها عندما كنّ في مهمة تطبيب جرحى الغارة فأخذنها معهن فكبرت بينهن وعملت في عملٍ شبيه بما يعملن وشربت الصنعة كلها فأثبتت إقتداراً فأثارت إعجابهن وإعجاب أهل المدينة فأسعدهم ترؤسها لهذ القسم الذي شكل نواة القطاع الخاص الصحي ذلك الوقت.

هنية نموذج حي لقصصٍ حدثت في بدايات القرن الماضي كانت الحرب تأكل الأرواح ومعها الأخضر واليابس غير أنه من بين رمادها نبتت زهور رحمةٍ ومودة، شكّلَتْ جمالاً قاوم قبح الإحتلال وداوى جراح الناس وضمّ بين جناحيه قلوباً صغيرة ويتيمة وعاجزة فاهتزت وربت وأينعت وظلّلت على من حولها. ظِلُّ هنية ظَلَّ يتبعُ المحتاجين للراحة من المرض وكان وارفاً ومريحاً رغم بعض قسوةٍ ظاهرة.

سلامٌ على روحها.. ولها ولسوريللات مدينتي محبة وتذكّر وامتنان سيبقى مابقي اللينُ وبقيت الرحمة في قلوب الناس.

مقالات ذات علاقة

ضباب…

أحمد يوسف عقيلة

اليـــد الســـوداء

محمد ناجي

أخطأ المذيع فاصاب من حيث لايدري 

إبراهيم حميدان

اترك تعليق