المقالة

هموم الثقافة الليبية.. بخصوص الحاجة الى استحداث المناهج الثقافية التعليمية

ايمانا منا بأن الثقافة في مجتمعنا الليبي في حاجة الى مزيد من الجهد الهادف لتحقيق المعرفة المستمرة والفهم والوعي ، نرى ضرورة بذل كل الجهود والمشاركة الجماعية ، وخصوصا من ذوى الاختصاص ، على اوسع نطاق ممكن تحت أنماط ثقافية ، علمية محكمة للدفع بهذه الاهداف الثقافية النبيلة . ولتحقيق هذه الاهداف والطموحات لابد لنا من الاثراء بمقترحات استراتيجية ذات مقاصد متنوعة تدعم جادة العمل في البناء الثقافي الانساني الليبي السليم .

ما يجب الاعتراف به ان الثقافة بالمجتمع الليبي تمر بمنعطف  سلبي بالغ الخطورة وذو اثار وابعاد سلبية متتالية ستطال حتما حاضرنا ومستقبلنا ، ضمن اسباب هذا المنعطف في الاصل هو غياب ترتيب البيت الليبي وضبط قواعد ونظم وسياسية هذا البيت وكذلك غياب الحسم للأوليات والاختيار الواعي للقيم الكفيلة بإصلاح هذا البيت .

لم يعد خافيا على المتابع والمتأمل في اتجاهات ثقافة المجتمع الليبي بان اغلبها لم تعد بذي صلة بالدين والعرف والفضائل التي طالما ميزتنا عن بقية مجتمعات العالم ، نتج عن هذا انحرافاً  عن الأصول ، وغياباً لمعظم الأعراف والأخلاق وكذلك الكثير من اسس عقيدتنا الإسلامية الحنيفة ، وادى كل هذا الى انتاج ازمات نفسية اوجدت في داخلنا انماطاً مفرطة أكثرها سلبية كالحمية القبلية الجاهلية والأنانية واللامبالاة بحقوق الاخرين .

نكسة ثقافتنا ، بكل ابعادها ، واضحة ولم تعد بحاجة الى كثير من الجهد لإثباتها . فشلت ثقافتنا فشلاً ذريعاً وشهدت هزائم جسيمة واخفقت في تحقيق ادنى درجات الاستقرار الثقافي داخل مجتمعنا الليبي . قد يعود الفشل الى سلسلة من حقب الاستبداد والقهر والاذلال التي مر بها المجتمع الليبي ، الا اننا نرى ان كل التعددات والمحاولات الثقافية التي تعرض لها المجتمع الليبي حتى يومنا هذا ، لم تؤسس اغلبها على علم او منطق او تاريخ او حتى على نمط مقلد مشهود له .

معركتنا الثقافية الحالية ، في الحقيقة ، هي معركة مع الواقع الليبي الداخلي ومن ثم يتحتم علينا ضرورة إعادة النظر في الأفكار والآراء والنشاطات المتصلة بتكوين هذه الثقافة .

… نحن في حاجة ماسة الى نوعية جديدة او متجددة من الثقافة تربطنا برباط وثيق بسلسلة التشريعات والثقافات والمبادئ الاسلامية .

..لابد ان تكون هذه البدائل المنشورة صحيحة ، خالصة ومعتدلة من حيث المنبت والتربية والتكوين كما هو الحال قبل ولوج المتطرفين الذين حولوا من طرحهم ومعالجاتهم لقضايانا الاجتماعية الثقافية مبررا لارتكاب ما لم يقره الدين الاسلامي الحنيف .

.. نحن في حاجة الى ثقافة تنمي فينا اليقظة الشديدة والحيطة الواسعة والبصيرة النافذة .

قد يكون ضمن أسباب التدهور الثقافي  سبباً ناتج عن الواقع الاجتماعي والفكري الليبي وذلك بفعل تفاعل الظروف السلبية التي مر بها مجتمعنا الليبي من تحديات ومؤامرات خارجية كانت جميعها تهدف الى اجهاض واعاقة تقدمه واستقراره . ولكن ، ومهما كان واقع هذه التحديات ، وجب على جمهور المثقفين ان يبدؤا في تعزيز أواصر ثقافتنا الإسلامية الصحيحة لأنها هي الضمانة الأكيدة والصلبة والكفيلة بإصلاح أوضاع ثقافتنا الاجتماعية المتردية وسد كل منافد الخرق لثقافتنا .

|..المجتمع الليبي لا يعيش الان في مرحلة اجتماعية ، سياسية ، اقتصادية وأمنية شائخة أو هرمة وإنما يعيش في مرحلة ثقافية متخلفة ، والمتأمل في أحوال المجتمع الليبي الان يرى امامه وبكل وضوح ثلاث صور رئيسية تحدد ، فيما اعتقد ، معالم الازمة الثقافية الليبية التي نُعانيها الان .  وتتلخص هذه المعالم ، اولا ، في غياب الدور الاجتماعي ومساهمته في معالجة وتصحيح الوضع في بلادنا .

…  ويعود ذلك إلى غياب التوعية  الشعبية المحلية القادرة على توجيه الشباب إلى النهوج السليمة التي تخدم مصالح البلاد والمجتمع .

..وثانيا تتجسد في ازمة العلاقة بين الفرد والسلطة .

مرجعية هذه الأزمة ، أزمة العلاقة بين الفرد والسلطة هو أن الفرد والمجتمع الليبي  قاصر على فهم الدور المناط بالسلطة في مجتمعنا . فالسلطة او الحكومة لا تزيد عن تجسيد بيروقراطي لنظامنا السياسي الاجتماعي السائد .

الدليل على ذلك لهذا النظام هو ان كل عناصر هذه السلطة نابعة من المجتمع الليبي نفسه .

 كل مانُعنيه بذلك هو انه على المواطن والمجتمع الليبي ضرورة الحرص على حقوق هذه السلطة واحترام استراتيجياتها التنفيذيه  ذات العلاقة ، وقبل كل شيء ، بتنفيذ طموحات والأهداف التي  يصبوا لها المجتمع الليبي .

 فالسلطة هي صمام الأمان لضمان كل الحريات الفكرية والحقوق القانونية للأفراد والجماعات بالمجتمع .

اما فيما يخص ازمة العلاقة بين الفرد والمجتمع فهي تأتي ثالثاً و تتلخص في فقدان المجتمع الليبي لقدرته على الاستمرار كمرجعية  قيمية  واخلاقية  للفرد في مجتمعنا الليبي وكذلك الاستمرار المتزايد في اضمحلال السلطة الابوية في الاسرة .

هذا الاضمحلال ، وللأسف ، لم يتوافق مع صعود القيم الاخلاقية بل ساهم ، ويقدر جلىٍ وكبير ، في انهيارها مما ساهم في استحلال وامتداد حالات الاستباحة والتسيب القيمي والخلقي واصبح الناشئ في مجتمعنا اعزل من اي دفاعات ومصابا بمرض فقدان المناعة الاخلاقية المكتسبة .

الخلاصة انه نتج عن هذه الازمات المذكورة اعلاه تراجع حاد للثقافة الاسلامية الصحيحة على صعيدي الانتاج والتناول . لذا لابد لنا من استحداث  منهجاً ثقافياَ تعليمياً جديداً تتركز مجهوداته على انتاج وعي انساني يمتلك سائر مقومات التأثير الفعلي في مستقبل مجتمعنا الليبي للحد من انتشار سلبيات الانحطاط الثقافي الذى نعيشه الان . ولابد ان يكون هذا الاستحداث على نطاق وتداول واسع حتى يصل ويؤثر ويصلح كل ليبي في عقر داره .

هذا الاستحداث يتطلب الحد من التفكك الاسري والاخفاق التعليمي كخطوة اولى لتحقيق اي تصحيح او تقدم ثقافي . ولابد  للأسرة الليبية ان تكون طريقا سالكا امام التقدم الثقافي ولابد للتعليم ،بشقيه الكمي والنوعي ، ان يكون شمولياًَ بحيث  يشمل كافة الفئات الاجتماعية الشابة والناشئة في مجالات معرفية غير محدودة وغير مُقلدة في الأساس .

صحيح أن معدلات التمدرس في ليبيا تفوق ثلاثة ارباع المجتمع الليبي ولكن ما يجب أخذه في الاعتبار هو نسبة المستفيدين من هذا التمدرس في مراحل التعليم الاساسي ومراحل ما بعد التعليم الأساسي وهي ، وللأسف ، شبه هزيلة بل ومخجلة نجم عنها في النهاية حرمان جيشً اجتماعيً هائل من فوائد التحصيل والتكوين التعليمي والثقافي على حد سوى .

نحن نقر ونعترف ان الإخفاق التعليمي ، وللإنصاف يرجع إلى شحة الامكانيات اللوجستية وضعف الموارد والبنية الاساسية للتعليم .

 ولكن الاكثر تأثيرا وفاعلية ، والذى ادى الى هذا الاخفاق يرجع في الأصل إلى الطبيعة التصفويه للنظام المدرسي المنهار .

كل المراجع والبرامج التكوينية  التعليمية  والثقافية  تعاني من قصور خطر على مستوى توفير احتياجات المجتمع الليبي المعرفية والثقافية مما نجم عن ذلك تخرج أفواج  هائلة ، ودفعات متلاحقة من انصاف المتعلمين والأميين ثقافيا وممن لا يستطيعون نقع او دفع مجتمعنا الى الافضل واصبحت هذه الافواج وهذه الدفعات كابوسا جاثما فوق صدر مجتمعنا الليبي المتهالك بدلا ان تكون تحقيقات لحلم نهضويا متقدم .

الخلاصة ان الخلل الناتج عن التقصير في العمل الوظيفي الطبيعي للمدرسة والاسرة والاخفاق في النظام التعليمي والتفكك في بنية  الاسرة في مجتمعنا  الليبي  كان ومازال وراء الامتداد الشامل والذى لا يحتاج إلى إي برهنه وأدلة للانحطاط الاجتماعي والثقافي الذى نعيشه الان .

  الاستحداث المطلوب يستوجب ، وبكل الامكانيات المتوفرة والمتاحة ، الانظمة الثقافية الجديدة وخصوصا الانظمة الاعلامية المقروءة والسمعية والبصرية على اوسع نطاق ممكن ويجب ان تكون هذه الانظمة ليست فقط مجرد تقنية للتلقين فحسب بل ككيفية جديدة لخلق الوعي والتعبير والدقة والنظام والوسيلة للحد والقضاء على الانحطاط الثقافي الليبي .

يجب ان يكون لنا تنوع في المقاصد والاستراتيجيات للنهوض بالثقافة في مجتمعنا الليبي .

 ويجب ان لا تقتصر هذه المقاصد والاستراتيجيات   علي نشاطات ثقافية مستهدفة ومعينة فقط …وإنما استراتجيات أخري  لقضاء علي كل العراقيل التي قد تعوق هذه الأهداف . واستراتجيات أخري التي من شأنها تضمن استمرار المعرفة والفهم والوعي واستقطاب العناصر الليبية والعربية المؤهلة لإنجاز مهامنا الثقافية.

.. ضمن الإستراتجيات التى يجب إتباعها ، كذلك ، هي التى من شأنها إعادة صياغة المناهج الثقافية الكفيلة لتحقيق الثقافة المنشودة وإستراجيات لتفعيل  استخدام التقنيات الحديثة للمساهمة في خلق ثقافة اجتماعية نهضوية فاعلة واستراتيجيات لتحقيق التعاون الثقافي بين القطاعين العام والخاص بالمجتمع الليبي واستراتيجيات اخرى لمشاريع ثقافية طارئة في حالات الازمة .

لذا نحتاج ، وبدون ادنى درجات الشك الى اعادة النظر في كل الاعمال الثقافية العربية المشتركة وتفعيلها على مستوى مشاريع ثقافية على اختلاف نوعياتها واحجامها ، والاستفادة بقدر الامكان ، وبما يتوافق مع مصالحنا وطبيعتنا ، من كل الاتفاقيات الثقافية على المستويين القاري والعالمي .

نسأل الله أن يهئ لنا دائما المناخ الملائم لإثراء ثقافتنا وتوجيهها إلى المسار الصحيح ذو اصالة توافق واحتياجاتنا المنبثقة من عقيدتنا الاسلامية الحنيفة ….

وان يوفقنا الله سبحانه وتعالى في اعداد جيل متعلم متعقل ومثقف .

مقالات ذات علاقة

في مديح العصيدة

عمر الككلي

من دستور العملية التعليمية.

يوسف الشريف

ذاكرة الليبيين لا تتعدى… أسبوعين

حسين بن مادي

اترك تعليق