استطلاعات

هل يوجد شعر؟ هل يوجد نشر؟…!!

%d9%87%d9%84-%d9%8a%d9%88%d8%ac%d8%af-%d8%b4%d8%b9%d8%b1
في الصفحة (224) من كتاب تاريخ ليبيا منذ الفتح العربي حتى مطلع القرن التاسع الهجري يطرح مؤلفه الفيلسوف والمؤرخ الفلسطيني إحسان عباس السؤال التالي: ألم تنجب ليبيا شعراء وناثرين؟. ويمضي المؤلف في عرض بعض المحاولات الشعرية المتواضعة حسب رايه لبعض الشعراء الليبين في ذلك الوقت حتى يخلص لللاجابة على السؤال الذي طرحه فيقول “.. إن طبيعة الحياة في ليبيا لم تتح الفرصة لظهور شعراء وأدباء من الطراز الأول…“.
هذا السياق هو في الواقع ما قادني لطرح سؤال مختلف قليلاً على عدد من شعراء وشاعرات ليبيا المعاصرين. مضمون السؤال بكلمات مختصرة كان: ماذا ينقصك الان لكي تكتب الشعر، وتنشره في كتاب؟ وعبر بريدي الالكتروني وصندوق الرسائل في وسائل التواصل الاجتماعي المتعددة والمتاحة أرسلت هذا السؤال إلى كل من أعرف أنه يكتب الشعر…أعتذر بعض من وصلهم السؤال عن المشاركة، وتجاهل حتى الرد بالموافقة من عدمها أخرون، وأجاب شاعر عن السؤال إجابة خاطئة، أعدت له السؤال موضحاً، فأمتلأ صندوق الرسائل بعلامات الاستفهام واشارات التعجب وإنقطع بيننا الاتصال..!!
وصلتني إجابة مقتضبة جداً جداً من الشاعر عمر الكدي قال فيها “لا ينقصني شي” اعدت السؤال مرة أخرى: “يعني تستطيع نشر  شعرك في كتاب متى ما تريد ذلك؟ فأكد عمرالكدي أجابته بكلمة واحدة ” نعم”
هذه الظروف المواتية للشاعر عمر الكدي في أن يكتب الشعر، وينشره في كتاب متي يريد.. يبدو أنها لاتتوفر عند الشاعر المهندس رامز رمضان النويصري الذي أجاب عن سؤالي بشكل مختصر، فكتب لي يقول “ما ينقصني هو الشعور بالاستقرار. فإن كان الشعر هو فن الالتقاط، وشحن اللحظة، واقتناصها، إلا إنه في ذات الوقت يحتاج إلى حالة من الاستقرار لنمو التجربة بشكل صحيح، بعيداً عن التشويش، والاضطراب”.   أما بخصوص النشر في كتاب يضيف رامز “.. فهو وإن كان صعباً في الماضي، فهو الآن أكثر صعوبة، في عدم وجود جسم ثقافي بإمكانه احتواء ما ينتجه الشعراء، والأدباء والكتاب بشكل عام، فالمؤسسات الثقافية قاصرة عن تقديم الكثير للكاتب، خاصة في ظل ما تمر به ليبيا. ومالم تجد من ينشر لك خارج البلاد، فستظل نصوصك حبيسة حاسوبك ودفاترك، وقصاصات الورق المبعثرة هنا وهناك”.
الشاعر عبد الباسط أبوبكر محمد الذي رغم مشاغله المتعددة بأطروحة الدكتوراة كتب لي مفصلاً حول نشر ما يكتب من شعر فقال “النشر في شكله العام، وهو المتاح حالياً عبر شبكات التواصل الاجتماعي بكل يسر وسهولة، يمنح الكاتب البراح اللازم ل (الجدل) الذي يعطي الأفكار عمقاً مهماً، فحالة الكتابة والنشر متلازمتان ولا جدوى من النص ما لم ينشر ويكون عرضة للجدل والنقاش”. ويضيف عبد الباسط موضحاً “أن النشر كمرحلة ثانية.. هي الفكرة التي تدور في ذهن الكاتب بعد تجاوز مرحلة الكتابة (تشخيص الأوهام) إذا جاز لنا التعبير، إلى مرحلة (تأصيل هذا الأوهام) وهو النشر، فهو يرى كائنات كان لا وجود لها في الماضي القريب تصبح حقيقة ماثلة، أفكار حقيقية تعيش وتنمو وتموت أيضاً حسب نضج الكاتب وتجاربه. النشر كجزئية مهمة في مرحلة الكتابة.. هو مرحلة النقاش حول هذه الأفكار وعمقها أو نقاش شرعيتها على أقل تقدير. فالحلم بالنشر.. هو حلم بمشاركة الآخرين نزق الأفكار وقلقها مع الكثير من الفروقات بين كاتب وآخر”.
حطاب الأرض الوعرة الشاعر مفتاح العماري يتصدى لهذا السؤال بكل جدية، ويرسل لي عبر بريدي الالكتروني (ملف وورد) بخط جميل ملون مطبوع بأناقة وأهتمام، تعكس مدى صدق هذا الانسان تجاه قضية الشعر ومدى حبه للشعر ومايتعلق به، وعن سهولة أو صعوبة أن ينشر قصائده التي يكتبها في كتاب يقول الشاعر مفتاح “… فيما يتعلّق بالنشر، لم يعد الأمرُ مقلقا، طالما في الإمكان بين حين وآخر، وكحدّ أدنى، تمرير تغريدة عبر التويتر، شذرة مكثّفة لا تتجاوز بضع كلمات. لا أعوّل على جمهور افتراضي، فقط  يكفي أحيانا أن أطلق سراح قصيدتي لتحلق إلى أبعد مدى. أن أفتح النافذة لتحريك الخيال، وتجديد هواء اللغة، حتى لا أختنق. في الختام  ما زلت أعتبر نفسي سعيد الحظ كشاعر، لمجرد إحساسي بالطمأنينة والتحقّق كلّما كانت قصيدتي معي”.
شاعرنا المهذب مهند شريفة كتب لي بشكل عام عن الأسباب التي تعرقل نشر النتاج الشعري في ليبيا وحاول تحديد أسبابه خصوصا عند الجيل الصاعد مِنَ الشعراء الشباب فقال ملخص ذلك في ثلاثة عوامل على النحو التالي “.. أظنَّ بأنّ الأمر يُعزى إلى أوان الوقت ومُلاءمتهِ للظرف، وتأخير بعض الشُعراء لاسيَّما مِنَ الجيل الصاعد مِنَ الشباب في نشر باكورة مَنتوجهم الأدبيِّ يرتكز على أكثر منْ عامل، العامل الأوّل يتمثل في مسألة عدم الرضى الملازم لكلّ شاعرة وشاعر ومحاولة البحث الدائم عن آفاق أكثر رحابةً، والعامل الثاني يتعلّق بمسألة عدم إكتمال التجربة ونُضوجها الذي يقتضي مزيدًا مِنَ الوقت والصبر والحُلم، والعامل الثالث يظهر في أزمة عدم وجود سوق حقيقي للنشر في ليبيا وقوانين ومعايير واضحة تُحدد الضوابط واللوائح التي تنظم عملية النشر وكذا تحمي المُبدع من شجع وإنتهازيّة الناشر وتضمن للناشر أيضًا حقوقه”.
الشاعر الودود نصر الدين القاضي كتب لي بتلقائية وعفوية تامة يقول “أولا: لولا الصديق محمود البوسيفى لما صدر ديواني الاول (من سيرة الصباح والمساء) اذ تولى طباعته من مخطوط حاولت تجميع مانشر من نصوص عام  2002م، أما أن أتسول دار نشر لاصدار مجموعة ثانية من نصوصي. فهذا ليس من طبعي.. ولم يعرض علي من أية جهة حتى الان”. ويضيف الشاعر نصر الدين مؤكداً لي “أنا على استعداد لتجميع مخطوط جديد اذا عرض علي ذلك وبدون مقابل مادي..!!”
عودة لصديقي الشاعرعبد الباسط أبوبكر محمد الذي تحدث عن ظروف كتابتة للشعر فقال “تختلفُ ظروف الكتابة عن ظروف النشر، فالكتابة في شكلها العام مطاردة للخيال وجعل الفكرة المشاكسة أكثر نظاماً وانسيابية عبر سياق الحبر والبياض”. ويضيف عبد الباسط ابوبكر “في اعتقادي – أن كل شخص داخله شاعر – لكن البعض يسلكُ طريق الحبر وتتناسلُ في جيوبه القصاصات، ويعيش وهم الشاعر الضروري للكتابة، والبعض الآخر يطردُ هذه الخواطر بعيداً كأنها أفكار مجنونة، مع الوضع في الاعتبار المكون الأساسي وهو اللغة والثقافة كشرط نجاح هذه الكتابة أو الشاعر”. ويلخص الشاعر عبد الباسط ابوبكر إلى الجزم بأن “الكتابة (في شكلها العام) هي تحويل الأفكار السائبة إلى كائنات ورقية لها القدرة على الحياة أطول من عمر قائلها إذا هو أخص لفكرته واستحضرها الاستحضار التام والشامل”.
شاعرتنا الجميلة عائشة المغربي كادت تعتذر عن المشاركة لكنها تراجعت، وجميلاً فعلت حين ارسلت  تقول ” لا أحد يستطيع أن يضع شروطا للكتابة، وخاصة كتابة الشعر التي لا تخضع عادة إلا لما الخيال فالشعر تحديدا يرتبط بالمزاج، وانا اكتب في أوضاع غير منطقية وغير مهيئة للكتابة، ربما قدرتي على الفرار من سجن الجسد والتحليق بعيدا بكل ما تجمعه الذاكرة بصورة غريبة وعشواءية من أحداث اليومي” وتسترسل عائشة فتمضي قائلة“..كثيرا ما اكتب وانا نائمة،  استيقظ اسجل ثم أعود للنوم، وأيضا حين أكون مشغولة بعمل يدوي  في المطبخ التنظيف أو الحديقة  ذهني يصبح حرا في النوم وحين يكون الجسد منهكا حينها ينطلق ذهني للكتابة اترك مابيدي أو اترك النوم كي اكتب تلك اللحظة التي يتحرر فيها خيالي من كل الأعباء ويسبح”.
الشاعر مفتاح العماري تحدث باستفاضة  أيضا عن الكتابة فقال “.. ربما بحكم التعوّد، لا أتوقف عن الكتابة. لعلّها تحولت بالنسبة لي إلى إدمان، إلى صنف من الثرثرة الصامتة والمحببة والحوار الداخلي. نمط من سلوك شخصي استمرأته، واستأنست تداعياته، ومع مرور الوقت تواطأت مع لعبته ” ويضيف الشاعر مفتاح العماري مؤكداً ” الكتابة بالنسبة لي علاقة يومية، لا أجد نفسي خارجها. منذ أن تعرّفت على نفسي وما يحيط بها من أسماء وأشياء، وأنا أثابر بعناد على توثيق هذه المعرفة بهيئة كلمات. أحيانا لا أدري ماذا أسمّيها – غالبا هذا لا يعنيني – بعضها يصطف إلى جانب الشعر، وآخر ربما كان مجرد هذيان.
ثم يستطرد الشاعر مفتاح مضيفاً “الآن تحديدا، أعني في اللحظة الراهنة بكل توتراتها، أصبحت القصيدةً أكثر متنفسا، كملاذ آمن أتقي من خلاله قبح الواقع وتشوهاته، فقط  يكفي أن أثابر على مزاولة قصيدتي كما لو كنتُ أحلُم”. وفي معرض إجابته عن سؤالي ماذا ينقصك لتكتب الشعر؟ قال “سألتني يا صديقي : ماذا ينقصني؟ لا شيء. الكتابة عملٌ فردي. لا يحول بيني وبينها أي عائق. لا المرض، لا الفقر، لا الخوف، لا التهدّم، لا الازدراء، لا الإقصاء، ولا الغربة حتى.   فمهما تعددت المثالب وتنوعت، ومهما تفننت بشاعة الواقع في صنعها – وهي كثيرة، لا ريب  – تظل علاقتي الخاصة بالقصيدة أكثر ثراء وشغفا. شديدة الإيمان بجدواها، وضرورتها في أن تهبَ الحياةَ جمالا استثنائيا (بالنسبة لي على الأقلّ)”.
أعود للشاعرة عائشة المغربي وأسالها بشكل مباشر ماذا ينقصكِ ياعائشة لتكتبِ شعر..؟ فتجيب وبوضوح أيضا “لا ينقصني شيئا خارجا عني  لأكتب، لكنني احتاج أن أبدأ الجغرافيا واسافر. السفر ثقافة تساعد على الكتابة  أعني أن تكون قادرا على السفر في كتاب في موسيقى في رحلة في معرفة الاخر”. أما عن النشر وهمومة فلعائشة راي مختلف تقول فيه: “كي انشر كتاب أمر صعب، أصعب كثيرا من الكتابة، أنت رهين الناشر وهي الدعاية كل الأمر أنني احتاج أن أصل للناس  أقصد أن يصل كتابي للناس” ثم تضيف موضحة: “وهذا أمر صعب لأن الناس لاتشعر بالكتاب فقط لأنك كتبته بل لأن هناك وسائط أخرى معقدة تقوم بتسويقه ولهذا فإن الأمر يحتاج لجهة كبير، جهد اعلامي  رهيب كي يصل العمل الجيد للناس وهذا امر مروع  لأن حتى الكتب التافهة قد تسوق وفق هذا المنظور، وقد يسقط الكتاب الجيد أيضا” وتختم الشاعرة عائشة المغربي حديثها لي بقولها “احتاج أن انشر كتبي وتصل للناس في حياتي أريد أن أرى في عيون الناس، صدى ما كتبت، نحن دائما نفترض قارئ، ونحن نكتب ولهذا على دور النشر أن تتغير تماما لأننا لانملك نحن الكُتاب مخالب  تدافع عن كلماتنا”.

مقالات ذات علاقة

خريجو كليات ومعاهد الفنون التشكيلية في ليبيا: الموهبة التائهة ما بين المناهج التقليدية وثورة التكنولوجيا

محمد القدافي مسعود

طرابلس القديمة تقاوم الحرب بالنقش على النحاس

المشرف العام

المثقف الليبي.. نسأل عن غيابه

محمد الأصفر

اترك تعليق