صحافة.
المقالة

هل هي سلطة رابعة ؟!

الكاتب يوسف القويري- من مفكرة رجل لم يولد

صحافة.
صحافة.

هل الصحافة سلطة رابعة؟
هل هي كذلك في واقعها، أم أنّ هذا التعريف لا يتجاوز حدود الصيغة النظرية؟؟..
وإذا ما كان التعريف الشائع: (الصحافة سلطة رابعة) هو مجرد تعريف نظري يُقال من باب الوجاهة دون أن يكون له أدنى سلطان واقعي.. فلماذا هو كذلك. وما هي الظروف أو القوى التي تمنع الصحافة من أن تكون بالفعل سلطة رابعة؟! 
من المؤلم بطبيعة الحال أن ننتزع من الصحافة صولجانها المألوف، وأن ننزلها من مكانها المهيب، وأن نجردها من سلطاتها ! إن هذا الأمر مؤسف جداً، فليس ثَمَّةَ صحفي يقبل أن يرى هذه المهنة الجليلة مجردة من أسلحتها، ومن قيمتها.

ولكن، ما العمل؟
هناك أمران:
إما أن نستمر في التغاضي عن الوضع الراهن للصحافة هنا، بكل ما يمتلئ به هذا الوضع من أشياء غير سارة بحيث نظل مطمئنين إلى ذلك التعريف التقليدي: (الصحافة سلطة رابعة) في الوقت الذي يبدو فيه هذا التعريف فاقداً لأي محتوى واقعي.
وإما أن ننظر إلى الصحافة نظرة موضوعية تتحاشى أي وهم، ثم ندرس طبيعة الظروف الجديدة البائسة التي تعيشها هذه المهنة النبيلة بحيث تتوفر لنا القدرة على إعطاء حكم سليم، وعلى الوقوف على أسباب إنتفاء السلطة – واقعياً – عن الصحافة.
والإستمرار في التغاضي اسلوب سهل أنه برضي الكبرياء والكرامة ويحجب عنا الحقائق المكدرة فيجنبنا بذلك مشقة البحث والإستقصاء والتحليل، ويسوقنا في إتجاه خادع، فنظل سادرين في اعتقاد ليس له أي أساس حقيقي، ونظل على إيماننا السابق بأن الصحافة سلطة رابعة في حين أنها – واقعياً – قد فقدت مفعول هذا التعريف !
فالصحفي لا يستطيع أن يتجرع بسهولة حقيقة إنتفاء السلطة عن مهنته. فهذه صعب لأن جهود الصحفي، وعرقه، وتضحياته – في أحيان كثيرة – تذهب جميعها في الهواء !
فما دامت الصحافة قد فقدت تأثيرها كسلطة رابعة، فإن أية جهود تحتويها هذه السلطة العاطلة لن تمنح نتائج محسوسة..
سيستمر الصحفي يكتب، ويجري وراء الخبر والتحقيق، ويدلي بالرأي وإثر الرأي، وينتقد ويجمع المعلومات، ويحلل، ويوجه، ويصرخ دون جدوى، لن مهنته قد فقدت سلطتها !
بل إن ثَمًّةَ حقيقة أخرى ناتجة عن إفتقاد الصحافة لسلطتها، وهي انحصار حرية الصحفي في حدود موضوعات معينة يواجه حين يتخطاها صعوبات شديدة، ومخاطر. هذا إن إستطاع أن يتخطاها أصلاً !
فطالما ان الصحافة فقدت سلطتها، فإن الصحفي بدوره يكون – في الوقت نفسه – قد فقد حريته !
فسلطة الصحافة تعني جزئياً – حريتها في توجيه النقد، وتعني – كلياً – القدرة على نقل نقدها إلى مستوى التنفيذ بسبب أنها تتمع بإمكانية التأثير، بسبب إنها قوة فعالة لا يمكن إهمالها بأي صورة من الصور ! فهل الصحافة – هنا – كذلك ؟!

لا أظن ..
ولا (أظن) أيضاً ان احداً من الناس يعتقد ذلك !
فتاثير الصحافة كـ(سلطة رابعة) يعاني ضعفاً مريعاً، ونفوذها الواقعي آخذ – مع الأسف – في الإضمحلال.
الصحافة – هنا – يمكنه أن تقول أشياء كثيرة، فهذا غير محظور، لكن لا احد يصغي لها بإخلاص.
والصحافة – هنا – أيضاً ليس بإمكانها أن تقول أشياء كثيرة، فهذا محظور، ولكن لا أحد يمنح لهذه النقطة الخطيرة قدراً كافياً من الإنتباه والعمل.
بل إن الصحفي في بلادنا بغض النظر عن المشاكل الكبرى التي تخنق مهنته، يعاني مشاكل صغيرة على الصعيد الخاص، فمثلاً ليست هناك نقابة تحميه وتؤمن له مستقبله وتضعه في شروط إنسانية أفضل.
ومشاكل الصحفي “الصغيرة” يمكن إغفالها الآن، لأننا نناقش المشاكل الكبرى للصحافة كرسالة ومهنة، وهي مشاكل تنعكس بصورة مباشرة على الحياة اليومية لكل العاملين في هذا المجال الهام.
ولنُلْقِ الآن نظرة، عبر البحر، على صحافة البلدان المتطورة، الراقية فقد تساعدنا هذه النظرة على معرفة بعض أسباب الأزمة – هنا. 
ففي أوروبا الغربية – مثلاً – لا تنشأ الصحف لتعبر – فقط – عن آراء صاحبها أو أصحابها، بل هي تنشأ – كضرورة – للتعبير عن أفكار ومصالح فئات اجتماعية واسعة، بغض النظر عما إذا كانت هذه الفئات تقف مع التقدم الاجتماعي والاقتصادي والسياسي أم ضده.
وثَمَّةّ صراع دائم بين الصحف والمحافظة، أي التي ترغب في إستمرار المجتمع داخل نفس القالب القديم، والصحف المجددة التي تخدم قضية التطور الاجتماعي وتعارض إستمرار الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفكرية على المنوال التقليدي.
وهذا الصراع الدائم – الذي لا يخمد إلاَّ ليشتعل – يعكس ويمثل ويبلور الصراع الواقعي بين الفئات الاجتماعية المختلفة، ويزيد وعي الفئات الأقل نضجاً بحقيقة قضاياها. 
وبين هذين التيارين الرئيسيين ثّمَّةَ تيارات أخرى كثيرة، إلاَّ أنها ليست تيارات فردية، بل إنها تنتمي – بشكل أو آخر – إلى فئات إجتماعية واضحة، ومحددة.
وهذا الكلام يعني أن للصحافة هناك أساساً حضارياً: إجتماعي، وسياسي، وإقتصادي، وفكري، وأنها تنشأ مستندة إلى قوى حقيقية، وأنها تستمر بنشاط وإزدهار لهذا السبب بالذات، كما أنها تكتسب صولجانها ونفوذها ومحتوى قوتها – كسلطة رابعة – من المضمون أو الأساس الاجتماعي الذي تملكه.
والصحافة – في بعض الأقطار العربية – تحمل هذه الخصائص الثمينة مع اختلاف في بعض التفاصيل. وهو اختلاف تمليه المرحلة التريخية التي تمرّ بها تلك البلدان.
قسلطة الصحافة إذن تكون شكلية عندما تنشأ بلا قاعدة إجتماعية أو سياسية. بلا قاعدة إقتصادية – مهما كان ضعفها – في المجتمع.

وحتى صحافة الرأي التي تنهض في البلدان الناشئة على أكتاف أعلام أفراد لابد أن تتوفر لها حماية سياسية من نوع ما، أعني حماية اجتماعية، أي حماية بتأثير التقاليد الديمقراطية، أو حماية بتأثير التقاليد الحضارية. فلابد أن يكون هناك مجتمع واضح السمات أولاً لتكون هناك صحافة تمسك بيدها صولجاناَ حقيقياَ، قد يتعرض للقهر، قد يتعرض للإضطهاد، إلاَّ أنه مع ذلك يبقى صولجاناً، يبقى قوة معنوية حتى في أحلك الأوقات.
ولكن الصحافة عندنا تنهض في شروط حضارية مختلفة.
إنها تنهض بلا أساس إجتماعي أو سياسي أو إقتصادي واضح، ولهذا فغنها معرضة – بالتالي – للإضطراب فكرياً، كنتيجة لاضطراب أساسها الاجتماعي وعدم وضوحه ولا نقول عدم وجوده على الإطلاق..
إلاَّ أن غياب الأساس الاجتماعي الواضح للصحافة لا ينفي المسؤولية عن الصحفي، ولا يعطي له – بطبيعة الحال – أي مبرر لوضع ثقافته ومهارته في خدمة أمور تلحق الضرر بوطنه.
إنما نحن نشير إلى غياب الأساس الاجتماعي لنوضح بعض جوانب الأزمة.
فليس ثَمَّةَ صحف – هنا – يمكننا أن نصنفها بإطمئنان على أنها معبرة – مثلاً – عن مصالح رجال المال والأعمال الكبار، ولعل ذلك يرجع إلى أن هذه الفئة نفسها لم تتبلور بعد وتنضج نضجاً كافياً وتستقر نسبياً بحيث تكون لها مصالح ثانية تحتاج إلى شكل من أشكال التعبير الفكري، ولا يبدو أن إحتمال نضجها سيتم، لأسباب تاريخية لا نظن أنها خافية على القارئ المستنير.
فالتصنيف هنا، على أساس اجتماعي محدد، أمر غير ميسور بالمرة.
وهذا ما يجعل العنصر الفردي أو الشخصي في الصحافة يتضخم، في حين يغيب المعنى الاجتماعي أو الطبقي.
وهذا جانب أو سبب من أسباب الضعف الذي لا مفر منه ولا مفرّ – أيضاً – من مواجهته.
ولنا عودة إلى بقية الجوانب بصورة أكثر تفصيلاً ودقة، فهذا المقال هو “إشارة” فقط لما يمكن أن يعكف الإنسان على دراسته دراسة متأنية تحيط بجميع الأسباب والنتائج.

عن كتاب (مدخل إلى قضية المرأة)

مقالات ذات علاقة

السياج الدوغمائي

أحمد معيوف

الحرب الليبية الليبية المحتدمة …..من يطفئها ؟

إبراهيم حميدان

الموهـبة والاكـتساب

المشرف العام

اترك تعليق