المقالة

هل عرفت ما هو البغدد؟

البغدد أن تنتظر حياتك ولا تعيشها، أن تذهب السنوات أمامك باليوم دون أن تشعر بأنك فعلاً حي، أو يكون لها ما يترتب عنها من رخاء وطمأنينة، أن يشيب شعرك وأنت تملك بيتاً وسيارة على هيئة إيصال من دولة ثرية اسمها ليبيا وشهادة عليا لا تجد بها عملاً في سوق العمل، وأن توفر لك بلدك من خيراتها ثمن تذكرة الهروب منها.

البغدد هو أن تعتاد الشوارع المعطوبة والمياه السوداء والعشوائيات وتعتادك هي أيضاً، وتفتقدك عندما لا تراك لدرجة الخوف من خسرانك، وتشتاق أنت الخرابة عندما تبتعد عنها بقارات، وتبكي لأنك تحن إلى مالا يعقله العقل في وادٍ غير ذي زرع ولا زارعين.

البغدد أن  تكافح القذى والأذى اليومي بمقولة “يفرج الله”، يجعلونك هكذا مع كثرة التبغديد تحيل الملفات كافة إلى الله، من ملف قفص الدجاج في البلكوني في القرن الماضي، إلى ملف قفص داعش في القرن الحالي.

البغدد هو أن تطلب حقك ممن لا يملك أن يحجبه عنك، لكنه عنوة يملك منعك، كما منع أبيك وجدك من قبلك من أن  تتعلموا في مدارس لدروسها قيمة،  من أن تنعموا بوسائل مدنية تختصر عليكم اختراع العجلة من الزناحة،  من أن تتطببوا في مشافي للبشر وليس في عيادات البيطرة كالبقر.

البغدد هو أن تحاول العثور علي حياة نظيفة وسط الحرام، ألا تكذب رغم أن الصدق يؤذيك في مجتمع كاذب، ألا تسرق رغم أن الاسم الشرفي للسرقة  والتلاعب هو الشطارة، ألا تستخدم سلطة يدك وحديدك رغم مايصيبك من أيدي وحديد الاخرين،  أن تواجه متطلبات حياتك بشرف وتعاني جراء ما يجلبه لك التمسك بخوفك من الله وحده،. أن ترفع عينيك للسماء وتشكو فقر جيبك وعصاميتك إلى الله، فقد تنهار أمام كثرة الصعاب، قد تخور ولا يعود لك روح تقاوم ، قد تجعلك احتياجاتك الملحة تطأطىء لما أنت أكيد من فساده وتقبل به مكرهاً بعد معاناة طويلة مع البغدد، إذ من خصائص البغدد أن يلاحق الفارين من القاطر بالمزراب.

البغدد هو أن يموت البعض في كفاح الفساد والأذى والتردي ويأتي دورك في الموت دون أن يتحقق شيء من وراء موتكم، حتى ولا تكملة مشروع تركيب مصافي لمصنع الاسمنت الذي قتلكم غباره، أو ربع طريق متقنة من بيتكم للسوق.. أن تقول يا رب إني أخافك في هذه البلاد التي يخاف فيها الناس من بعضهم، بدلا من أن يخجلوا من أنفسهم، هذه البلاد التي تتيح  رعاية الفساد والإفساد بشكل غريب ومع ذلك أنت لا تفسد ولا تريد أن يغادرك حب البلاد او تغادرها.

البغدد هو أن تتبع الإرشادات في كتيب الصلاح والدعوة وتجربها كلها لما يزيد عن ربع قرن ثم تكون النتيجة صفر، رغم أن اينشتاين  يقول: “الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات وانتظار نتائج مختلفهة”.

اللهم إذا كان ما أفعله غباء منذ ربع قرن عشته في هذه الليبيا، فارحمني وسلط علي ذكاءً ينقذني… فأنت الذي خلقت الإنسان في أحسن صورة وبما أن لك ظاهرة فإن  لك أيضاً باطنة، وباطني هو صناعتك.

اللهم إنا اكتفينا واكتوينا بالفساد والخراب والتردي، فارحمنا  كما جئت بنا إلى هذه الأرض التي قتل من أجلها من أراد صلاحها وقتل من أجلها من قال إنها تدور، وفحج  عليها حتى آخر نفس من أفسد الحياة فيها ومن قال إنها لاتدور!

اللهم إذا كانت تدور فسرعها حتى يسقطوا عن ظهرها فتريحها منهم، وإذا  كانت ثابتة والصين هي التي تدور فإنها تستطيع أن تأتي إلينا وتكفنا بها عناء طلب اللجوء السياسي والاجتماعي، اللهم اجعل الأمور سهلة إلى هذا الحد، اجعل سويسرا الثانية في الدور والسويد الثالثة وأبعد عنا ما استطعت إيطاليا وإسبانيا، بل اجعل كوريا الشمالية تأتينا برئيسها ليخلصنا من شراذم المتطرفين، فإنهم يستحقونه وتليق تسريحته بالشعر الذي يعتنقونه.

اللهم إني تبغددت بجميع الألوان، مما يحدث في وطني منذ كتبته لي وطناً وسلطت عليه الأشرار والسفهاء وجعلتنا نكتفي بالقول: “ربنا لاتؤخذنا بما فعل السفهاء منا”، اللهم إن موطني الغالي من احتلال لاحتلال، بل إن تاريخه مع الاحتلال مسخرة حقيقية، لدرجة أن  كل محتل احتله مرتين، الرومان مرتين والأتراك مرتين والليبيين مرتين. واحدة في سبتمبر وواحدة بعد فبراير.

اللهم اقطع مشيمة هذا المسلسل منا يارب واجعل لنا صرة حرة…. اللهم أوقف القتل في كل مكان، وأهدي الليبيين إليك فقد اتضح انهم بحاجة إلى تحديث شامل، انقذنا من البقر الحاكم والمتحكم، ارسل جناً متمدناً يخبط الناس هناك، فيصبحوا متمدنين ويتصرفوا في يومهم علي هذا الأساس، فلا عبث بليبيا لا بالقمامة ولا بالسلاح ولا بالهصيك متعدد الانواع.

وخصص للحكومتين والبرلمانين نفس الجن يخبطهم بشيء موحد فلانجدهم بعدها إلا موحدي الصف،  اللهم لا أنسى أن اشكو إليك ضعف الذين  يذوقون صقيع الوحشة والبرد لأنهم لا يستطيعون التدثر في نفس  البطاطي بعدأن غطوا بها ضحاياهم وقتلاهم.

أما الليبون الذين  لديهم قدرة  علي تغيير البطاطين فوحد كلمتهم وعلها، كما وحدتها وعليتها عند انقطاع الغاز والكهرباء والبنزين والنت والخبز،  ولا تجعلها متبددة متبلدة  ولا يسمع لها صوتا ككلمتهم عند انقطاع الدراسة وقتل النساء وقطع الرؤوس!!

اللهم إني تبغددت.. اللهم فاشهد!

_____________

نشر بموقع هنا صوتك

مقالات ذات علاقة

دوائر الطاعة

وفاء البوعيسي

ثمانون حولاً على معركة عافية

أمين مازن

الجسد معاديا

عمر الككلي

اترك تعليق