بوابة الوسط

د.أحمد إبراهيم الفقيه
د.أحمد إبراهيم الفقيه

يستشهد شاعر صديق في دفاعه الدائم عن أوهامه الجميلة بقصة منتقاة من ذكريات إحدى نساء مدينة ليننغراد إبان الحصار النازي للمدينة، تقول فيها السيدة «لقد كان الحصار قاسياً ومميتاً.. لكن الشعر ساعدنا كثيراً كي نبقى على قيد الحياة».. ومع أنني أشك في صمود صديقي الشاعر طويلاً أمام أول امتحان جوع.. إلا أن الجميل هو هذا الربط أو الارتباط الروحي بين الحياة والشعر.. بين الحياة والإبداع.. هذا الربط الجميل اخترته مدخلاً لشهادتي هذه في الحديث عن الصديق الأديب المبدع د. أحمد إبراهيم الفقيه.. إذ إن كل إنتاج هذا الكاتب الأديب، وإن تعددت مساربه قصة كان أم رواية أو مسرحاً أو مقالة هو في مضمونه وبعده راية مرفوعة دوماً للدفاع عن الحياة أو ما عبر عنه في كتابه الصحراء وأشجار النفط «لكي تكون في حياتنا حياة» فلا يجب، والكلام للكاتب، أن تكون الحياة رحلة قصيرة وسريعة من ظلمة الرحم إلى ظلمة القبر، وعلى المرء أن يجعل لحياته قيمة يحقق بها الارتقاء والسمو عن عوالم الكائنات الأرضية الأخرى.

*تعرفت إلى الكاتب الأديب «أحمد إبراهيم الفقيه» في رؤيته الإنسانية هذه من خلال قراءة كل قصصه التي كتبها آنذاك قبل أن أتعرف إليه شخصياً في منتصف السبعينيات.. كنت ساعتها في بداية تجربتي القصصية وقد شدني أيضاً لتلك القصص أن وجدت فيها شيئاً من روح سيد القصة القصيرة في الوطن العربي يوسف إدريس، وكنت مدمناً قراءة إبداع هذا الأديب الكبير.
*نقطة الانجذاب الأخرى لأعمال الفقيه هي ذلك الحضور الدائم للماء في قصصه، وكان الماء عنوان أول تجربة قصصية لي وهي «لو تمطر السماء».. حضور يجعله الفقيه متلازماً مع الحياة والحب والمرأة والوطن، بل هو كل ذلك جميعاً.. كان الماء وهو المطر أو النهر أحياناً والبحر أحياناً أخرى بارزاً في عناوين أعمال الفقيه.. «البحر لا ماء فيه» «بيت له شرفة على البحر» «أبناء الماء وأبناء النار» «الرجل الذي لم يشاهد في حياته نهراً» ـ «تجيئين كالماء وتذهبين كالريح» وغيرها..
وعندما كتبت قصة «الجفاف» لاحظت بعد نشرها أن سليمان بطل القصة الذي اكتشف انحسار النهر في قريته ربما هو نفسه «الرجل الذي لم يشاهد في حياته نهراً» إحدى أجمل قصص الدكتور الفقيه التي ارتبطت بذهني وقد كتبها العام 1974.
في ذلك العام شاءت المصادفة أن تبدأ معرفتي الشخصية بالأديب أحمد إبراهيم الفقيه، حين سلمني جائزة القصة القصيرة في أحد المهرجانات الأدبية الطلابية باعتباره رئيساً للجنة التحكيم في ذلك المهرجان.
*في تلك الفترة كانت تتألق في فضاء الثقافة الليبية إحدى أول الصحف الأدبية المتخصصة ليس في ليبيا فقط بل في الوطن العربي وهي الأسبوع الثقافي، واستطاع الأديب «أحمد إبراهيم الفقيه» الذي كان أول من تولى رئاسة تحريرها أن يجعلها منبراً للإبداع والحوار حفل بأسماء أهم فرسان الكلمة الليبيين والعرب مشرقاً ومغرباً، وساهمت في ظهور جيل جديد من المبدعين الليبيين، وزاد من تميز الأسبوع الثقافي استقطابها لريشة فنانين مصريين كبار كمحمد حجي وإيهاب الليثي وحجازي لتشكل تلك المطبوعة ظاهرة ثقافية لافتة ونقلة نوعية يستوجب التوقف عندها في التأريخ للشأن الثقافي الليبي.
ـ في سياق الحديث عن الأسبوع الثقافي تحضرني واقعة طريفة بطلها أديبنا الدكتور الفقيه.. ففي قمة توهج تلك الصحيفة برز على صفحاتها فجأة اسم «ليلى سليمان» كاتبة تصدت لقضية المرأة بأسلوب جريء رشيق لافت استفز بعض المحافظين من الكتاب فانبرى للرد عليها وتهجم أحدهم على «ليلى سليمان» إلى حد التجريح والطعن فيما سماه بسلوكياتها زاعماً أنه يعرفها شخصياً بل يعرف من كان يتردد عليها.. ولم تضطر الكاتبة التي لم نكن نعرفها بعد إلى رفع دعوى قذف وتشهير ضد ذلك الكاتب، لأن «ليلى سليمان» كما عرفنا لاحقاً لم تكن إلا الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه نفسه الذي استعار ذلك الإسم أو الصوت النسائي.
ـ ليكتب من خلاله بعض أهم المرافعات في سجلات الدفاع عن قضية المرأة وحقوقها.. وقد جمعت فيما بعد وصدرت في كتاب حمل عنوان «كلمات من ليلى سليمان».
ـ الروح نفسها التي جعل بها أحمد إبراهيم الفقيه من صحيفة الأسبوع الثقافي صرحاً ثقافياً تجاوز الحيز الليبي ليمتد إلى العربي باتساعه كانت أيضاً وراء ميلاد صرح آخر في مستوى التميز نفسه هو مجلة الثقافة العربية التي بدأت الصدور في بيروت، وكان الفقيه أول رئيس تحرير لها قبل أن تنتقل إلى طرابلس ثم بنغازي جامعة على صفحاتها أسماء أهم الكتّاب والمبدعين العرب.
عرفت أيضاً أديبنا الكبير «أحمد إبراهيم الفقيه» ناشطاً نقابياً في الفترة نفسها من خلال سعيه ودوره في إنشاء اتحاد للأدباء والكتاب الليبيين، وكان مقرراً للجنة التأسيسية ثم أميناً عاماً له.
لم ينحصر عطاء أحمد إبراهيم الفقيه الذي عرفته فيما نشره من أعمال إبداعية قصة ورواية أو كتاباً ومقالات بل كان أول من أسس للمسرح الغنائي في ليبيا بكتابته أوبريت «هند ومنصور» الذي ألف موسيقاه ولحن أغانيه الموسيقار الليبي علي ماهر وأداه طلبة المعهد الوطني للتمثيل والموسيقى الذي عمل الفقيه مديراً له العام 1971

قدم الفقيه أيضاً مساهمات مهمة في الإذاعة الليبية منذ سنوات تأسيسها الأولى أواخر الخمسينات.. ثم أنتج للإذاعة المرئية لاحقاً برامج تمثيلية تاريخية في الثمانينات قدم فيها نفسه ممثلاً أيضاً.
غاب الدكتور الفقيه فترة تفرغ خلالها للعمل في المجلس القومي الأعلى للثقافة في المغرب رئيساً لشعبة الإبداع ثم التقيته على صفحات مجلة «الموقف العربي» التي كانت تصدر في قبرص حيث نشر فصول روايته “حقول الرماد” وكنت من كتّاب تلك المجلة.. ولقد لفتت «حقول الرماد» حينها الانتباه مرة أخرى إلى أحمد إبراهيم الفقيه روائياً.
عندما وصلت القاهرة قبل سنوات قليلة اخترت شقة للسكن المؤقت لاشك أنها كانت من بين ملايين الشقق الممتدة امتداد هذه المدينة التي تحتضن وحدها ثلاثة أضعاف سكان بلادي قال لي الخفير في اليوم التالي إن الشقة التي تجاورك تماماً يقطنها ليبي.. قلت ما اسمه.. قال لي الدكتور أحمد الفقيه.. تلك هي المصادفة العجيبة التي جمعتني بالصديق الفقيه في القاهرة بعد غياب سنوات.
ـ وفي القاهرة عرفت الفقيه مبدعاً متطوراً ومطوراً يتحفنا بأعماله الإبداعية قصة قصيرة ورواية ومسرحاً متجاوزاً فضاءه المحلي الصغير إلى فضاء الأدب العربي الواسع ثم العالمي الأوسع، وكما استطاعت قصصه الأولى أن تتسع لتفاصيل القرية وتحمل همّ الوطن كانت الرواية عنده هي المتسع للهم العربي والإنساني والفضاء الرحب الذي مكنه من أن يضيف إلى الرواية العربية ويساهم في بناء مجدها.
ـ عرفت في القاهرة أيضاً أحمد إبراهيم الفقي كاتباً صحفياً تجاوز شؤون الوطن الصغير إلى شؤون الأمة والعالم.. من صحيفة «الشرق الأوسط» إلى صحيفة «الأهرام» مروراً بالعديد من الصحف العربية وجد الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه ـ وهو الذي ينادي في جلساته بفصل الأدب عن السياسة – وجد في كتابة المقالات الصحفية مكاناً للفصل بين إبداعه الأدبي ومساهماته في التصدي للقضايا السياسية والتعبير عن هموم المواطن العربي وتطلعاته في الحرية وبناء التقدم.. وقد أفلح في إنجاز هذا التوازن أو التكامل بين عطائه الإبداعي وإنتاجه الصحفي.
ـ هكذا عرفت الكاتب الأديب المبدع أحمد إبراهيم الفقيه رائداً للقصة القصيرة المكتملة والحديثة في ليبيا وسط كوكبة روادها الذين تجلوا في مرحلة الستينات، ومنهم كامل المقهور ويوسف الشريف وخليفة التكبالي وإبراهيم الكوني وعبدالقادر أبوهروس وعبدالله القويري وبشير الهاشمي وخليفة الفاخري وغيرهم وكاتباً منفتحاً ومساهماً في حوارات وفعاليات البحث في قضايا هموم أمته مدركاً لمتغيرات العالم وتداعياتها.. مؤمناً بقدرة العربي في التغيير وصناعة المستقبل الأفضل، وهو الذي يقول في مقال مبكر “لابد أن يولد السحاب في بلادنا ولن تأتي السحب من بلاد الآخرين لتصنع أعياد المطر في بلادنا”.. وأعرف أن كل ذلك يضيف لأحمد إبراهيم الفقيه الروائي كما سيضيف هو للرواية التي يبدو أنه وجد نفسه فيها أخيراً.
في أواخر أيامه، كثف الفقيه إنتاجه، ونشر إبداعه، مواظبا على الحضور الصحفي المنتظم، من خلال مقاله الأسبوعي في صحيفة القاهرة المصرية الثقافية الأدبية، وكنت شاهدا قبل وفاته بأسبوع تقريبا كيف كان وهو على فراش المرض نزيل المستشفى، يضع حاسوبه الشخصي «اللابتوب» قرب صدره وهو نصف متكئ على سريره ويكتب وبجانبه نسخة من جريدة القاهرة كانت تتطلع عليها إحدى الممرضات، حين علمت أن الممدد في الفراش أمامها هو أديب ليبيا الكبير أحمد إبراهيم الفقيه

كنت وعددٌ من أصدقائه نحرص على إخبار طاقم التمريض أن هذه الشخصية هي نجيب محفوظ ليبيا، ليزيدوا من اهتمامهم بحالته وتفانيهم في خدمته، في تلك اللحظات لم يعد الفقيه هو نفسه ذلك الممتلئ حيوية ونشاطا، يتحدث ويستمع ويفاجئ جالسيه بين حين وآخر بإحدى النوادر والنكات التي كان يخبر انتقاءها وطريقة إلقائها، فقد هزل الجسد، وتقطعت الأنفاس وثقل اللسان، وبدأ حين يتحدث كأنه يحاول التخلص من عبء ثقيل، كان قلقا لا يحتمل البقاء هكذا، منتظرا انفراجة تمكنه من السفر إلى بريطانيا أو ألمانيا لمواصلة العلاج هناك، لكن الأطباء وهو ما لم نخبره به، لا يخفون أن حالته ليست جيدة، ونصحوا بأن ينتقل إلى البيت ويواصل نوعا من العلاج الطبيعي، فغادر المستشفى، لكنه عاد إليها بعد أن أصيب بوعكة حادة توقف القلب على إثرها لدقائق، ما جعل الأطباء يدخلونه على الفور إلى غرفة العناية الفائقة، وأفلحوا عن طريق الصدمات الكهربائية في تنشيط وظيفة القلب، لكنهم أبلغونا بأن الحالة حرجة جدا وأن الـ 24 أو الـ 48 ساعة القادمة ستحدد مصيره، وهو ما جرى بالفعل، فقد توقف قلب الأديب نهائيا فجر الأربعاء 1/5/2019، ولم يستطع الصمود مع شراسة المرض الذي نال من رئته، ليتوقف القلم الذي ترك وراءه قرابة المائة كتاب، شكلت إرثًا أدبيًا مهمًا عزز رصيد المكتبة الثقافية الليبية، والعربية، والعالمية أيضا عبر أعماله الروائية والقصصية والمسرحية التي ترجمت إلى أكثر من لغة.. وكُتب لي أن أراه يُنقل محمولا في نعشه من المستشفى إلى السيارة التي أقلته إلى مطار برج العرب بالإسكندرية، في طريقه إلى بلده ليبيا، ليوارى ثراها الذي لم تغب رائحته في جل أعماله التي تركها وراءه.