قصة

هروب 2

الجامع العتيق وقلعة مرزق (تصوير: رشاد علوه)


خرج من المنزل وفكرتين تتجاذبان خطواته، إحداهما تشده باتجاه مدرسة الرأس، والأخرى باتجاه بحيرة  داقرو، وعندما أصبح محاذيا للزاوية السنوسية انعطف باتجاهها ذاهبا إلى الحنفية، بجانب الزاوية وضع يديه تحت الماء، باردا في البداية، فتح الصنبور عن أخره وترك المياه تنساب باتجاه شجرة الكرنة التي نبتت لوحدها هناك، وضع يده لكي يتأكد من إن الماء البارد جدا قد انتهى، بدء الماء دافئ شرب حتى امتلأت بطنه، حتى تضلع، وهو مدرك ـن لا شراب حتى نهاية اليوم الدراسي، انعطف خلف الزاوية و خرج خارج السور باتجاه نخيل السبعة المتشابك، ثم من هناك إلى حيث رمال داقرو بعد البحيرة.

لقد كان خوفه من المدرسة ومن معلم الحساب خصوصا أكبر من خوفه من أمه و أبيه، عند نهاية اليوم الدراسي واكتشاف أمر غيابه، أخرج عود ثقاب من جيبه وقشرة انتزعها من علبة كبريت، ليته كان كبريتا من نوع الشمع، فهو لا يحتاج إلى قشرة ليشتعل، بل كان سيفعل كما على أغلفة المجلات وهو يرى الكاوبوى يشعلون الثقاب أسفل أحذيتهم.

بداء محاولة إشعال النار ولكن عيدان الكبريت تتفتت الواحد تلوا الأخر دون فائدة، بقى معه عود ثقاب واحد ذهب صوب النخلة، انتزع قطعة من الليف فركها حتى أصبحت طرية مفتتة تم حاول استكشاف اتجاه الريح، أخذ قليلا من الرمال و نثرها تأكد من اتجاه الريح، جثى على ركبتيه من ذاك الاتجاه لكي يقي عود الثقاب الهواء بجسده النحيل، أشعل آخر عود ثقاب وبيد مرتعشة من البرد وضعه على قطعة الليف التي كانت كأنها مادة قابلة للاشتعال، فشبت النار، وضع عليها العيدان و القش، وبدأ الدفء يسرى في يديه تم في أنحاء جسده.

التحق به ثلاثة من الهاربين من جحيم العصا، جذبهم الدخان المتصاعد وفيما هم يتحلقون حول النار سمعوا صوت سيارة تقترب من المكان، وقبل أن يتبينوا الأمر انفتحت أبواب السيارة وقفز عدد من المدرسين و بدأت المطاردة في غابة النخيل، مرورا بحي الزوية، افترقوا كلا أخذ اتجاه أحدهم وكان ضخم الجثة مقارنة بهم، ويلقب بـ(البطة)، تم القبض عليه وتم إعادته إلى المدرسة، أم الآخرين فكلا ذهب في اتجاه يبحث عن خلاصه، هو ظل يجري دون أن يلتفت ليعرف إن احدا يجرى خلفه أم انه قد توقف، ولكنه يحاول ألا تلامس قدميه الأرض وهو يفكر في الفلقة التي سوف تلهب قدميه لو تم الإمساك، به ناهيك عن التشهير به أمام التلاميذ على إنه هارب وتم القبض عليه في نخيل داقرو، لذلك لابد من الفرار وظل يجرى حتى وصل باب الخير دخل من هناك باتجاه القلعة والمسجد العتيق والمبنى المجاور الذي كان يستخدم ملعب لكرة القدم، وجد جدارا مهدما ارتمى خلفه وهو يكاد يغمى عليه من شدة الإرهاق وعدم القدرة على التنفس، ظل زمنا يلهث، تتزاحم أنفاسه المتلاحقة، بدء فاقد الإحساس في أطرافه، والنجوم تتراقص أمام ناظريه و ضربات قلبه كأنها طبل قبيلة افريقية تستنفر أبنائها لصد عدو يهاجم مضاربها، ثم بدأ يشعر بالهدوء قليلا ويدرك أين هو فقد قطع حي الزوية بالكامل، وهو ألان بالشريعة.

أخذ بحذر يتأمل المكان اكتشف أثار سيارة حديثة قد دخلت للمكان ثم التفت ورجعت من حيث أتت، أدرك أنهم قد بحثوا عنهم في هذا المكان إذا هذا مكان آمن فهم لن يعودوا إليه، وهذا ما كان ظل هناك حتى نهاية اليوم دخل إلى الجامع العتيق تأمل في قبور السلاطين الأتراك، تم دخل إلى داخل المسجد تأمل أقوسه، صعد إلى المئذنة ثم نحو القلعة؛ قلعة مرزق، مئات الأسئلة؛ من بناها؟ من كان يسكنها؟ هذا ما جعله يبحث، ليعرف فيما بعد إن هذه القلعة قد والتي تقع جنوب غرب مرزق وهي مقر السلطان محاطة بسور لحمايتها، يضم في داخله المسجد العتيق، بنيت القلعة في بداية القرن الخامس عشر الميلادي على تلة وقد بناها “أمحمد الفاسي” أحد سلاطين دولة أولاد أمحمد، عندما اتخذوا مرزق عاصمة لدولتهم، والتي شملت كل منطقة فزان. تتميز القلعة بضخامتها وخاصة بمقاييس ذلك الزمان، وهي أهم ما تبقى من مباني تاريخية بمرزق كانت القلعة مكونة من ثلاثة طوابق من الطوب تعاقب عليها سلاطين دولة أولاد أمحمد حتى سيطرة العهد العثماني الذي اتخذ القلعة مقر للقائمقام العثماني، حتى عهد “حليم بك”، ثم اتخذها الطليان مقر لجيوشهم الغازية حتى اكتمل بناء معسكرهم. ولا تزال هذه القلعة شامخة شاهدة على عصر غبر وغدا جمعة إجازة ويوم السبت، لكل حادث حديث…

مقالات ذات علاقة

تلك المنّظومة في تساؤلها

البانوسي بن عثمان

كـذبـة

علي جمعة اسبيق

الكسوة البرتقالية

عزة المقهور

اترك تعليق