المقالة

هرطقات ليبي معزول (9): الشوارع والأرقام والاسماء

 

الكثير من دول العالم بل معظمها ان لم تكن كلها تعمل على تصنيف مدنها الكبيرة منها وحتى الصغيرة الى تسميتها بأسماء مشاهير الرجال في تاريخها او حتى حاضرها للتذكير بهم.. ومن لا تاريخ لها كأمريكا مثلا حيث تعمد الى ترقيم الشوارع والازقة والساحات بأرقام بدلا عن الأسماء وكذا بعض الدول التي تفضل نظام الأرقام. في ليبيا وفي طرابلس تحديدا عمدت البلدية من خلال بعض الإدارات بها الى اعتماد تسمية الشوارع الكبيرة والازقة الى أسماء ليبية والقليل منها عربي بغية تمييزها عن بعضها وتسهيلاً للخدمات البريدية وتحديد أماكن الخدمات بها ومعرفة عناوين البيوت وما اليها من الاماكن التي يحتاجها المواطن او الأجنبي المقيم مؤقتا او الزائر باي قصد كانت زيارته.

فتمر من أحد الشوارع في هذه المدينة لتجد اسما منقوشا على مربع حديدي ابيض صغير في زاوية الشارع من احدى بداياته يحمل اسماً لا تعرفه.. انه اسم اكيد سيكون لاحد الشهداء او أحد العلماء او أحد المدرسين او لأي ممن كان لهم دور إيجابي في التاريخ الليبي او العربي سواء القديم منه او المعاصر لهذا الوطن، وهذا صنيع من البلدية يحسب لها لأنه يذكر الأجيال بهؤلاء الأشخاص وما صنعوه او عملوه لصالح ليبيا.

ورغم اني لا اميل الى هذه الطريقة في تنظيم المدينة بريديا لعدة أسباب سأذكرها لاحقا الا انني اود ان انبه الى ان كتابة الأسماء هكذا مجردة لا يقدم شيئا من دواعي ذكرها لأنها أسماء نكرة غير معرفة، وكنت قد زرت العديد من الأقطار العربية والدول الأجنبية التي تعتمد نظام تسمية الشوارع بها بأسماء انهم لا يذكرون في لوحة الشارع اسم الشخص مجردا انما يلحقونه بمعلومة لا تزيد عن سطرين بخط اصغر قليلا من خط الاسم بان يذكرون تاريخ ميلاده تاريخ وفاته والمجال الذي عمل بها سواء كان مجاهدا او عالما او تربويا او طبيبا او سياسياً او أي من هذه التسميات، فيكون لوضع الاسم معرفاً وقع اكبر على اهل المسمى باسمه الشارع وزيادة تذكير بالأجيال القادمة ان هؤلاء لا يمكن نسيانهم لما قدموه من اعمال جليلة للوطن مهما كان نوعها. فاذا احتجت للبحث عن مكان ما كصيدلية …. مثلاً، او ورشة نجارة فلان، او منزل، او أي مرفق فإنك تسال اين يقع فيقال لك بالقرب المسجد الفلاني او السوق الفلاني (والقرب هنا قد تعني 1000 متر) من المكان الموصوف، وتظل نفكر في نفس الطريقة، أين يكون ذلك الشارع من مكان تواجدي الان، فلا خرائط بمخطط المدينة ولا اماكن استعلامات بالمدينة ولا حتى حمام عام تحتاجه لسبب لا يخفى على الكثيرين، وهو ليس مجال حديثنا في هذه الهرطقة.

قلت اني لا افضل تسمية الشوارع بأسماء انما اميل الى تسمية الساحات والميادين وجزر الدوران والباحات الكبيرة بأسماء اشخاص ممن كان لهم دور سياسي او ديني او ثقافي تعليمي وافضل تسمية الشوارع الرئيسية الكبيرة بأرقام تبدأ من وسط المدينة وتأخذ ناحيتين غربا مثلا بالأرقام الفردية وشرقا بالأرقام الزوجية او العكس، وعند تسمية الشوارع الفرعية يبدا الترقيم على أساس الأرقام الزوجية على اليمين والفردية على اليسار ومن ثم تتم تسمية المحلات والمنازل وما اليها من أبواب تفتح على ناصية ذلك الشارع، فيصير العنوان المطلوب مثلا منزل او محل رقم 32 المتفرع من شارع فرعي او زقاق او زنقة رقم 13 محل او منزل رقم 66 وهكذا، فيصبح من السهل الوصول الى العنوان متى ما تم التعرف على الشارع الرئيسي للبلد ولا يعد لأي باحث عن بيت او منزل او عيادة او صيدلية الا تتبع تسلسل الأرقام.

جل من يقرأ الان هذه الهرطقة قد زار ولو قطر عربي واحد او بلد أجنبي واحد ولاحظ الطريقة السهلة في عنونة أماكن المدن فيها سواء كانت عواصم او مدن كبيرة او حتى قرى نائية، وهذه الوسيلة بقدر سهولتها فهي تفيد في الكثير من الأمور منها اختصار زمن البحث الذي يكون معه اختصار في البنزين والتقليل من الازدحام وتحقيق الغاية من الزيارة للمكان. والله انني اعرف انني اهرطق في وقت ليس من المناسب حتى الحلم فيه.. لكني متيقن بان هذا اليوم الذي ستزهر فيه طرابلس (المدينة البيضاء) قادم لا محالة وعندها سيكون لهرطقاتي سبيل للبروز والظهر وهي مخرجة ألسنتها لمن كان سبباً في ضياع الوطن وتشرذم الإمكانيات التي سترفع من شأنه بين الأمم.

وتيقنوا ان ما يجري الان ستنتهي بذات السرعة التي بدأ بها.. الى ذلك الحين.. لكم مني التحية..

مقالات ذات علاقة

أموت وفي نفسي شيءٌ من البغلة

المشرف العام

وخز الكلمات

أمين مازن

هابيتوس العودة الفلسطيني

نورالدين خليفة النمر

اترك تعليق