قصة

هدرزة سقيفة

 إلى عمي يوسف الشريف…  

فتحت الصغيرة الباب، رأتها… فأطلقت ساقيها الضعيفتين للريح في ذاك الصيف القائظ، وهي تصيح… “اللاي..اللاي زولا اليهودية”، تمسك بتلاليب ردائها القطني المعطر برائحة الزهر المقطر يأتي به أقاربها إليها في قنينات زجاجية خضراء من مسقط رأسها في “الساحل” على أطراف المدينة.

“تخافي من اليهودية”! تنهرها برقة، وتنزع يديها الصغيرتين الممسكتين بردائها القطني تحرره منهما، وتبعدها برفق من أمامها، تنزلق قدماها البيضاويان المشوبتان بحمرة لامعة في خفيها…. تعدل من ردائها و تحرر جزأه الخلفي كأنه سفينة تطلق شراعها للريح… تنطلق على عجل لمقابلة “زولا”.

كانت “زولا” ما تزال تقف على عتبة الباب، بعينيها الواسعتين وحدقتيهما السوداوين كأنهما قاع بئر مخيف…..

ما إن دخلت زولا “السقيفة” الفسيحة ببلاطها الرخامي المزركشة مربعاته بالأبيض والأسود والرمادي، حتى رمت خفيها وتجردت من فراشيتها البيضاء الناصعة، كأنها تتخلص من قيد ثقيل. كانت ترتدي ثوبا يتهدل على جسدها الضخم إلى ما تحت الركبة بقليل، ولم تكن تحجبه “برداء” كما جرت عادة النساء في اللباس. كانت تغطي رأسها ب”تستمال” ملون ينتهي بشراريب، معقود في منتصف جبينها، على غير طراز أهل المدينة.

اختبأت الصغيرة خلف الباب وهي ترتعد لصوتها الجهوري يرد على ترحاب الجدة، وقد تهيأ لها أنه ينبعث من كل أركان السقيفة، واصطكت فرائصها وهي تسمع الجدة تصر على “زولا” بالدخول “للدار العربية” المجاورة حيث تختبيء خلف بابها، ترى من شقه، “زولا” وهي تفترش قطعة بيضاء من القماش على أحد كراسي الصالون المتناثرة في “السقيفة”، وصوتها يعلو “لا لا ياحجة… حتى هنا في السقيفة باهي”. أذعنت الجدة لموقف “زولا”، وجذبت كرسيا ووضعته أمامها، وما إن جلست عليه، حتى انطلقت الصغيرة كالسهم تسلقت ساقي الجدة، وتمرغت بوجهها في ردائها المعطر، وبيدين متشنجتين، أدارت الجدة جسد الصغيرة في مواجهة “زولا” وهي تهمس في أذنها “عيب المرا… ما يديروش هكي”. جلست الصغيرة على فخدي الجدة واستكانت في حضنها وهي تحتمي بثنيات ردائها، بينما جذبت الجدة طرف فستان الصغيرة نحو الأسفل، وطوقت بذراعيها جسدها النحيل.

كانت الصغيرة تخرج رأسها المدفون من حين لآخر كالقنفذ، وترفع عينيها بحذر إلى وجه “زولا”، تعتريها رعدة محببة كتلك التي تسري في أجساد الصغار أثناء ركوب الألعاب الخطرة في مدينة الملاهي، كلما صرخت “زولا” بكلماتها تقذف بها الواحدة تلو الأخرى، وهي تضرب الأرض بقدميها، أو كلما قهقهت عاليا وهي تضرب صدرها بيديها وتهز رأسها وتعود بجسدها إلى الخلف وتصرخ “ياوخيتي … ياوخيتي”.

كان وجه زولا مدورا ومنتفخا كقطعة الخبز الخارجة للتو من الفرن، عيناها مفتوحتين لا ترمشان كعيني البومة، وجفناها تحفهما رموش ملتصقة ببعضها البعض، ما إن تفغر فاها حتى تلتمع من جانبيه سنتان ذهبيتان كفنارين متوهجين في كنف الليل.

وكلما سخن الحديث وتشعب، تقطعه الجدة وتعرض على “زولا” الانتقال إلى “الدار العربية” المجاورة المحفوفة بالمنادير “الكاتفه” تستلقي عليها المخدات المنتفخة بدعة وهي تستند على الحائط أو تسترخي على سطحها، يتمدد على أحد جدرانها “دولاب مهني” عريض يغطيه يكاد يمس السقف، محشو بالشراشف والمخدات والبطاطين والفوط، تزدان جدرانها بلوحة “كانفا” لمنظر طبيعي، وآيات قرآنية ذات إطارات مذهبة، إلا أن “زولا” تصيح في كل مرة، وتردد “السقيفة برودة ياحجة.. خلينا هنا، أنا مش برانية”، ثم تردف “مستعجلة، جيت ندفع لك الكرا”.

كانت “زولا” ليس كغيرها من النساء، تجلس في السقيفة على كرسي، تضع عليه قماشتها، ترتدي الفراشية على قفطانها، تتحدث بلهجة أهل البلد مطعمة بلكنة غريبة، كلماتها ممطوطة تجر بعضها البعض كأنها عربات قطار منهكة، صوتها عال، ولا تتهدل من تحت غطاء رأسها أية ضفائر كما هو حال النساء، ترفض أن تأكل شيئا، ولا يعبيء جوفها إلا الماء.

لم تكن الصغيرة تعرف من أين أتت “زولا”، ولماذا تحمل اسما غريبا… وملامح قاسية كملامح صقر في بحث دام عن فريسة، ولماذا صوتها جهوري يبز أصوات الرجال، ولماذا لا تجلس على “المندار” وتصر على الاستراحة على كرسي في السقيفة؟

“خليي نهدرزو في السقيفة….أنا جيت ندفع الكرا”.

هكذا كانت تقول وهي تضع يدها على حجر الجدة تكاد تلامس ساقي الصغيرة، وتقرب رأسها منها كأنها عنق سلحفاة، فترتعد الصغيرة وتشعر بخوف مشوب بلذة كتلك التي تسري في جسدها وهي تتلمس خطواتها في ظلام “دار الغولة”، وتكمش رداء جدتها تبحث بوجهها عن مخبأ في صدرها الواسع.

فجأة، وبعد أن تمد أوراقا نقدية مهترئة إلى الجدة، تخبط زولا بكفيها على فخديها، وتتحسر على أيام زوجها “العربي” الذي رحل وتركها وحيدة في ذلك البيت المملوك للجدة المطل على الجادة الرئيسية في محلة “الظهرة”، تردد بحرقة وهي تنوس برأسها “راح عزي ودلالي يالحجة”، وتتساقط دموعها كأنها حبات مطر شحيح في يوم قائظ.

هكذا تنهي “زولا” زيارتها، تنهض من على الكرسي، تمسح دموعها بقطعة القماش التي كانت تضعها على الكرسي، تلملم فراشيتها بفوضى وتلف بها جسدها كيفما كان، تتوقف أكثر من مرة في السقيفة، تنسج حديثا مع الجدة، حتى تصل إلى الباب، تتوقف للسلام والعناق، ثم تبدأ حديثا آخر عند عتبة الباب بينما تختبيء الجدة وراءه، وتقف الصغيرة أمامه، أو تفلت من بين فراشية “زولا” إلى الخارج كالقطة. تنهي “زولا” الحديث بالقول وهي تقهقه ” هدرزة السقيفة ما تكملش ياحجة”.

انقطعت زيارات “زولا” وانقطع الكراء عن الجدة التي علمت لاحقا بمرضها الذي أقعدها الفراش، وبقصر يدها، وبأنها تعيش على معونات الجيران، لم تزرها الجدة خشية إحراجها، واكتفت بتتبع أخبارها التي تهب عليها من حين لآخر كريح “القبلي” المحملة بالغبار “وتضيّق الخاطر” … هكذا كانت تقول.ِ

وفي يوم…. رن جرس الباب… انطلقت الصغيرة تسابق الريح لفتحه، كشفت امرأة تتلحف بالفراشية وهي تشرع نافذتها للصغيرة عن وجهها، تبسمت، وقالت “قولي لحناك…. زولا”، تخشبت أطراف الصغيرة، ولم تصدق عينيها أن تكون هذه المرأة التي تشبه كل النساء “زولا”!

تراجعت قدما الصغيرة بعد أن تحررتا من نوبة الخوف، وهي تنظر إلى المرأة بعينين ملؤهما الشك…. وعادت مسرعة نحو “الدار العربية” وهي تصرخ بتردد “اللاي …اللاي…. زولا”.

“زولا ؟ شن جابها…”

خرجت الجدة مسرعة، دون أن تعدل من لحاف ردائها خلفها، حافية إلى السقيفة، لتفاجأ بإمرأة أخرى.. قطبت ما بين حاجبيها، ثم فغرت فاهها تنتظر الخبر….

مدت المرأة كفها وهي تقول “سلامة راسكم في زولا”.

ضربت الجدة على رأسها، وصاحت” وووك على زولا… الله يرحمها حتى كان يهودية”.

دخلت المرأة إلى “الدار العربية”… وجلست إلى جوارها الجدة، وحكت لها كيف ماتت “زولا” وحيدة غريبة… في بيت الجدة المطل….. كيف اكتشف الجيران ميتتها بعد أن “طلعت صنتها” من تحت حافة الباب… وصفت لها كيف أن الرائحة تسللت رويدا رويدا حتى غلفت المساكن المجاورة.

كانت قد أوصتهم قبل أن تموت، أن يسلموا المفتاح “للحجة” التي تقطن زاوية الدهماني… سألوا وسألوا حتى عرفوا مكان سكناها، وجاءت الجارة بالمفتاح إليها… ” كتر خيرك وكتر خيرها… يسامحها المولى إن شاء الله…”.

التحفت المرأة بفراشيتها وهي تقول “باهي بالسلامة” ، تصاحبها الجدة في خطواتها نحو السقيفة، التي توقفتا فيها أكثر من مرة تكرران الحديث عن “زولا” ومرضها وموتها، عن غربتها وفقرها، عن طباعها “سامحها الله”. “بالسلامة عاد” تردد المرأة أكثر من مرة، عبارة تفصل بها الحديث… وتضيف، ” هدرزة السقيفة ما تكملش”. تنهدت الجدة وقالت بنبرة حزن  ” كلام زولا… هدرزة السقيفة ما تكملش”.

سنغافورة-17. 7. 2010

مقالات ذات علاقة

الـعَـرُوْس

عبدالرحمن جماعة

العالم ينتهي في طرابلس

عائشة إبراهيم

كريمة

عزة المقهور

اترك تعليق