طيوب البراح

نَخْلَةَ مِنْ نَخِيّل السَانية

إهداء الى ..   أمي التي قد نَضُبتْ على تنشئتي فربتني “عمتي”..

عبدالسلام بن إبراهيم

من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه
من أعمال التشكيلي محمد العارف عبيه

و حِينمَا احتفتَ النخلةَ بعيد غرس نواتها الخامس والعشرين، فلم تكُن لتعلم أنها النخلة الوحيدة فيما بين كامل أشجار نخيل سانية1 الشيباني2 زرّوق، و اللّائي قد حالفهنَّ الحظ بالغرس الميمون بسَانية الشيباني زرّوق ذات المياه العذبة و التربة الجيدة للإنبات.

فلقد بلغتْ تلك النخلة الآن ربع قرن من الزمان، ففرحتْ بهذا كله وبدأتْ بإظهار سعادتها بما يوافق ماهيتها الآن، يا لا السعادة! وذلك بأن تعمد إلى إسقاط تمورها الناضجة من عراجينها3 أرضاً، دون أن تُصيب أحدٍ من المارة سهواً وبدون قصد على البهائم والماشية التي ترعى بالسانية بلا راعي لهُنَّ، فلقد اعتادتْ على ذلك بسبب الهدوء الذي يعم أرجاء السانية.

فعندما سمع الشيباني زرّوق بهذه الأصوات التي بالخارج لوقيع التمر من النخلة وكأنها أصوات لتساقط الثلوج فوق الأرض، فلم يميز ما خُطب تلك الأصوات، عدا أنه سرعان ما أن نهض مُتغابطً4 وأرتدى جردهُ الأبيض، و حمل على بيده اليمنى سلاحه البسيط وهو زنبيل5 من السعف6 لذات جريد أشجار النخل التي قد زرعها بالسانية، فخرج من عند بيته بعدما أن سقى جسده برشفتين من قدح الماء لكيلا يضربه الصقيع الحاد بالخارج، فلقد كان فصل للشتاء القارص وظهر يدنوا وأذ به ينظر مُحجًّ7 ويبحثُ في سانيتهِ هنا و هناكَ عن مكان حدوث ذلك الصوت الذي سمعه.

حتى رأى ذلك المنظر العظيم والذي أرادهُ أن يتحقق له في طيلة حياته السابقة، فمنذ أن قام بزرعه لأشجار النخل بسانيتهِ وأذ به لم يجني منهن أية ثمار ما حتى الآن. وأذا أنه فرح فرحً شديداً من هذا كله. فأستبشر خير وسرورً. وشعر بأنه في حلم ما ولم يتمالك نفسه فيما سيفعله للحظته للتو.

فأقترب من النخلة، وضع زنبيله أسفلها لتمتلئ بالتمر. سجد سجدة شكر لله تعالى، وعاهد نفسه بأن يهب ثُلث ثمر هذه النخلة لكافة الناس، وبأن يتصدق جودً أكثر مما كان يتصدق منذ قبل ويكرم، فكافة البهائم التي بالسانية قد شبعت وامتلأت بطونها.

واستمرت تلك النخلة بمواصلة عملها الدؤوّب طيلة أيام فصل الشتاء بسانية الشيباني زرّوق.

فأحسنتِ أيا نخلة السانية الكريمة.

_______________________

هوامش:

1- سانية: مزرعة.
2- الشيباني: العجوز.
3- عراجينها: عرجون التمر.
4- مُتغابطً: مستعجلاً.
5- زنبيل: سلة.
6- السعف: جريد النخل.
7- مُحجًّ: ناظرً.

مقالات ذات علاقة

رسائل من – إلى

صفاء يونس

آخر حكاية من حكايات شارعنا

المشرف العام

لا تردني خائب

المشرف العام

اترك تعليق