المقالة

نيران الكهنة

لم يصدف “الشهرستاني” في القرن الثاني عشر ميلادي عن تناول “الزرادشتيَّة” في كتابه الشهير “الملل والنحل” شأنه شأن سائر المثقفين الكلاسيكيين العرب في الأزمنة الماضية

لكنه بالرغم من جميع الإشارات – التي تبدو أكثر وضوحاً عند قياسها بما ورد في نتاج أسلافه – لم يخرج بدوره عن الدائرة المعتمة التي ظل “زرادشت” محصوراً في نطاقها..
وحتى لو كان النَّص الأصلي لكتاب زرادشت “الأوسْتا” متاحاً لما ابتعد “الشهرستاني” كثيراً عن نتيجة أنداده من كبار المؤلفين العرب الذين عاشوا أجواء عصرٍ مديدٍ مشترك، وهم علماء ومؤرخون ومفكرون تباينت توجهاتهم كالخوارزمي الذي تطرق إلى المجوسية في كتاب “مفاتيح العلوم” وإبن النديم من القرن العاشر ميلادي في كتابه القيم “الفهرست” والمسعودي في كتابه النفيس “مُروج الذهب” وكتابه الآخر “التنبيه والإشراف” واليعقوبي في كتاب “البدء والتأريخ” وغيرهم من جهابذة التأليف.

كان بعض المؤلفين يَخْتَطُ نهجاً يتقصى الشعائر دون شذرات النص الأصلي غير الموجود آنذاك فينهمك في إيراد بيانات وإصدار نعوت وأحكام تفتقر إلى الإحاطة كقاعدة ضرورية. وعلاوة على ما سبق فإن المؤلف القديم إذا واجه معتقداً بالياً أو ديانة بدائية أو مواضعات كهنوتيَّة نراه يسلك مسلك الدعاة فيعمد إلى الوعظ ليبين فساد ما يَكْتُبُ عنه مستعملاً معايير إسلاميَّة جاءت بعد مواد بحثه بآلاف السنين، وذلك أكثر من اهتمامه بتوضيح المعتقد الرَّث واستقصاء عوامل نشوئه والظروف التي أثَّرت في تكونه وصيرورته.

ويمكن القول بأن هناك ثلاثة أسباب وراء ذلك أولها سوء صيت الديانة المجوسيَّة بتلك المجالات بواقع أن المعارف الدقيقة في الآثار والأساطير والفولكلور أو “الإنثروبولوجيا” عموماً كانت غير متوفرة وغير متبلورة في كيانات علمية أثناء القرون الوسطى قبل سطوع عصر النهضة، وثالثها غياب كتاب “الأوستا” التَّام عن أفق اللغة العربية واللغة السريانيَّة التي اعتمدت عليها اللغة العربية في جزء من الميراث اليوناني مثلاً حتى أمسى الظلام من كل النواحي محيطاً بـ “الأوستا” كنصٍ فارسيٍ وفق ترجيح العلماء المختصين، إلا أن ذلك – حتى لو كان متحققاً – لم يكن كافياً للاستعاضة.

فمنذ ثلاثة آلاف سنة مضت ظهر “زرادشت” في إقليم فارس على الهضبة الإيرانية، وقيل أن أصوله الأبعد تعود إلى سلالات “هندو- آريَّة” كنظيره الحكيم “غوتاما – بوذا” دون أن يكون “زرادشت” من قبيلة “سكياس” التي كان “بوذا” أميرها.

وقد جاب “زرادشت” أصقاع الأرض فسافر للتزود بالثقافات والخبرات إلى بلدان الشرق الأقصى وحط رحاله في قرية هنديَّة قرب مدينة “بومباي” المعاصرة.

أما كتاب “الأوستا” الأصلي فمخطوط ضخم دَوَّنَهُ الحكيم “زرادشت” باللغة الفهلويّة القديمة – إحدى اللغات الإيرانية – على 1200 ورقة من الجلد كونت ستة آلاف صفحة في عشرين جزءاً.

وقد استحال هذا النص الفلسفي ذو المخيلة الفانتازيَّة الأخاذة مثلما استحالت أفكار “الحكيم بوذا” و”كونفوشيوس” و”لاوتسي” بضغط تقاليد ونزعات العقل الاجتماعي للأمم القديمة إلى شعائر خرافيَّة يرعاها كهنةٌ وتشادُ لأجلها المعابد.. كان لاهوت المجوس مرتبطاً بالطقوس في المحل الأول إلى درجة أن تلك الطقوس أعادت صياغة مُجمل دلالات “زرادشت” فأبعدته إلى أقصى حدٍ عن أصوله النصية.

ونتج عن ذلك ضباب كثيف أمام تبصر الأسس الفكريَّة لزرادشت وللمعتقد الشعائري المجوسي غير المماثل لمرجعيته النصية، فلم تشتمل “الأوستا” على أبنية فكريَّة ثنائيَّة شبيهة بمعتقدات بابل و”آمونرا” الفرعونية وإن كان كهان المجوس قد ارتكسوا إلى ذلك النبع العتيق في تاريخ المعرفة الإنسانيَّة حيث بقايا الكوزمولوجيا البدائيَّة.

وقد جاءت “الأوستا” خالية من أي إشارة إلى النار كعنصر مقدسٍ أو غير مقدس، بيد أن الهرابذة – وهم سدنة النَّيران – شكلوا بمرور الوقت – مرتبة كهنوتيَّة وظيفتها إشعال النيران وتقديسها دون تفريق أو إدراك لعنصري الجديلة وبالتالي إلى حلها لاهوتياً، والجديلة هي ضفيرة النار والنور، فبلا لهب كان متعذراً أن تجد تكنولوجيا العصور القديمة وسيلة أخرى لاستحداث النور. وقد زخرت “الأوستا” بتمجيد النور فقط، وهو ما اعتبرته أعظم عناصر الوجود الكوني.

لكن “الهرابذة” آثروا الاكتفاء بإضرام حرائق صغيرة ذات مغزى خرافي حيث ساد الإدغام الموقف بكامله ثم لم يتقدموا بعدئذٍ خطوة واحدة – عبر مئات السنيين – صوب نصوص معلمهم الحكيم والمفكر “زرادشت” الذي لم يدع النبوة قط.

________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

مقالات ذات علاقة

مواقع الحروف

عبدالرحمن جماعة

ربيعُهن قادم

فاطمة غندور

المثقف لا يجيب أحدا

سالم العوكلي

اترك تعليق