من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
قصة

نوار العشية

عبدالعزيز الزني

الإهداء…

إلى طفلة صغيرة، حين عرفتها كانت تبلغ من العمر، سبعة أعوام في حين كانت سني عمري، قد بلغت ربع قرن، الآن تجاوزتُ الستين، اسم الصغيرة كان حينذاك لافتا “رشا”.. التسمية أحسب أنها تأثرا بتلك الموجة من الأشرطة التي رافقت ظهور “التلفاز”…
رشا عُرفت، واشتهرت، بين أقرانها وصويحباتها وكل من عرفها بغرامها الشديد بنوار العشية، حتى صاروا ينادونها بـ “نواره”، ونسوا رشا، الاسم المثبت في الأوراق الرسمية، هي لم تغضب لهذا بل كانت سعيدة…
القصة التي هي الآن بين يديك من وحي ما ذكرت. أنا الآن لا أعلم عن رشا أو نوارة شيئا البتة، مع هذا أقول.. من يدري، ربما، تقع بين يديها هذه القصة، حينها ستدرك، أنها هي دون غيرها بطلتها، حتى وإن حملت اسماً غير اسمها، أكرر، ربما…

القصة…

من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.
من أعمال التشكيلي الليبي عمران بشنة.

لم تصدق “زينب” ما حدث معها، كانت حيرتها هي الطفلة ابنة السبعة أعوام أكبر من أن تحتملها، فمذ اقتحم منامها ذاك الحلم، ما عادت تستلذ نوماً، ولا تنعم بدفء فراش، أو تأنس نعومة وسادة، وما كان في يدها هي الصغيرة ما تفعله، غير أنها استطاعت في النهاية شيئاً، لكن دعوني أروي لكم الحكاية من البداية، وسأعمل على ألا أخذ من وقتكم الكثير، فالوقت وكما نعلم أغلى ما يملك المرء…
مذ وعت “زينب” الدنيا من حولها، انتبهت لنبتة صغيرة، كانت تنمو بكثرة حول بيتهم الصغير، تميزت بشدة اخضرار أوراقها، وسيقانها، وجمال زهرتها، عَرفت لاحقا أنها، “نوار العشية”. فكانت وبعد أن تلبي طلبات أمها، وتقوم بواجباتها، تجلس إلى جانبها، تتأملها، تطيل النظر إليها، تلامس أوراقها وأغصانها، كانت تفعل كل هذا وابتسامة الدهشة لا تفارقها، هكذا ومع الوقت أُخذتْ بسحر حمرة زهرتها، ونعومة ملمسها، ودقة تكوينها، فكان أن وقعت في غرامها، فأصبحت تلازمها، ولا تطيق فراقها، وكانت تحس حرقة الشوق إذا ما نأت عنها، فتطير شوقاً عائدة إليها…
ثم حدث بعد ذلك أن انتبهت الصغيرة، إلى أن بيوت الجيران، بل بيوت الحي كلها، كان ينمو حولها وبكثرة شجيرات “نوار العشية”، وبعد أن ذهبت فيما بعد إلى المدرسة، عرفت أن هذه الشجيرة الصغيرة، تنمو وتنتشر حول جل بيوت مدينتهم الصغيرة، وعلى جنبات أزقتها وشوارعها، وأنها النبتة الأكثر انتشارا ونموا ووجودا في مدينة، منذ أمد غير قريب، مما جعل أهلها، يألفون مرآها، ووجودها الدائم معهم، فكانت بالنسبة لهم كأي شيء يتم التعود عليه، وألفت مرآه، لذا ما كانت بهم حاجة للوقوف عندها والالتفات إليها، خاصة وأن مدينتهم ما اشتهرت وعُرفت بشيء، مثلما عُرفت، بوفرة زهورها وورودها على مختلف أنواعها…
غير أن الأمر مع “زينب”، من حازت حساً مرهفاً، اختلف تماما، فكانت علاقتها بهذه الشجيرة، وأزهارها توحي بأنها عَرفت عنها ما لم يعرفه غيرها…
وكما هو الحال ومذ خُلقت الدنيا، تمر الأيام و تتعاقب، ومع مرورها، يأتي ما نتوقع وما لا نتوقع، ما نحب وما لا نحب. بالنسبة لزينب، صاحبة الأعوام السبعة أو الثمانية، ازداد ولعوها واهتمامها، بزهرة “نوارالعشية” واستمر هذا الولع والاهتمام، فصارت تعرف عنها الكثير، فمثلا هي تعرف أن هذه الزهرة الناعمة، وفي فصل الربيع، وفي وقت محدد من عشية كل يوم تتفتح، بشكل يمازجه الخجل، فتؤلف مع أغصان وأوراق تلكم الشجيرة الصغيرة، وما تجذبه من فراشِ يطوف حولها بأجنحة، ازدانت بألوان أسرة، مشهداً ساحراً، يشكل في النهاية، مع مثيلاتها من شجيرات نوار العشية، المنتشر في أرجاء المدينة الصغيرة، لوحةً ربانية قل مثيلها، تبهج الرائي بحسن بهائها وروعة تكوينها، ثم ومع اختفاء الشمس ورحيلها، كانت تلك الزهرة الخجولة تعود إلى اغماضتها وسكونها، في انتظار موعد الغد…
ولاشتداد حبها لهذه الزهرة الفاتنة، صارت وهي المجيدة لفن الرسم ترسمها، بإتقان عجيب، على صفحات كراسة الرسم خاصتها، فكان أن نالت هذه اللوحات استحسان وإعجاب كل من شاهدها، من معلميها وصديقاتها وأبويها وأشقائها، وتكريما لها أخذت تلك اللوحات مكاناً بارزاً، على جدران الصف ولوحات المتفوقين في المدرسة وعدد من بيوت صويحباتها ورفيقاتها، وكان عملها هذا وما أبدته من اجتهاد، سبباً في لفت انتبه الكثيرين، نحو هذه الشجيرة وأزهارها، فدخلت في دائرة اهتمامهم…
وهكذا ومع الأيام بدأ اسم الصغيرة “زينب” يتراجع مفسحا المجال، أمام الاسم الجديد “نوارة” الذي صنعته هي الصغيرة لنفسها، واشتهرت به، فكانت غبطتها لهذا لا تحد…
وإذ هي تعيش هذه الأجواء و تنعم بها، حدث أن رأت في منامها حلماً غريباً ومخيفاً، أقلقها وأفسد عليها لحظات فرحها وابتهاجها، إذ رأت أن النيران قد اشتعلت في شجيرات نوار العشية، التي كانت تنمو حول بيتهم، ثم وفي سرعة عجيبة، امتدت إلى هذه النبتة في جميع أرجاء مدينتهم الصغيرة، وأخذت تلتهما كوحش غير مقدور عليه، وتحيلها إلى رما د، تذروه الرياح، يؤذي أهل المدينة، ويعيق رؤيتهم، ويفسد حياتهم، وأنها كانت هي وحدها، وبمفردها من كان يتصدى للنيران، وتحاول إطفاءها لكن لا جدوى، وما زاد من أوجاعها استمر الحُلم وبكل شراسةٍ وكل ليلة، ما أن تضع رأسها على الو سادة، وتغمض عينيها، يقتحم منامها، وعندما كانت تستيقظ، تجد نفسها قد تملكها الخوف وأنهكها الإعياء واشتدّ اضطرابها…
هكذا ومع تكرار الحلم، ما عادت تحتمل هي الصغيرة، قسوة ما يجري معها، فلجأت إلى أمها، وأخبرتها بشأن ذاك الحلم، فما كان من الأم، إلا أن ضمتها إلى صدرها، وأخذت تمسح على رأسها، وتمسدُ كتفيها، سائلتا إياها دون أن تكف عن ملاطفتها ومحاولة تهدءتها: “وهل حدث هذا يا ابنتي؟ ها هو كل شيء وكما ترين أمامك على حاله، شجيراتك الجميلة حول بيتنا، ولأنك لا تكفين عن رعايتها والاهتمام بها، تبدوا في أحسن حالاتها، تفرح الناظر إليها وتبهجه، والحال ذاته مع كل شجيرات نوار العشية، وأينما كانت”.. وزادت الأم من احتضانها، وهي تطلب منها ألا تعود إلى التفكير في هذا الأمر ثانية، غير أن الصغيرة وهي تتطلع إلى عيني أمها سألت في خوف وبراءة: ماذا لو تحقق يا أمي هذا الذي أراه في المنام؟.. حينها لم تملك الأم، سوى أن تبتسم لصغيرتها، وتعود تربت على رأسها، وتطلب منها، أن تستعيذ كل مساء، وقبل أن تذهب إلى فراشها من الشيطان الرجيم، وطبعت قبلة على خدها، وافلتتها من بين ذراعيها، وانطلقت إلى شؤون البيت.
بقيت زينب في وقفتها تلك، تعاني حيرة واضطراباً، لا تدري ماذا عليها أن تفعل، هي لا تملك وكما الآخرين إلا أن تنام، ولا يمكنها أن تقاوم النوم، أو تمتنع عنه، لتنجو من تبعاته، استغربت كثيراً لهذا الخاطر، ثم ضمت ذراعيها إلى صدرها، وأخذت ترنو إلى لاشيء…
تلك الليلة وقد جفاها النوم، والكل من حولها نيام، أخذت تفكر وبكل جدٍّ في أمرها، في النهاية رأت أن تستشير معلم مادة التربية البدنية إبراهيم، والمعلمة فاطمة مدرسة مادة الموسيقى، وأسماء معلمة مادة التربية الفنية، فهي تعرف مدى إعجاب الثلاثة بها، وتفهمهم لنشطها وميولها، أيضاً رأت أن تستعين بزميلتها سندس، فهي أقرب زميلاتها إليها، وأكثرهن ايجابية ولطفاً معها…
اطمأنت لما توصلت إليه، رأت فيه خطوة نحو الصواب، حينها أحست وفي الحال راحةً و انشراحاً، تمددت على فراشها، تنفست بعمق، أسلمت رأسها للوسادة، أسبلت جفنيها، منتظرةً نوماً هادئا، أيضاً منتظرةً الغد لتشرع في تنفيذ ما اقتنعت به.

مقالات ذات علاقة

اشترك في رسمها شخصان

الغـرفة الحمـراء

نورا إبراهيم

لوحة

فتحي نصيب

اترك تعليق