المقالة

نقطة عمياء.. علم مرح بين التأليه والإلحاد

أنا الآن فى «رفراف»1. لطالما أعجبتنى أسطورة ذلك الطائر الذى ينقضّ على ظلّه فى الماء ليخطفه2. الصيادون يجرّون قواربهم بعد مكابدة طويلة لم يفقدوا فيها ذُخرهم من الصبر والرجاء. بزغ الفجر ورأيت خيمة الظلام تنزاح أمام أعمدة النور. يرتفع الأذان، الصيادون يعالجون شباكهم، بعضهم سوف يذهب للصلاة، بعضهم سوف يحمل حصاد السردين والبورى إلى السوق.

أغلقت كتاباً مقدّساً كنت أقرأه. أعتقد أن الكتب المقدسة يجب أن تُقرأ فى اعتقادى على شاطئ البحر، أو ربما فى الصحراء. أترك صوتاً إلهياً يلعن الحمقى الذين لا يسمعون وتحنو منى نظرة سادرة موغلة فى عمق لا شيء. البحر من أمامكم.3

البارحة حلمت بالسايكلوب، لم يكن حلماً يروى، كان خاطفاً، واليوم وجدت نفسى أنظر إلى البحر بشيء من الرّيبة، وصرت أفكر: ماذا لو كنت بعين واحدة؟ لا أعنى أن أكون أعور، بل أننى كإنسان وُجدت هكذا، بعين واحدة! فكّرت أن ذلك أنسب للإنسان الذى يجب أن يرى فى اتجاه واحد، لعل الإله قد أخطأ إذ جعلنا بعينين. ماذا عن الحيوانات؟ ليست أمةّ يرجى منها الدفاع عن صوت الإله فى الأرض، لما هى بعينين غالباً، مثل الإنسان؟ تذكرت صادق4 Zadig. ضحكت، فى الواقع تحفزّت. تذكرت أسماء أخرى. ذهب الصيادون، أنا الآن وحيد دون أصدقاء، بينما يعلو الموج وتصفّر الريح. هنا لن أتحدث هنا عن يهوه Yahweh أو الرب Lord أو الله Allah.. إلخ. ماذا عن «فكرة-في-حد-ذاتها»، أن أضع الجميع فى سلة واحدة، وأن أنسى – لوهلة – أنهم يختلفون؟ ماذا يعنى أصلاً أنهم مختلفون؟ لا شيء، تلك هى السمة الرئيسية للكهنوت وحق احتكار المعرفة الغامضة، وهى أيضاً سمة رئيسية للمتدينين من غير رجال الدين. وفى كل الأحوال فإن رفضى للتديّن ينطبق على جميع الديانات، مع تركيزى أحياناً على الديانة الأقرب وهى الإسلام، فأنا عشت خمسين سنة كمسلم اعتيادي، قبل أن أبدأ ممارسة ما يحلو تسميته بـ«التجريد»، أعنى تجريد المعتقد مما لحق به من زخارف ركوكيّة ونقوش أرابيسك على مرّ العصور.

لقد عالجت بعض القضايا المتصلة بالدين فى «بيان ضد الكهنوت الإسلامي» (2016)5 ، ولكن تلك كانت مناقشة أحاديّةً محدَّدة الهدف تسعى إلى أنسنة الحاجة إلى الإيمان بالدين، أعنى كحاجتنا إلى الشعر والرجاء وسرد الأساطير، وتتساءل عما إذا كان بالإمكان تخليص الإيمان من شبكة العنكبوت الذى حُشر فيها. هنا لن أقصر حديثى عن ديانة واحدة وأركّز دائماً على معطاة رئيسة تتلخّص فى أن الديانات «الإبراهيمية» الثلاث (اليهودية، المسيحية، والإسلام) تتشابه وتتكامل بغض النظر عن صراعها، إذ طالما أن منشأها واحد منذ أن اضطلع إبراهيم بمهمة تعريف البشر على خليله المعبود، فإن ما يقع بينها هو مجرّد صراع بين أخوة أعداء. وإلى هذه الآصرة النّسابيّة الأبويّة أضيف فى هذا الكتاب ديانات أخرى أعتبرها مشابهة أيضاً للعائلة الإبراهيمية المقدسة، وإن اختلفت – بهذا القدر أو ذاك – فى آليات الهيمنة وعدد الأتباع وتصورات الجزاء والعقاب. فى الحقيقة أى دين آخر فى العالم يشبهها مع أخذنا بعين الاعتبار أصالة خصوصياته.

أليس صوت الأبولوجيا الإلهية واحد بالرغم من تنويعاته، علينا أن نقول أيضاً أن صوت الإلحاد واحد فى تنويعاته هو الآخر. إن أصواتهم تتشابه، ودفاعهم متشابه. الجدل والحجاج الذى صنع تاريخاً بينهم لا يكاد يختلف. إنه تاريخهم المشترك. أسئلتهم لا تكاد تختلف:
– تزعمون وجود إله! اثبتوا هذا. نحن على يقين.
– ترفضون وجود إله! انفوا ذلك. نحن على يقين.
حلّل هذا، حلّل ذاك6. ثمة شيء من المرح هنا. التحليل يؤدى إلى المزيد من الفوضى ما لم نجد موقعاً مناسباً. سأبحث، وأعرف أننى سأعود لُغوياً بين ثنايا البحث وفى خاتمته.
عندما تدور وحدة الأنا Solipsism على محور الإله، يتحول الإيمان إلى كيفيات محسوسة Qualia، يخرج الإيمان من ممكنات التفكير إلى أرشيف الشواهد الحيّة. مع الممكنات تكون الاختيارات محدودة، ومع الشواهد نحيل الواقع إلى «العالم بوصفه إرادةً وتمثّلاً»7، مَن يقنع أحداً مصاباً بذلك أن الأمر ليس كما يعتقد؟ لن أنخرط فى التحليل النفسى الممسوس فلسفياً، لكننى فى حاجة إلى الحديث عن المؤلِّهين والملحدين، على السواء، كما هم، ربما ليس بكلماتهم، ولكن بلغتى التى تميل إلى أن تأخذ شكلها بينما تتكوّن هنا. إنهم جاهزون ويتسلّحون بعتادٍ قوى من النظريات والأفكار، وهم أيضاً يجاهرون بالعداء على نحو متأصل وحقود.

ما زالت فكرة وجود الإله فى حاجة إلى إثبات، ونفيها كذلك. وجود الإنسان بالمقابل لا يحتاج إلى ذلك، ولكن فكرةَ إنسانويةِ الأديان يعوزها الإثبات كذلك.
كثير من الأسئلة العالقة بين طرفى هذا الجدل الخلافى هى مجرّد ألعاب منطقية. إنها ببساطة: لا معنى لها. ربما فقط إضفاء بعض المرح على هذا الموضوع اللانهائي، ولا يبدو أن الجدل بين المؤلهين والملحدين سينتهى قريباً. لقد بدأ منذ ظهور الدعوات الدينية الأولى مع استقرار المجتمعات الإنسانية على ضفاف الأنهار المداريّة وبدء الحضارة، والمؤلّهون – سواء آمنوا بإله واحد أو آلهة شتى – لديهم حجج كثيرة. الملحدون بدورهم لديهم حجج مضادّة. إنه جدل لا يعوزه المنطق، وهو يستفيد من حقول علمية وفلسفية كثيرة، ويسعى إلى توظيفها بشكل انتقائي. جدل الطرفين معادلة تطبيقية لنظرية اللعب. ولكن ألا نقف على جانب آخر من هذا الجدل! سأعيد التذكير بحركة منهجية استخدمها سارتر فى مقدة «الوجود والعدم» وهى تنسحب على تعاملاته الدؤوب: «جلد سطحى يحجب عن الأنظار الطبيعة الحقيقية للشيء. وهذه الطبيعة الحقيقية، بدورها، إذا كان ينبغى أن تكون الحقيقة المستترة لشيء، التى يمكن حرزها أو افتراضها دون بلوغها أبداً لأنها «باطنة» فى الشيء موضوع النظر، نقول إن هذه الحقيقة المستترة لا توجد هى الأخرى»8. سوف نقتدى به، ليس لتقديم رؤية متماسكة للعالم، ومتّسقةٌ، نستطيع الدفاع عنها بشرف وشجاعة، تلك «الشجاعة من أجل الوجود9»، دون أى التزام أيديولوجي، ولكن لكى نرى. لكى نستطيع أن نرى. أنا العربي، الشمال إفريقي، أجد نفسى فى الخضم، ليس لأننى أختار، بل لأننى وُجدت هنا وهكذا.

الملحدون ينفون السمة العقلانية لإثبات وجود الإله، ويحيلونه إلى النزعة الإيمانية. المؤلّهون يؤكّدون النزعة الإيمانية، ولكنهم يؤسسونها – يقولون – على شروط عقلانية. جدل طريف بالرغم من شراسته.
الآلهة عبر التاريخ الإنسانى لم تقف وحدها، فعلى هذا الجانب العلوى نجد: شياطين وجنيّات وغيلان وعفاريت وأفاتار وأنصاف آلهة وكائنات علويّة أخرى.
الأنبياء استمرّ دورهم بالنسبة للأديان الكبرى (اليهودية والمسيحية والإسلام) حتى منتصف القرن الخامس الميلادي، ولكن خارج فضاء الشرق الأدنى استمر وجودهم فى إفريقيا مثلاً حتى القرن العشرين. الأمر يختلف بحسب التعريف الذى نعطيه لكلمة نبي، وبحسب قابلية الاعتراف بدوره فى مجتمع ما.

فولتير
المقدَّسون يواصلون وجودهم أيضاً، هناك أولياء وقدّيسون ومباركون، وهم خطّ دفاع حقيقى يستعين به المؤلهون، هؤلاء لهم حضورهم الفاعل، ولكن لابد للجدل من حيثيّات منطقيّة مقنعة.
فى المقابل، توطين الآلهة، أنسنتها وحصرها ضمن حدود الطبيعة، باللجوء إلى أرشيف الميثولوجيا، وفّر للملحدين دعماً قوياً يؤسسون عليه حجاجهم، ومنحهم بقوة المقارنة سلطة تفعيل الفكرة الأساسية فى جدلهم وهى تقديم إجابة واضحة عن كيفيّة خلق الإله عبر التاريخ ومراحل تطوّره بتطوّر الحاضنة البشرية. ولكن – مرةً أخرى – لابد للجدل من حيثيّات منطقية مقنعة.
يستند حجاج المؤلّهين والملحدين على حيثيات كثيرة. جميعهم مقتنعون، وهم قادرون على الإقناع تقريباً. التفكير فى الحيثيات قد يضعنا فى موقف ثالث. الحيثيات التى يستخدمونها ليست حكراً على من أراد أن يؤلّه ومن أراد أن ينفى رغبة الآخر فى التأليه.

أرجو ألا أبدو علموياً Scientistic فى الجزء الأول من هذه المناقشة. ليس من المُقنع أن يخوض المرء نقاشاً علمياً ما لم يكن ذا صلةٍ بالجوانب التطبيقية، لكن هناك معطيات أساسية يتم تداولها بين الخصوم وعلى هنا أن أقوم بعرضها. بعد ذلك سيبدو الأمر بالنسبة لى مجرّد عرض لمناظرات خضت معظمها، وسوف أدّعى الحياد ما أمكننى لنقلها هنا. باختصار: هذا الكتاب هو نقاش مفتوح أعرض فيه عليكم كيف أفكّر فى هذه المشكلة العنيفة التى لا تخلو من… مرح.

_________________________
(*) مقدمة كتاب «نقطة عمياء» الذى سيصدر السنة القادمة.
1- قرية صغيرة على شاطئ البحر شمالى تونس، غير يعيدةٍ عن مدينة بنزرت.
2- الرفراف فى اللغة العربية طائر يُلقّب بـ«خاطف ظلّه»، لأنه إذا رأى ظلّه فى الماء انقضّ عليه يحسبه صيداً.
3- فاتحة خطبة متصوَّرة لطارق بن زياد بعد أن أحرق سفن جيشه على سواحل الأندلس.
4- رواية فولتير الشهيرة صادق Zadig أو القدر Destinée.
5-. يمكن الإطلاع على هذا «البيان»، على موقعى الشخصي: https://mahjoubinfo.wordpress.com.
6- هما عنوانا فلمين، Analyze This (1999)، وAnalyze That (2002)، من إخراج هارولد راميس وبطولة روبرت دى نيرو وبيلى كريستال.
7- عنوان كتاب صدر عام 1818 للفيلسوف الألمانى أرتور شوبنهاور Arthur Schopenhauer بعنوان: The World as Will and Representation.
8- سارتر، الوجود والعدم، ترجمة: عبدالرحمن بدوي، دار الآداب، بيروت، ط1، 1966، ص13.
9- عنوان كتاب للفيلسوف واللاهوتى الألمانى الأصل بول تيليش Paul.J.O.Tillich (1886 – 1965).

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (37)

المشرف العام

ما فعل السفهاء بنا

سالم العوكلي

سَقِيفَةِ الإيْطَالِيْ

يوسف القويري

اترك تعليق