المقالة

نقد نقد التفكير البعدي

فكر (الصورة: عن الشبكة)

ليست الصداقة، وحدها، مبعث حرصي على متابعة وقراءة ما يكتبه وينشره الصديق الكاتب عمر الككلي من مقالات أسبوعية، بل أيضاً ما تحتويه تلك المقالات من مواضيع مثيرة للاهتمام، تمسُّ قضايا بالغة الأهمية…

آخرها كان ما نشر في بداية هذا الأسبوع على صفحات هذا المنبر، حول ما أطلق عليه عمر “التفكير البعدي”، وناقش من خلاله موقف البعض الآن بالإشادة باقتراح، كان قد اقترحه في خطاب له عام 1965، الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، في مدينة أريحا الفلسطينية، وقلب الدنيا، وقتذاك، رأساً على عقب، وتسبب في قطيعة سياسية بينه وبين الرئيس المصري المرحوم جمال عبد الناصر. الاقتراح البورقيبي كان جريئاً في طرحه، وخارج أطر الصندوق آنذاك، بمطالبته العرب بالقبول بقرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين إلى وطنين واحد للفلسطينيين وآخر لليهود.

يرى عمر أن الإشادة بذلك الاقتراح، من طرف البعض الآن، ناجمة عما أسماه ” التفكير البعدي”، ويقصد به التفكير الاستعادي، أو الاسترجاعي الذي “يقيّم الأحداث بعد مضي زمن طويل على وقوعها واتضاح نتائجها، وليس في إطارها الظرفي والتاريخي.” ويعزز ذلك بذكر عدة نقاط أولها، أن قبول العرب بذلك القرار لا يعني ضمنياً قبول اليهود به. وثانيهما “أن هذا الطرح استرجاعي، يزن الأحداث بما تمخض عنها من نتائج وليس أثناء جريانها واعتبار الظروف والملابسات التي تكتنفها. فأي حدث يكون، أثناء سيلانه، مرشحا لمسارات ونتائج متعددة وتحاول جهود الأطراف، الدافعة أو المقاومة، توجيهه إلى المسار المرغوب. وبالتالي فإنه من ضمن المسارات المرشحة آنذاك من قبل حركة التحرر القومي العربية التمكن من استعادة فلسطين السليبة، واعتبار التسليم بالتقسيم تخاذلا وجبنا.” وثالثها، لا يجوز اعتبار أن حدث تنصيب اسرائيل قد حُسم وانتهى، ورابعها “أنه لم يحدث في أية حركة مقاومة ضد الاستعمار أن الصراع كان يدور بين قوى متكافئة وأن النصر كان مضمونا.” وآخرها أن الرئيس المرحوم الحبيب بورقيبة ما كان ليخوض حرب المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي في بلاده لو أنه كان يؤمن بما قاله للفلسطينيين.

ما طرحه الككلي من نقاط لدحض الاقتراح البورقيبي وقتذاك، ولشجب مناصريه الآن، رغم قوة منطقه، قابل للأخذ والرد، ويمنح فرصة لفتح الباب أمام حوار معه غير ساخن، لأنه يتعلق باختلاف في تفسير واقعة تاريخية وتداعياتها حاضراً.

أود أن أثير هنا بعض الملاحظات التي أتمنى لها المساهمة في إثراء النقاش.

1- يرى عمر أن قبول العرب بقرار التقسيم، كما اقترحه الرئيس الراحل بورقيبه، لا يعني ضمنياً قبول اليهود به. وفي الحقيقة، واستنادا إلى وثائق الجمعية العامة للأمم المتحدة التي يمكن الرجوع إليها في كل الأوقات، أن اليهود فعلياً وتاريخياً قبلوا بقرار التقسيم الصادر عام 1947، ورفضه العرب. وأنه ليس هناك من أدلة ، وقت اقتراحه، ما يؤكد عدم قبول اليهود له، لأن ميزان القوى لم يتغير في المنطقة إلا بعد حرب 1967.

2- يرى عمر أن من ضمن المسارات المرشحة أمام حركة التحرر العربي، آنذاك، احتمال التمكن من استعادة فلسطين السليبة. وفي رأيي أنه ليس من ضمن احتمالات المسارات المرشحة، واقعياً وفعلياً وتاريخياً، وقتذاك، أمام حركة التحرر العربية استعادة فلسطين وإن اعتقدت خطأ ذلك.. الرئيس الصيني الراحل ماو تسي تونج قال مرة كيف يمكن القضاء على اسرائيل إذا كانت أمريكا تزودها بالسلاح وبالمال والاتحاد السوفييتي بالرجال.

3- أتفق مع عمر في أن جريان الواقع مازال مفتوحاً على الاحتمالات. لكن، في رأيي، أقربها للتحقق واقعياً، وفقاً للسائد من المناخات والظروف والمعادلات والموازين الدولية، هو احتمال إمكانية قيام دولتين في فلسطين، عربية ويهودية، كما اقترح الرئيس بورقيبة عام 1965، أو احتمال أكثر بُعداً، دولة واحدة بشعبين وهويتين.

4- أتفق مع عمر في أن النقطة الرابعة بعدم تكافؤ القوى في حركات المقاومة ضد الاستعمار، أو أن النصر ضد المحتل كان مضموناً. ما أود لفت الاهتمام إليه، أن الاستيطان اليهودي تاريخيا في فلسطين، وما نتج عنه من إقامة دولة يهودية، واحتلال كل فلسطين، يضع مسألة استعمار فلسطين استيطانيا في خانة مختلفة، بل وشديدة الخصوصية والتعقيد، في تاريخ الحركة الاستعمارية على الإجمال. تلك الخصوصية تضعها في خانة مختلفة، تجعلها تخضع لمعاييرها الخاصة، وليس لمعايير غيرها.

5- أن عمر لم يأخذ في اعتباره الفارق في الحالتين الفلسطينية والتونسية استعمارياً. فاليهود لم يأتوا إلى فلسطين بجيش مسلح. وأن أراضي تونس، في الفترة الاستعمارية، كما كان الحال في فلسطين لم تكن مقسمة بين عدة دول: غزة تابعة لمصر، والضفة الغربية تحت الأردن. أضف إلى ذلك، أن اقتراح الرئيس التونسي الراحل بورقيبة جاء في عام 1965، أي بعد تحرير كل التراب التونسي من المستعمر الفرنسي ومعمريه، ونيل تونس لاستقلالها، وليس قبل. والمعنى أن الاقتراح لم يأت من فراغ، بل هو وليد تجربة الرئيس بورقيبه واقعياً في النضال ضد الاستعمار، ورؤيته الخاصة لطبيعة الصراع الفلسطيني اليهودي. ومن هنا مبعث أهميته. ويمثل رؤية متميزة سياسياً، وتفكيرا سياسيا خارج الصندوق.


بوابة الوسط | الخميس 03 يونيو 2021

مقالات ذات علاقة

فـقـدت بـريقـها

المشرف العام

نَظَريَّة الإتزانيّة

علي بوخريص

مانقرأه دُعابةً في السيرة

نورالدين خليفة النمر

اترك تعليق