قصة

نـزق الحـكاية

من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد
من أعمال التشكيلية والمصورة أماني محمد

 
تطرق كعب حذائها على أرضية البورسلين في قاعة المؤتمرات بالفندق، تطرق بقلق فيتأفف الرجل الأصلع الجالس بجوارها، والناقد الأدبي يقول شيئاً مجنوناً كعادته عندما يقف على المنصة، يشرح نظريته النقدية بثقة تستمد زهوها من إنصات الحاضرين، يعدل قليلاً من ربطة عنقه، ويمرر يده على شعره الفضي المسرح إلى الخلف بعناية، تلتقي عيناها بعينيه حين يقول:
– لم يعد السرد مجرد حالة من التدفق الحكائي على لسان الراوي المستبد.
تتجرع كأس الماء الموضوع أمامها في دفعة واحدة، تسمع تصفيق الحاضرين حين يقول:
– انتهى عهد الشخصيات التي لا تنطق ولا تتحرك إلا بإرادة الكاتب، انتهى عهد استبداد الراوي الوحيد، نحن أمام حقوق جديدة للحكاية.

تتلمس بأصابعها حافة الكأس، تضغط عليه بقوة محاولة سحقه، تقبض على قاعدته، ترفعه عالياً وتقذف به في اتجاه الرجل الواقف على المنصة، ينهمر صوت تحطم الزجاج على الأرضية، تستدير الرؤوس مذهولة باتجاه مقعدها بانتظار تفسيرٍ لما يحدث، لكنها تلتزم الصمت، وتترك له أن يتابع دون أن يبدو عليه الارتباك:
– أيها السادة لا تنزعجوا رجاءً، إن ما قامت به صديقتنا الروائية الكبيرة الآن، ما هو إلا تمرد شخصية من شخصيات السرد من أجل إسقاط الراوي، ذلك لا يختلف عن إسقاط السلطة لابد أن يأتي مقروناً بالفوضى والعبث.
تقترب موظفة ترتدي شارة لجنة التنظيم، تهمس في أذنها: “هل أنت بخير سيدتي؟” تهز رأسها بالإيجاب، تقدم لها الماء ثانية، لكنها تأخذ الكأس من يدها بمجرد الانتهاء من تجرعه، “لست مجنونة، لكن هذا الرجل مستفز حقاً”، تهمس، فتبتسم الموظفة مجامِلة.

لا يمكنها أن تنسى ذلك الحادث الغامض الذي عصف بثقتها فيه، وألقى بكل المفاهيم والقيم الأدبية والنقدية إلى قاع الشك والفوضى، لعله أراد أن يصنع منها كاتبة عبثية، ربما يكون قد نجح في ذلك، لكنه لم يعد في نظرها الناقد ذو القيمة المتفردة، والشخصية الأكاديمية المبهرة، لم يعد في نظرها إلا اللص المتسول الذي يقف تحت غيمة من الذباب عند مكب القمامة كما رأته في ذلك اليوم.
يومها، كانت تقود سيارتها صباحاً في الطريق المؤدي إلى شارع البدري، شاهدت الرجل المتسول مرتدياً قميصا بُنياً ممزقاً وسروالاً فقد لونه الأصلي من تراكم الأوساخ، بدا لها مألوفا جدا.. مألوفا إلى درجة اليقين، وحين أصبح على بضع سنتيمترات من زجاج سيارتها واقترب باسطاً يده في اتجاهها، مناديا بصوت خفيض: “دينار لله”، وجدت نفسها وجها لوجه مع صديقها الناقد الأدبي الكبير.

ليس هناك مجال للشك أو الخطأ، إنه هو بعينيه الخضراوين البراقتين، وعظام خديه البارزين وبشرته الصفراء الباهتة، وقوامه القصير النحيل، وما أن التقت عيناها بعينيه، حتى طأطأ رأسه، والتفت بسرعة مديراً لها ظهره، تتبعته بنظراتها وهو ينسل ما بين أكياس القمامة المكدسة على جانب الطريق، ويتوارى في الجانب الآخر من الشارع.
لا يمكن أن تخطيء هذا الوجه.. هذه النظرة الحادة الذكية من خلف الرموش الطويلة، هذان الحاجبان الكثيفان والأذنان النافرتان، والشعر الفضي وإن بدا غير مُصفف كما عهدته من قبل، لكن الشيء المُلفت، هو تلك الهيئة القذرة التي بدا عليها وسط مكب القمامة، ، يبسط يده للمارة متسولا تحت غيمة من طنين الذباب، حاولت اللحاق به، وحالما وصلت أول تفرع على يسارها انعطفت لتعود في الاتجاه المعاكس، باحثة عنه.. تفحصت وجوه المارة الذين قطعوا الطريق للتو، وأولئك الذين انسلوا باتجاه شوارع جانبية، دون أن تعثر له على أثر. كان فصاً من الملح وذاب في صباح خريفي رطب.

في اليوم الذي يليه ما أن اقتربت من تقاطع الشارع، حتى التقت عيناها بعينيه كأنهما على موعد سابق. انحرفت إلى اليمين حيثما وجدت مكانا لتركن سيارتها، وسارت بضع خطوات في اتجاهه دون أن تقرر بعد ماذا ستقول له، وخلال تلك الثواني التي كادت أن تقطع فيها الشارع، وتصل إلى كومة القمامة حيث يقف كفزاعة من القش يطن فوقها الذباب، في تلك الثواني، توقفت في منتصف الطريق سيارة بيضاء وترجلت منها امرأة ثلاثينية ملطخة بالأصباغ، غير مكترثة بصف السيارات التي أجبرتها على الانتظار خلفها، اتجهت إلى مؤخرة السيارة وهي تطرق الإسفلت بكعبها العالي، أخرجت كيس القمامة وسارت في اتجاه المكب، في ذلك الجزء من الثانية كان الرجل المتسول ذو الشعر الفضي يقفز كالقط البري من فوق أكياس القمامة، يلقي بجسده خلف مقود السيارة البيضاء، يقفل الباب وينطلق بأقصى سرعة، مخلفا سحابة من الغبار على الأسفلت.

حينها شعرت بيد خفية تعبث بتفاصيل السرد، في قصة تكتب نفسها بالتآمر مع الراوي، لكم كانت تتمنى أن تسيطر على تلك العادة السيئة التي تحوّل جميع مشاهد الحياة اليومية إلى قصص، لكم تمنت أن تقتل ذلك السارد الذي يقيم داخل رأسها ويترصد التفاصيل الصغيرة والكبيرة ويغلفها بأكاذيب تسبب لها الإحراج، لكن ما يحدث هذه المرة كان قصة غامضة غير معروف نهايتها حتى الآن.
ترددت في الاتصال به، ما عساها ستقول له، لعله سيبادرها بالقول: “رأيتكِ هذا الصباح حين كنت أسرق سيارة المرأة”! من يدري، فهذا زمن المفاجآت، نقرت زر الاتصال لتجيبها المنظومة بنبرة صارمة أن الرقم خارج الخدمة مؤقتاً.
لماذا عليها أن تجلس في هذا المكان وتستمع إلى هذه النظرية السخيفة، كيف يمكن أن تتعدد الأصوات في السرد دون أن تمزق نسج الحكاية، كيف تتولد حبكة من مكب القمامة، أبطالها غير مهذبين، ولا يقولون شيئاً لطيفاً للقراء.. تهز رأسها نافية.. تطاردهم.. تزداد طَرقات كعب حذائها على الأرضية.. وهو ما يزال يؤجج خطابه، وينادي بالتمرد من أجل إسقاط الراوي:
 
– علينا أن نصنع شخصيات سردية متمرسة تمسك بتلابيب الحكاية، تماما كما في الدولة الحديثة علينا أن نفكر في صناعة سياسيين قبل التفكير في إسقاط السلطة.
كان يصب كلماته في آذان الحاضرين فيميلون برؤوسهم أكثر باتجاه المنصة كأن مغناطيساً قوياً يجذبهم باتجاهه، ولكي لا تتبدد كلمة من كلماته في الفراغ فتحوا أفواههم أيضاً، ثم فتحوا أيديهم استعدادا لموجة تصفيق طويلة تنادي بربيع الحرية لشخصيات السرد، بل أن هناك من وقف على ظهر الكرسي وهتف عالياً من أجل إسقاط الراوي المستبد، وبكت الآنسة الجميلة التي تجلس في المقعد الأول وقالت: أخيراً سنتحرر، وقال شاعر لا يرتدي قبعة البيريه: سنكتب عن الحب بلا مواربة.. أما الرجل الأصلع الذي يجلس بجوارها فقد قام من على كرسيه متأففاً حين سمعها تشتم بكلمات نابية.

خرجت من القاعة قاطعة الممر الطويل حيث أبواب الغرف المتشابهة، مثل متاهة لا تنتهي، تجادل شخصياتها النزقة التي خرجت دون أن تمشط شعرها، أطلت برؤوسها من تحت الأبواب ومن البورتريهات الرخيصة على الجدران، ومن خلف التماثيل البرونزية في زوايا الممر، ازدحمت حولها في مسيرة تأييد كبيرة، تهمس بأسرار مرحة وتدافع عن الحكايات التي ظلمتها اللغة المحنطة، وحين منحها الراوي جميع بركات أسراره المتاحة، وحين أصبحت على شفا لحظة الانفراج النهائية، في تلك اللحظة، أصابها خرس مفاجئ، كأن ملك الموت قد تجلى أمامها متوعدا، فكرت أن عليها أن تطرق باب المغارة الأخير، باب اللص المتسول منقذ الشخصيات المقهورة، كان يدخن سيجارة رفيعة، وحوله فتاتان جميلتان إحداهما تكتب شيئاً في مفكرة صغيرة، استقبلها بما يشبه ابتسامة، دعاها للجلوس ريثما انتهت الفتاة من تدوين إجاباته عن أسئلتها الصحفية، باغتته بسؤالها:
– تعرف أننا التقينا في ذلك المكان البائس، لا جدوى من الإنكار، أريد فقط خاتمة القصة، فقد سقط الراوي وفشلت الشخصيات في اقتياد السرد.
– لا أظنكِ على ما يرام.
– دعك من هذا، شاهدتك تتسول عند مكب القمامة، وتسرق سيارة المرأة في ذلك الصباح، تعرف أنني أكتب القصة، تعرف أنني لا أفوت أمرا كهذا، امتلأت صفحاتي بالتفاصيل، لقاءاتنا القديمة في المنتديات الأدبية، المحافل الثقافية التي حضرناها سوياً، نقاشاتنا وأفكارنا عن عوالم السرد، ثم أخيرا اللغز السخيف الذي وضعتني فيه، تعلم أنه لا تعنيني حكاية التسول ولا سرقة سيارة المرأة، كل ذلك لا يعدو كونه أكثر من محطات سردية، لكن الراوي سئم من ذلك السرد المتواصل دون أن يقترب من لحظة التنوير.. وكل الشخصيات والحكايات والأفكار العجائبية والغرائبية لا يمكنها أن تصنع خاتمة ملائمة لهذه القصة البائسة ما لم تفسر لي أنت ذلك.
– تقصدين خاتمة أخلاقية؟
– ليكن.
– حسنا، لنتجاوز الاتهامات جميعها، لستُ ملزماً بالرد عليها.. إذا كنت تبحثين عن خاتمة منطقية بإمكانك أن تهادني القراء، أن تقولي لهم أن الناقد الذي تنكر في ثياب المتسول هو في الحقيقة كان يترصد مرور المرأة لينتزع منها سيارته المسروقة، بهذا ستحافظين على نصوصك المحترمة، لكن تذكري أن القارئ سوف يصحو يوما ويبصق على كل النصوص المعلبة، ويبحث عن أخرى صادقة وجريئة وخالية من المواد الحافظة.
– تعتقد أنك تصنع ثورة في عالم السرد، لكنك في الحقيقة تقود فوضى.
سحق عقب سيجارته في المِنفضة، ونفث آخر سحابة من الدخان، نهض مختتما حديثه معها:
– كانت لديك فرصة لتحرير شخصية متمردة، لكنكِ سحقتِها. اسمحي لي أن أقول لكِ أنها ستكون قصة سخيفة جداً.

مقالات ذات علاقة

عـبـور

عبدالرحمن جماعة

الكلب الراكض على حافّة الطريق

أحمد يوسف عقيلة

نوار العشية

المشرف العام

اترك تعليق