المقالة

نظرية الحظوظ

بوابة الوسط

عندما درست مادة الإحصاء أحببتها، لأنها توحد الخيال والعلم، اللغة والرقم، وبها هامش كبير للخطأ والانحراف والاحتمالات والتخمين والحدس، دون أن تتخلى عن يقينها من بعض النتائج، وفوق كل ذلك كانت لا تخلو من متعة اللعب وفك الألغاز وحس التنبؤ، ومع مزيد من الوعي كنت أحس أن تسميتها بالإحصاء لا يليق بكل هذا الشغف المحتشدة به، وهو جانب يحيلنا إلى اللغة الطرف الأكثر تعقيداً لمقولات الوعي والتغاير.

الهنود والفرس اخترعوا لعبة الشطرنج التي تعني أن الحياة جد وتعب وكد، وتخطيط قريب وبعيد المدى، وحساب كل خطوة وحركة بدقة، واخترعوا لعبة الزهر التي تعني أن الحياة عبث ولهو، تلعب فيها المصادفة والحظ وحسن الطالع دورا كبيرا. الثلاثون حجراً عدد أيام الشهر، والأسود والأبيض هما الليل والنهار، وأما فصا النرد فهما القضاء والقدر. غير أن العقل الإنساني المجازف بجسارة فكّر في وضع نظريات للحظ، وفي محاولة التحكم الرياضي في حتميات القضاء.

متجاوزا يقين ديكارت الرياضي، ونيوتن الميكانيكي، ونسبية إينشتاين، ذهب عالم الفيزياء الفتي، هايزنبرغ، عميقا في نظريات الغموض الكوني ونزواته عبر نظريته في ميكانيكا الكم التي، بعكس النسبية، تنطبق على الأجسام المتناهية في الصغر وهو علم قائم على الاحتمالات بشكل أساسي، فلو أن إلكترون طاقته محددة اصطدم بحاجز من الطاقة صفاته محددة، فإن ميكانيكا الكم لا تخبرك إن كان الإلكترون سيعبر الحاجز أم لا، بل تخبرك بأنه سيعبر الحاجز باحتمالية معينة، 30 بالمائة. بمعنى، لو أطلقت 100 إلكترون على الحاجز سيعبر منها 30 فقط دون أن نستطيع معرفة أي الإلكترونات بالضبط سيعبر وأيها لن يعبر، وهي النظرية الصادمة لليقين الذي ضرب بها أنصار الريبة مؤيدي مدرسة الوضعية المنطقية في مقتل.

إينشتاين، الذي أصبح كلاسيكيا بعد 10 سنوات من اكتشافه النظرية النسبية، بعث رسالة إلى هايزنبرغ، محتجا فيها على هذا العبث، قائلا جملته الشهيرة “الله لا يلعب بالنرد” ورد عليه هايزنبرغ، صاحب مبدأ اللاتيقن الذي تلقفته الفلسفة، قائلا بهدوء “لا تقل لله ماذا يجب أن يفعل”.

ألهم هذا الجدل العظيم، بداية القرن الماضي، القرن كله تحولاته الجوهرية العميقة، وأفضى بالعقل الإنساني إلى التوق إلى صيغة حضارة تقنية مختلفة وسريعة الوتيرة، وكنا نحن، أعني العرب افتراضيا، بمعزل عن هذا التوق، ندرس، بأساليب رديئة، في مدارسنا وجامعاتنا وحتى دراستنا العليا، أسوأ مناهج الفيزياء التي يخرج الطلاب المختصون بعد سنين من دراستها دون أية دراية بالنظرية النسبية، أو ميكانيكا الكم التي وجهت ضرباتها المتتالية لحس البداهة والمنطق السليم. يقول العالم والفيزيائي الدنماركي والأب الروحي لفيزياء الكم: نيلز بور: “أي شخص قرأ نظرية الكم ولم تصبه الدهشة فهو لم يفهمها”. بينما الفلسفة مازالت محرمة في بعض المجتمعات العربية، أو مهملة، أو مجرد ترف أكاديمي يجلب للجامعات المحلية التي تغازل السوق اعترافا أو اعتمادا من الجامعات الدولية الكبرى.

لذلك مازلنا نلعن الحظ والصدف، ونستسلم للقضاء والقدر، رغم أن العقل الإنساني مزود بالطاقات التي تجعله يستطيع إدارة هذه الأقدار وتوجيه مصيره ولو بشكل نسبي، والفارق بين النموذجين كالفارق بين من كانوا يذهبون إلى المعابد أو المشعوذين حين تتفشى الأوبئة، وبين من قرروا أن يذهبوا للمختبرات كي يكتشفوا اللقاحات التي استطاعت أن تقضي على كثير من هذه الأوبئة.

مازالت تستهوينا لعبة الزهر أكثر من لعبة الشطرنج، لم نعمل على وضع القضاء أو المصادفة في أتون المسألة العلمية والتفكير الفلسفي. لقد كانت مقولة “القضاء” عند العالم الجديد في الغرب مقولة عظيمة متلازمة مع العقل والفكر أمام عشوائية الدنيا وعبثيتها، وكانت الفلسفة فيما بعد تتقدم مع عمل البشر ومع رغبتهم في السيطرة على المصادفات والأعراض والطوارئ لتبرز فكرة الضرورة العلمية والخوض بها في أكثر الحقول استكانة.

عندما كان (دو ميريه) يلعب النرد يومياً وحده بلا طاولة ويسجل النتائج، ويجمع ويحصي ويقارن، ثم يكتب إلى صديقه باسكال بعض أسئلته ونتائجه، كان هذا الأخير يؤسس من خلال إجاباته لعلم الاحتمالات. لقد أسس باسكال اللغوي الأديب الفيلسوف العالم الرياضي، حليف روايال ضد اليسوعيين، أسس علم الزهر (نظرية الحظوظ) معه وقبله جاليليو وآخرون وهكذا يقوم علم كبير، إنه حساب الاحتمالات والستاتسطيقا والتي تمت ترجمتها إلى علم الإحصاء، وهي ترجمة تجمد مفهوم هذا العلم في دلالة إجرائية إدارية وتفرغه من كل طاقته الحدسية ومن ديناميكيته، والأقرب ترجمة لهذا المعنى هو “علم الحالة”، فمنطق الحالة ضد فكرة الشيء الجامد والكتلة. كان العلم لا يستبعد أي ظاهرة عن فضوله ، يتعامل بالمنطق نفسه مع نظرية النشوء أو نظرية الحظوظ ، ولم تتوقف هذه الفتوحات العلمية عند إلهامها للفلسفة، لكنها أسهمت في تغيير اللغة المتداولة نفسها، وحولتها إلى لغة علم تمارسها حتى ربة بيت في المطبخ، وخففت من أدوات توكيدها وسياقاتها الجزمية، بمعنى آخر، جعلتها لغة مفتوحة للحوار من خلال بنيتها نفسها.

في أوائل هذا القرن قال دو سوسير صيغته الشهيرة :”اللغة ليس جوهراً أو ماهية أو مادة ، بل هي بنية حسب الألسنية، اللغة هي حالة لغوية، وهي بنية”. اللغة حالة وليس معطى جامدا، يجعلها مع الوقت لغة طقوسية غير قادرة على إنتاج المعرفة، بل وأحيانا عاجزة عن ترجمتها بأمانة. ومن أين لنا أن ندخل هذه المنطقة الجديدة إذا لم ندخل علم الكلام ومقولة الشكل؟. إن مفردات، مثل: الوطن، الشعب، الجماهير، والحرية، الديمقراطية … إلخ، تأخذ لدينا مفاهيم الكتلة والمادة والجوهر، وهي مفردات مستوردة ومترجمة، لكنها مثل الإحصاء لم تتحول إلى حالة وحركة ومغايرة.

ونحن، بعيداً عن كل هذا العناء، مازلنا نلعب طاولة الزهر خاضعين للقدر وتعاقب الليل والنهار، لاعنين الحظ في كل ما اقترفناه بعقولنا المعطلة، محيلين الفشل تلو الفشل إلى سوء الحظ، ومعتبرين حتى نتائج سيئة لانتخابات أجريناها بأيدينا قضاء وقدرا لا نملك إلا أن نستسلم له، رغم كل حرية الخيارات التي وُهِبت للإنسان، ورغم هذه المعجزة التي نحملها فوق أكتافنا، الدماغ، الذي تركيبته وإمكاناته الكامنة هي نفسها عند كل البشر، وفي كل مكان وزمان، ويكمن الفرق في مدى القدرة على تمرينه وتنشيطه وتحفيزه عبر تمارين العلم بكل صنوفه، وعبر رياضات ذهنية مثل الرياضيات، والفلسفة كفضاء يستطيع الدماغ بها أن يقوي عضلاته ويأتي بألعابه البهلوانية مثلما يفعل الجسد حين يتدرب ويتمرن بطريقة مدروسة.

مقالات ذات علاقة

ثنائية الإسلام والغرب

عمر الككلي

الصحافة في يومها

فاطمة غندور

الـــكــــرة

إبراهيم الكوني

اترك تعليق