النقد

نصوص وهوامش

نصوص الشاعرة الليبية حواء القمودي الحافي

بروفيسور دكتور عبد الإله الصائغ / مشيغن

assalam94@hotmail.com

من يعرف “حواء الحافي” سيقترب كثيرا من الشعر الحداثوي الليبي الذي اسسه رواد حداثتها! ولايظنن القاريء الصديق ان ظاهرة الحداثة قد حسمت في ليبيا فقد قال الدكتور علي فهمي خشيم وهو اديب ليبي وشاعر ومفكر معروف (ان السؤال ذاته ينبغي ان يوجه اليوم الى بعض شعرائنا المحدثين لم لا تقولون ما يفهم ؟ وليس لهم ان يتمحكوا بجواب ابي تمام فالحق ان ما يقولونه لا يمكن ان يفهم باية وسيلة من وسائل الادراك واعجب ما في الامر ان شعراء الرمز الموغل هؤلاء يدعون انهم يعبرون عن قضايا الشعب وآلامه والاعجب منه ان الشعب لايعي مايقولونه ان كان يقرأهم اصلا فكيف السبيل الى الخلاص من هذا العذاب ياقوم).إ. هــ (1) وفي الجانب الآخر يقول الناقد الليبي المعروف الأستاذ منصور بو شناف (ان اول ملاحظة على الشعر الحداثي الليبي هو انه شعر اصوات منفردة وليس شعر تيارات وهو بهذا لايختلف عن الشعر العربي في الفترة الاخيرة! وكجزء من الثقافة العربية بكل ما فيها يعبر الشعر الليبي الحديث عن ازمة الانسان العربي وعن تكوينه الامتثالي للجاهز ولايبدو ان ثمة اية مغامرة جادة للتحديث بمعناه الحضاري الشامل من الساحة الليبية وكجزء من الكل الحضاري العربي نحن نفتقد الشاعر الرجيم هذا الذي يتجرأ محطما ليس ايقونات الشكل الفني ظاهريا حسب بل وتتعمق تجربته لتحطيم ايقونات القيم الحضارية المتخلفة التي تخنق كل جديد بعنف واحيانا اخرى تناور عليه مستعيرة ثوبه فقط! ان قتل الاب والقبيلة مهمة شاعرنا الاولى ونحن لو قرأنا هذه النصوص الشعرية بهدوء وعمق لاكتشفنا مراثي الاب والقبيلة والخوف من المستقبل الذي يفتقد هاتين السلطتين) إ. هــ (2) والحداثة في الادب الليبي لا شان لها بالعمر فعلي صدقي عبد القادر وعلي الفزاني وحسن السوسي ورجب الماعزي وراشد الزبير السنوسي حداثويون وقد جاوز عمر اصغرهم سناً الستين!! وهناك مفتاح العماري وفوزية شلابي وخديجة الصادق وعائشة ادريس ونصر الدين القاضي وابو القاسم المزداوي وابو القاسم المشاي ومحمد الكيش ومعمر الامين الزائدي وكريمة حسين وحواء الحافي واصغرهم سنا لما يصل الثلاثين!! وليس بي رغبة الساعة لفتح خارطة الشعر الحداثوي الليبي فقد تسنح الايام لرصده ذات رغبة او ساعة (3).

“حواء الحافي” تنشر قصائدها باسم مستعار هو (دلال المغربي) تيمناً بالشهيدة الفلسطينية دلال المغربي وقد اوصتني الشاعرة حواء وهي ترسل نصوصها الي ان لا اهتك سر اسمها وهو امر يبدو سخيفا للوهلة الاولى ولكن من يعش مثلي ثماني سنوات في ليبيا صديقا أوزميلا أواستاذا للعديد من الادباء سيمنح الشواعر الليبيات العذر في التستر على الاسم! فضلا عن ان عدد الشواعر الليبيات الشابات يفوق عدد الشواعر في اي قطر عربي ودون استثناء حين لا ننسى النسبة! ويمكن للقاريء مقاربة احصائية مختبرية في ذلك ضمنتها كتابي (4) زد عليه ان الشاعرة الليبية جريئة في ترجمة نقمتها على اقانيم التخلف التي تجبر شاعرة مهمة مثل ليلى النيهوم ان تتخلى عن مجدها لاسمها المستعار (رؤى أحمد) والشاعرة المهمة ام العز الفارسي لا نعرف عن اسمها غير الكنية واللقب! والأمثلة وفيرة! ربما احسنت الايام الى الصائغ فجعلته استاذا للكثير من اديبات وادباء ليبيا! وكانت صلتي بحواء صلة زمالة فهي شاعرة وانا شاع وقد عرفني عليها الاديب الطاهر محمد الطاهر وتوطدت الزمالة بيننا الى ان جاء اليوم الذي رايت فيه حواء طالبة تجلس على الرحلة امامي مع طلبة الماجستير الذين كنت ادرسهم الادب الحديث والمقارن وتحليل النص! وقد ساعدتني هذه الشاعرة الجميلة على معرفة جل ادباء واديبات ليبيا كما زودتني بنصوص زملائها وزميلاتها فهي تحتفظ بأرشيف للادب الليبي نفيس جدا!! بما وفر لكتابي عن الشعر الحداثوي الليبي كماً ونوعا من النصوص مهمين!! وقد حببت اليها دراسة (شاعر الشباب)علي صدقي عبد القادر اطروحةً للماجستير كما زينت لتلميذتي نجاة الهمالي د راسة الشاعر الليبي محمد خليفة التليسي موضوعا للماجستير! ولا استطرد فالقول للمثال.

“حـواء” هميمة في نشر قصائدها ونصوصها في مجلة الفصول الاربعة التي تصدر عن رابطة الادباء الليبين وفي زمني كانت هذه المجلة منحازة الى الحداثة يوم اشرف عليها الصديقان الاستاذان امين مازن ويوسف الشريف! ومن الطريف قوله ان حداثة الشعر حققت كسبا جميلا وطريفا حين استلمت الشاعرة الحداثوية فوزية الشلابي حقيبة الامانة العامة للثقافة والاعلام (وزيرة ثقافة) وكانت حواء تنشر في مجلة الكاتب العربي التي يصدرها اتحاد الادباء العرب ويشرف عليها امين مازن! ومجلة الناقد التي تصدر في لندن كما تنشر في الصحف اليومية مثل الشمس والجماهيرية! والمؤلم حقا انها كانت تنشر باسم دلال المغربي (وكنت احذرها من ذلك مع علمي بالمكابدة)! مما جعل اسمها الحقيقي غير معروف عربيا قبالة اسمها المستعار! وقد اصدرت مجلة الناقد التي تصدر عن دار الريس في لندن تغطية مهمة خاصة بالادب الليبي عدد 80 السنة 7 من 1995 نهض بها الاستاذ يحيى جابر وكان عنوان العدد (قبيلة من الشعراء) مما وضع بين يدي الباحث عونا مهما!!

 ونعود الى حواء الحافي فهي في تجربتها الشعرية تؤسس صورة للبنت الليبية التي تخبيء تحت الفراشية (زي نسائي ليبي شائع) حلما عصيا بحياة فارهة حياة بلا عالم قاس يؤسسه الرجل الذي يخبيء فيه تحت الجرد (زي رجالي ليبي شائع) وقد اختارت لها مجلة الناقد اللندنية هذا المقطع الذي اعتده مفتاحا لهموم النص القمودي :

أمنـــــية

وانا انتظر حتى تنطفيء الاربعون

لتفقد امي كل رجاء وامل وياس

وينشغل اخوتي بزوجاتهم

حينذاك ساطلق اجنحتي واسرع في فضائك ايتها الحرية

عصا امي تسوطني

طرابلس تتجمل

لم يعد في مكنتي ياطرابلس ان افتح قلبي للشمس

خائفة ياطرابلس

كم احب هذياني فيك

تجوالي في شوارعك المليئة بالقمامة والمغربيات

السنة ذكورك الشبقة تلحس الشوارع خلف رائحة انثى

وانا الجوع يأكلني.

لقد درست هذا النص للشاعرة حواء القمودي في كتابي ووضعته ضمن ميكانزم التجسيد PERSONNIFICATION كما تابعت هميها الشعريين الدلالي المعنوي والجمالي الشكلي فهي صور فنية متعددة للمألوف اليومي ولكن بلغة عذبة نادرا ما تغادر اشتراطات الشعرية! واورد فيما يلي نصوصا جديدة اخرى ارسلتها الشاعرة اليَّ يوم كنت استاذا في جامعة صنعاء! وكتبتُ عنها في الصحافة الادبية االيمنية كما قرأت بعض نصوصها في مقيل الدكتور “عبد العزيز المقالح” الأدبي وها اني اضعها بين اعين القراء الاعزاء:

حواء القمودي الحافي (دلال المغربي) نصوص:

1\ سأهب الأزرق سري

ملتبسة بطرابلس

طرابلس التي تقول البحر

البحر الذي يقول الحب

الحب الذي يبحث عنك

ها : الملم طرابلس والبحر والحب وانت

ارتجل فرحا بحجم ابتسامة طفلة

عيدا بشساعة السانية *

استدرج

الأمنيات الغافية

عند درج البئر

اختلس شعاع الشمس

يراود السحاب كي يمـر

التقط مفردات يوم بهي

افتض سر اللحظة

وارسم حواء غافية في حضن البحر.

* السانبة: ارض كبيرة شاسعة تمتلكها عائلة واحدة وفي جزء منها تبنى بيوتها المطلة جميعا على (فم الحياش) وبها بئر ومصلى وباقي الارض تستغل بالزراعة وتربية الحيوانات وفيها عادة اهم شجرة هي شجرة الحناء.

2 \ أنـا…..

كم دهر مر

خبأت امي الغيمات الشاردة

جلست على حافة منحدر

تغزل الريح اثوابها

سرق ابي زوبعةً

 ودثر امي ذات ليل خريف

جرده الشتوي

تشكلت الغيمة

تسللت الزوبعة

انهمر المطر

اندلعت شمس

كنت أنا.

أنــا ثانيــة

من اية غيمة شاردة

خبأت امي نتفة

من اي عاصفة هوجاء

سرق ابي زوبعة.

أنــا ثالثــة

تأتي الزوابع

كما لو ان الريح دمي

يأتي المطر

كما لو أن الغيمات أمي.

3 \ من يُعْطي سَعْدَة لأخته

استعير سنواتك الست

فاغدو حواء صغيرة

ضفيرة بشريط احمر

ومريول اكحل طويل

وحقيبة

وخطى متوهجة

الى المدرسة

استعير سنواتك الست

أتكيء على حائط بيتنا

انتظر

أن يأتي الرجل الأحمق

الذي أُسميه حبيبي

استعير سنواتك الست

لأسمح لدمعي ان ينهمر

وانا اعبر الشارع

الذي اجتازه حبيبي

ولم يرني

استعير سنواتك الست

اقول : ياجسدي مهلا

مازال في العمر بقية

كي تركض في حقول الشبق

استعير سنواتك الست

اقول ياوطني

ما زال الحلم ممكنا

في قلب طفلة تضحك.

3-8 – 1999

في المثل الشعبي الليبي: من يعطي سعدة لاخته غير عيشته المهبولة

 4 \ هي وعاداتهـا

هي

سابحة في لازورد البحر

تلملم الازرق

في قارورة عينيها

تستنطق تموج اللون

لتحكي

كل

الذي

لايباح.

هي

سابحة

في عبق نسمة

تأتلق البحر

تخبيء في مسام الجسد

كل الذي سيباح.

من عاداتها

ان تقول صباح الورد للطائر الذي يتحدى هدير الوقت فارشا جناحيه مدى ازرق لشمس يوم جميل تلحس بلسانها قطرات المطر العالقة بالنرجسة الناصعة البياض تتشمم عبق التراب الشبعان وتصهل بالضحك حين يبتسم البحر وتضم الصغار الى قلبها تزرع في الليل دمعة حين لاترى دفء الفصول في فراشها.

هي

ضاحكة من كل الذي كان

اتكأت جذع نخلة وبكت

خبأت زيتون سوق الجمعة في القلب

توسد البحر ركبتها ونام

من عاداتها

ان تؤثث يوما آخر بكوب الحليب والشاي وتستنهض فراش طفولتها لتفوح قهوة الام العالقة في دخان الطابون *

تهسهسها اساور الذهب فتتلمس بيدها تعاريج الزراقة * كما لو ان هذا الوقت لها تنشده الاغنيات ولا تخاف سيفه الذهب.

هي

غارقة في ارتباكها

تلملم طرف رغباتها

وتسأل الأزرق

لماذا اكون وحدي

والكائنات لي.

من عاداتها

ان تربك اصدقاءها بوهج الألفة ثم تنثني متلاشية في غيمة بعيدة تعد الانجم السابحة تحلم بأن تصادفها ذات يوم قريب

*الطابونة هي فرن صغير جدا من الطين واحيانا من الالمنيوم المملوء بالطين وهي ايضا فرن المطبخ الذي يتكون من ثلاث – رشادات كبار – او احجار متوسطة الحجم وعادة هي ثلاث وهي في المطبخ الليبي القديم.

* الزراقة هي حلية من الفضة المطعمة بفصوص زرقاء وحمراء وتسلك في خيط اسود تضعها المرأة على عنقها.

 رمضان يوم 12 من 1999

 ________________________________________

 1\ خشيم.د. علي فهمي. مر السحاب. طب المنشأة العامة للنشر طرابلس 1984

2\ بوشناف. منصور. السترة الفضفاضة. مجلة الفصول الأربعة الليبية الععد الخاص بالمشهد الشعري الليبي 1970- 1990

3\ الصائغ. شعرية الصورة الحداثوية (نصوص ليبية) ص 197 – 254 ضمن كتاب الخطاب الشعري الحداثوي والصورة الفنية – الحداثة وتحليل النص – طب المركز الثقافي العربي بيروت 1999.

4\ الصائغ. عبد الإله. المصدر نفسه. قارن جدول اسماء منتجي النصوص الليبية ص 249 عدد العينة المختبرية 72 شاعرا وشاعرة

عن موقع: بنت الرافدين

مقالات ذات علاقة

النويري مُحتـفيا بالـمأثورات الشعـبية

فاطمة غندور

قصائد الفاكهة

محمد الأصفر

نقدُ النقدِ لكتاب (روايات نسائية ليبية) للكاتب يونس شعبان الفنادي … (نموذجاً )

المشرف العام

اترك تعليق