المقالة

نسج العنكبوت: أنا هو الآخر

(إلى صديقي مجاهد البوسيفي وعمرالكدى)

نسيج العنكبوت
نسيج العنكبوت


تنسج العنكبوت خيوطها التي تبدو لغيرها واهنة ولفرائسها القوى، كذا تنسج الذات سيرتها فتوقعنا في حبائلها، حيث لكل ذات نوافذ كعيون العنكبوت تحصى لكن لا حد لها، والسيرة خارطة هذه المتاهة. وإذا كنا نتغى الولوج بين ظفري الذات وسيرتها فإن ذلك يعنى التوهان في المتاهة.

كنت منذ وقت مشغول بهكذا موضوع وقبل أن يحصل وابلغ بالمشاركة في هذه الندوة، لكن شغلت عن السيرة الذاتية بمشاغل الذات، حتى قد تناسيت الندوة، لكن الإنغماس في الكتابة يجعل المرء مشغولا بموضوعة السيرة الذاتية لأن الكتابة حالة سيروية والكتابة منزع ذاتي – كما فعل العنكبوت – للحياة.

قرأت في ما انصرم من أيام سير ذاتية عدة منها: سيرة ساخرة للمفكر السوري “أبو على ياسين” ومذكرات الشابي ووقدات عبد الله القويري وكتبت سيرة بنى غازي.

هل السيرة الذاتية وثيقة موضوع، صورة أشعة “X”، خطاطة “اسكتش” وبالتالي مستند ومرجع كما خيوط العنكبوت دليل قاطع لكل محقق علمى بحث وقانوني؟، أم لوحة تشكيلية ولعبة طفلية تستمد قوتها من تماسكها الداخلي وليس كمرجع ومستند أو كما هي الرواية، وكما كل لعبة،غش وخداع يخفي شيئا أكثر أهمية؟.

تبدو هذه الموضوعة شائكة لهذا اشتبكت فيما طالعت من سير التي ظهرت لى مرة وثيقة دامغة وفي مرة أخرى كريستال: في لحظة ما تبين لي، وعلى حين غرة وبشيء من الذهول أنه كان يستحضر عيني المعري الذي فقد البصر وهو في سن الرابعة، تبين لي أن الخيام نظر إلى العالم وأنشأ شعره بعيني أبي العلاء. لقد حذا حذوه ومشى على أثره ووطئ بلطف جسده المسجى، مع الإيماء إلى العينين الغائبتين. فكأني وجدت في عيني المعري كل سيرة ذاتية: الظلمة المضيئة أو بصيغة جوته كلما اشتد الضؤ اشتدت الظلال.

كأني نهجت غير نهج فالتبس الموضوع وأن ما صح فيما نهجت ينضح فصيحا بأن السيرة الذاتية كتابة ابداعية سردية، فلم نتبين فروقا محددة بين الرواية، خاصة الرواية السيروية وهذه الكتابة السيروية الذاتية. هناك تداخل ما كما هناك تقاطع دون جزم مغلق فيما هناك من تباين، فالكتابة كتابة غير أن كاتب السيرة محبوس في الوقائع وان كان طليقا في نسجه وما يختار من الوقائع، والكيفية التي يعاد بها نسج هذه الحبائل المنتقاة بعناية ظاهرة أو مسكوت عنها، محبوس في أن ما حدث قد حدث ببراهين ذاتية يمكن التحقق منها لكن لا يمكن توكيدها قطعيا فهي ليست مسلمات أولى، كأن السيرة الذاتية توكد أنها الواقع في عيني المعري وأن الرواية/ الأدبية، الواقع في مخيلة المعري.

هامش: في عيني المعري ما يتخيل أنه يرى، في مخيلة المعري ما يتخيل قسرا، وهذا التوضيح مخل بالمعنى إلى حد ما.

سيبدو للمتأمل في هذا التشبيه شبهة صلب المسيح وحتى قتله، ولن يعفينا من هكذا اشتباه ما تقدم، فما هي استدلالات ما يبدو من وثوقية في التباين بين كتابة السيرة الذاتية والأدبية، ما بين عيني المعري ومخيلة المعري، وان قر نهجنا بهذا الفصل ألا تكون في الكتابة السيروية شبهة الوثيقة ما يمكن القانوني أو السيكلوجي من استكمال أوجه التحقيق؟.

لن أكون محامي الشيطان المتوكد لكن سنتحقق مما طلع كتوكد، فالحق لجلاج أو حلاج ان سقطت النقطة سهوا أثناء الطباعة أو طبعت الآن قولة جوستاف فلوبير “مدام بوفاري هي أنا“.

لنتلمس الموضوعة منمذجة في النتاج الثقافي الليبي من خلال اسمين على اتفاق في الموضوعة وعلى اختلاف في المعالجة: على مصطفي المصراتي وعبدالله القويري اللذان تقول سيرتهما الذاتية أنهما: ولدا في المهجر ودرسا وعاشا في أجواء ليبية شبه مغلقة في مهجر المضطر من أثر العدوان الفاشي المعروف على البلاد وعلى مدينتهما المشتركة مصراته، ومع ملاحظة الفروق بين هذين الكاتبين في الكثير من المعطيات فإن لازمة كليهما الوطن/ ليبيا. المصراتي سيعرف كمحقق وباحث في النتاج الثقافي الليبي وصاحب منزع موضوعاتي، القويري كاتب السردية والحواريات صاحب المنزع الذاتي المثالي النظرة، وان ثمة التباسات تدحض هذا التوصيف الصارم فإنها لا تلغيه بأى حال.

من مجمل نتاج الكاتبين الغزير أقترح كتاب غوما للمصراتي، وكتاب الوقدات للقويري، الأول فيما يبدو لى سيرة ذاتية للزعيم الليبي فترة الحكم العثماني الثاني غومة المحمودي وكاتبها على المصراتي فيما الثاني سيرة ذاتية للكاتب عبد الله القويري، على الغلافين لا يقدم المؤلفان أية معونة للتجنيس أو شكل من أشكال الاصطلاح البحثي: الوقدات وقدات وكفي وغوما غوما فقط.
لن نستنطق نص ” غوما ” لأن هذا النص يعرضنا هو لأستنطاقه، فمن مجمل ما ينطق به الأجواء الفيزيقية ومشوبها على النفس، ومن الأحوال تنبجس حالة نفسانية وظلال هذه الحالة التي تشتد تتوضح من خلال بنية النص أو مضافة من تخيلات الكاتب، الكاتب الذي يرقب ويجس شخصيته غوما فيما يجول في خاطرها من خطرات وتغضنات تشكل الوجه وتحفر في النفس معالم لا يرصدها حتى معايش للشخصية التاريخية [غوما المحمودي]، التي يوهمنا النص بأنه باحث مدقق في تسجيل وقائعها. ان الوقائع المسرودة المظللة تظل القارئ وتقنع الشخصية بالشخصية التاريخية “غوما المحمودي” التي نعرف عنها ما نعرف.

هناك رصد للنفس ولحالاتها، ومخيلة عابثة تستهدف التضليل والخديعة، فـ “غوما” المصراتي في المحصلة “غوما” تخييل “غوما”، ما رأى وما في عواطف وما شكل وما صاغ وصوغ المصراتي. تبدو هذه الوضعية التي أصف حافلة بالمفاجآت لكن المصراتي ذاته يتفاجآ بهذا التوصيف لأنه ابدع شخصيته وظللها، سنقفز لحصد ما حصلنا عليه من أن المصراتي هنا كاتب سيرة ذاتية، ضمير المتكلم يلجلج في صدر ضمير الغائب و كى لا يغمض هذا ما تقدم نخلص لنتيجة أن السيرة الذاتية هذه ليست تأريخا لشخصية غوما المحمودي التاريخية وان كانت توكد بكيفيتها هذه الشخصية، كتابة كهذه لا تلغى التناقضات بل توكد عليها وتستحثها كى لا تظهر البتة في شكل وثيقة مرسلة ومخترقة حجب الزمان كما في حالتنا هذه.

وبهذه كأن سيرة غوما الذاتية للاستاذ على مصطفي المصراتي هي السيرة التي يفترضها لـ “غوما المحمودي” الشخصية التي نعرف إلى حد ما، والتي لا يفترض أنها وثيقة بالمرة، في النص ما فيه من التباس الشعري المتأبي عن الإحصاء أو كما يقال، أو أن بين النص الروائي والسيرة الذاتية ما بينهما من وشائج ترى للرائي وكذا ما بينهما من تقاطع. وان كانت السيرة الذاتية لـ “غوما” ليست في منزلة بين المنزلتين عند المتفحص، ففي هذه السيرة من الوقائع والتوثيق ما يظهر المصراتي الباحث لكن هذه وثائق ووقائع مصراتية بحثة، وهكذا كما عند كل كاتب سيرة ذاتية بهذا نتبين أن التخييل هنا محدود ويخدم مرجعيات الكاتب، وعلى عكس الأدبية في الكتابة السردية التي تجعل من المرجعية في خدمة التخييل وانزياحاته، فالمدلول في هذه الكتابة انحراف عن الدال.

لسيرة غوما كما مثيلها منطق هو منطق “الـ يمكن أن يكون“، وهذا ما يسمى في الحداثة المنطق الاحتمالي. ومن الـ يمكن أن يكون يتحمل أو يستقبل تجربة المتأبي على الحساب، متأب على الحساب الجذرى. حتى وإن تطلبت المسؤولية القانونية والاخلاقية والسياسية بعد ذلك أن يكون تفاوض وإذا حساب وتقدير للمتأبي على الحساب. وفقط بالدخول في الما بين من هذين المنطقين، منطق القابل للحساب ومنطق الأ يمكن أن يكون يمكن التعرف ربما على الما بين الذي يهمنا هنا. أو كما في منطق دريدا. هكذا في تقديري يمكن تفكيك التماهي الظاهر بين الكاتب والسيرة التي يكتب في حالة كهذه من جهة، ومن جهة ثانية يحتمل ذلك فك هذه الكتابة من اشتباكها في الكتابة الأدبية المحضة على الخصوص الكتابة السردية.

وهكذا يكون المقصود بالسيرة الذاتية محكيا يلخص حياة ما. كما سوف نرى في وقدات سيرة عبد الله القويري التي كتبها عبد الله القويري الذي انشغل كثيرا بكتابة سيرته، ظهر جزء من السيرة في كتابه “أشياء بسيطة” ثم في وقداته وفي الحوارات التي أجريت معه كما في كتاب “عبد الله القويري مفكر يبدع في الأدب والفن”، وهذا الانشغال بالذات وسيرتها يكشف على مستوى بنية النص التطابق بين المؤلف والسارد والشخصية وأن السيرة مكتوبة من طرف المعني ومكتوبة في شكل بسيط، وتستعمل مثل هذه الكتابة من أجل أغراض متباينة، فالحديث عن الذات يمكن أن يفيد إما كبرياء متضخمة وإما نوعا من التواضع وفي كلتا الحالتين ينظر السارد إلى الشخصية من مسافة ويقحم في حكيه تعاليا يتطابق معه في نهاية المطاف. يفتح القويري كتابه ويوقظ وقداته بهذا: ستظل هناك في نفوسنا أشياء غائرة، أشياء لا ترى، ونأخذ النزر اليسير منها ونتدلل به على الغير، نقدمه اليهم وعندنا شعور بأننا نمنحهم البركة.

وفي حوار عبد الله القويري أو منولوجه المستدام/ المستلاذ:

– هل سأذكر كل ما أتذكر، وهل سأجد الشجاعة على ذلك ؟. وجدت من الشجاعة أن أكون متفردا.

– قال وليم: أنت مثالي، و فردي.

– قلت: وماله. كنت ذلك الحزين الدائم، قليل الأمل كثير الألم. كنت طفلا كبير الجسد تاه طويلا، ثم فجأة وجد نفسه في بيته، في وطنه.

– وعن سبل كتابته لسيرته يقول: أنا مضطر لأصطنع بعض الحيل الفنية.

قد تكون هذه الحيل لعبة للتنصل من تماهى الذات والنص، وقد تكون من ناحية اخرى حصيلة ايديولوجيا سائدة: السيرة الذاتية تلخصها الجملة المعتادة أنا الموقع أدناه والتحرز الايديولوجى المعتاد في هذه الحالة جملة ”أعوذ بالله من قولة أنا“، ليست سيرة ذاتية، وان اتخذت من ذكريات حياتي منطلقا لها، إذ لم نتعود الصراحة في رواية ما يتصل بأشخصنا، وإذا كان هناك من عنده الشجاعة في أن يفعل، فليس هناك من يقبل منه ذلك، كما تكون الحيلة في مواجهة هذه القولة بتستر الذات بضمير الغائب كما في بعض السير من آخرها “مسارب أمين مازن”، أو لأخفاء المتجلى في التماهى بين الذات والموضوع حيث “وقدات” سيرة ذاتية يتمارى فيها الموضوع من خلال الذات، فالوطن في هذه السيرة هو الذات وأحيانا لا يطولها، “كانت الروح في اشراق دائم، وحالة الاستكشاف هي حالة النفس البدوية التي لا تخنع، فليس عندها إلا الحركة الدئمة ظاهريا وداخليا”، وفي هذه السيرة يتم النسج على هذا المنوال، “كنت كالمحمول إلى حتفه. أتحرك من مكان إلى مكان، أقف بين الحين استمع لما يدور، ثم ادور فلا اسمع غير الهمهمات، لم أكن مثلهم، فقد جلست داخل ذاتي منذ زمن“.

ان مبررات كتابة السيرة الذاتية عند القويري مبررات ذاتية، حديث الذات المحبوسة منولوج وهذه الذات المحصورة تفكك مكونها بالانفلات من كل حد، لهذا انشغل الكاتب بالكتابة عن هذه الذات حتى تتحقق هذه الذات موضوعيا، هذا التحقق العارى الذي لا تمنحه أي كتابة أدبية تشدها قوانيها الداخلية من جهة كما تمنح شذرات تكيفها المخيلة لمقتضى الكتابة النوعية. لقد وجد القويري في كتابة السيرة آلة تدوي بمكنون الذات، سبيلا للبوح كما تجد الأنوثة المقهورة في النواح فصاحة للمكبوت. ولأنه من المستحيل أن نقول الحقيقة حول الذات، أو أن نتكون باعتبارنا ذواتا كاملة، ومن ثم فالسيرة الذاتية هي ذلك العمل المستحيل. وكان عبدالله القويري جديرا بفعل المستحيل هذا فكانت سيرته الذاتية سيرة التميز تشف عن خفياها كما تطرق موضعة غربة الذات الوجودية، الذات المفردة بصيغة الجمع، فاضحة كل قولبة ممكنة وغير ممكنة، متعالية في فصاحة النسر “هنا تتعالى دوحة النفس، فلنبن لنا عشا بين أغصانها فتجئ الينا العقبان حاملة لنا الغذاء، نحن المنفردين” كما قال نيتشة أو كما قال فيليب لوجون “ان السيرة الذاتية ليست مجالا ضيقا أو محدودا، بل نوعا يدفع إلى الانفتاح على مجالات أخرى، على التحليل النفسي وعلم النفس والسوسيولوجيا والتاريخ، مما يؤدي إلى وجود عدة اتصالات وعلاقات تجعل الاهتمام بالذات ممزوجا في نهاية المطاف بالانصات للآخر”، فهل من منصت لهكذا وقدات تتقد غربة في بيتها.

وختاما نشير إلى أن توخي التوضيح يعرضنا لخطرين اثنين هما: خطر الظهور بمظهر من يجتر، هو نفسه، بديهيات، حيث لا بد من مراجعة كل شئ من أساسه، والخطر النقيض الذي هو خطر الظهور بمظهر من يريد تعقيد الأمور عن طريق تمييزات دقيقة للغاية. ولكن هذا لا يمنعنا من ملاحظة أن عزمنا لم ينصب على أى مقارنة أدبية أو موضوعية بين النصين، وان اشتمل كل بحث مماثل على شبهة المقارنة، ودوافعى لتقديم هذا الايضاح لأن اشتراك النصين في شكل كتابة ما لا يلزم موضوعيا بمقارنة مدققة.

مقالات ذات علاقة

حصان البحر الذي فينا

محمد قصيبات

عقلنا المتواطئ

وفاء البوعيسي

ثقافة ﺍﻟﻤﺎﻳﻜﺮﻭﻭﻳﻒ

المشرف العام

اترك تعليق