من أعمال الفنان محمد الشريف.
طيوب النص

نزعتُ من يدي خاتمَ السمكَة الخطأ

Mohammad_Esharif (1)

كنتُ شاباً, أرعناً.. كثيرَ المَشاكِل, وطائشاً.. أقضى احدى سنواتهِ الدراسيّة في المنزل دونَ مدرسَة بسببِ إيقافٍ أخلاقيّ يتعلّقُ بفتاةٍ.. وبالسّجائر.. وبأشياء يُخجلُني ذكرُها رغمَ أنّي أبدعتُ فيها.. كنتُ قبلهَا خلوقاً, جداً.. أتردّدُ منذ الربيع الخامس على مسجدٍ مجاور أتعلّمُ ما تيسّر من القرآن.. كنتُ مؤذنّاً في بعض الأوقات.. وكنتُ قارئاً ذو صوتٍ ليسَ شدّياً, ولكنّهُ مبحوح.. عاطفيّ.. كنتُ الأوّل في المدرسة.. ثمّ أصبحتُ الرّابع في الصف السادس.. ثمّ تأخّرتُ للعاشر في الصفّ الثانيّ إعداديّ.. وحجزتُ مقاعدي في الدور الثاني أولّ مرّة في الثالث إعدادي.. ثمّ أصبحتُ مقبولاً.. مقبولاً بإمتياز.. كنتُ مُتعباً لوالداي.. فاشلاً في نظرهم.. وفي نظر العائلة.. حتّى في نظر الأصدقاء الّذين يضحكون من نكاتي, ويختبؤون معي في ما بين الحصص, هُم أيضاً -الفاشلون- كنتُ فاشلاً في نظرهِم.. كنتُ لا أصلحُ سوى للحلقاتِ السيّئة… للمصائب.. لشكاوي الجيران.. لشكاوي الأصدقاء.. لشكاوي المعلّمين.. لشكاوي الطيور والقطط.. كلُّ شيءٍ يتباكى.. كادَ إبليس أن يشكو أيضاً.. ولكنّي معَ هذا كنتُ موهوباً.. كنتُ رسّاماً صغيراً, أرسمُ كلّ شيء في كلّ شيء, اكتشفتُ هذهِ الموهبة على كتب المنهج التي أعاقبُ عليها يوميّاً من الأساتذة.. اكتشفتُ لاحقاً أنّ العقاب لم يكُن على الرسم في الكتب.. بل كان معهم حق في أنّ العقاب كان من أجل رسوماتي القبيحة.. التي تجعلُ من الإنسان مُعاقاً.. ومن الطبيعة حريقاً!


ولكنّها كانت موهبة.. لأنّي كثيرُ الخيال.. كنتُ أسردُ على أبي قصصاً من خيالي أدّعي أنّها حدثت لمعلّمتي في الفصل, أو أحدّثُ أمّي عن كذبة عميقة درجة الصدق لأنّي أرتّبُ الأحداث ولا أنساها.. كنتُ أسرحُ بخيالي عندما يحنُّ أحد الكبار لأخذنا بعيداً عن المدينة, أسرحُ في البحر والطبيعة.. أحبُّ الجلوس وحدي, والتأمّل.. أكلّم الشجرة وتكلّمني.. نتحدّث ونضحك.. ثمّ نبكي.. تقول الشجرة أنت لطيف, أبتسم.. أعودُ إليهم للأكل وأنا سعيد.. لأنّ الشجرة التي لم تكلّم أحداً من قبل تحدّثت معي.. لا أروي قصصي كثيراً, ولكنّي أحبُّ الإستماع للقصص كثيراً.. تحدُث معي أشياءٌ غريبة أخاف قولها لأنّي لستُ كاذباً.. قد تكون حدثت مع شخص آخر وأصدّقهُ ولا أستطيع قول أنا أيضاً, لأنّها لم تعُد تجدي.. أصدّق وأبتسم وأكتفي فقط بأن أتأكد فقط أنّ ماحدث معي لم يكُن حُلماً, بل حدث فعلاً.. كنتُ طائراً.. لا أحبُّ القيود.. لا أحبُّ الجمود.. كنتُ أهرّبُ صور جدّي القديمة في العهد السنوسيّ, والتي كانت محرمّة في عقود الظلام القذافيّة.. كنتُ أهرّبها من غرفة والدي, وأقرأ خطابات الأمير ادريس لجدّي.. وانجازات المملكة الليبيّة.. يراني والدي.. ينهرُ في وجهي.. يضربُني أحياناً, ولكنهُ أصبح يجلسُ معي بعد أن عاندتهُ ويحدّثني عن المملكة, وعن ظلم القذافي لجدّي ولهُم.. كرهتُ القذافيّ.. وصرتُ أهرّب الكتب والمعلومات.. صرتُ أبحثُ عن القراءة, والعُلا.. صرتُ محتاجاً للقراءة أكثر من الكتّاب.. صرتُ كاتباً بالصُّدفة, عندما وقف معلّم اللغة العربيّة “ياسر السوداني” أمام المدرسة بالكامل في الطابور الصباحي, يُلقي عليهم ماكتبتهُ في إمتحان التعبير عن الأم, فصفقّت المدرسة بالكامل, وشعرتُ بالخجل.. وسُرعان ما شعرتُ بالإحباط لأنّ الطُلاب المشاكسين أصبحوا يقولون لي بازدراء:” والله ماهو صاير منّك!”.. لم أستسلم, كتبتُ مذكّراتٍ شخصيّة.. وكتبتُ قصائد عموديّة سيّئة.. كتبتُ خطابات دينيّة, كتبتُ قصصاً كثيرة اختفت, أو احترقت في حريق شقّتنا.. أمّي جاءتني في الصفّ الأول ثانوي بكيس فيه كلّ أوراقي التي كنتُ أرميها بحجّة أنّها سيّئة, كنتُ أكتب وأشعر بسوء ما كتبت فأرمي الورقة في سلّة المهملات.. أمّي تأخذها وتجمعها بعد أن تقرأها.. جاءتني وقالت أنت تكتبُ جيّداً.. ( ما أروع قلب الأم ) أخرجت من تلك الأوراق عشرة أو أكثر أحسستُ أنها ليست سيّئة كثيراً.. أخرجُ مع أصدقائي في نزهة.. أحملُ في يدي أوراقي.. وأقرأ قصائدي.. يضحكون, يفطسون من الضحك.. يقعون على وجوههم, ينعتونني بألفاظ قبيحة.. أنت حمار هكذا يقولون, لأنّني كتبت.. وأردُّ عليهم بألفاظ قبيحة أيضاً, وقلتُ لهُم ستكونون في يوم من الأيام عالات.. اليوم هُم تأكدّوا أنهم أصبحوا مثل ما تنبّأتُ لهُم بالضبط.. كنتُ أحفظ ماء وجهي, وأخجلُ إذا قال أحدهُم لي قالوا عنك أنّك أصبحت تكتُب.. ههْ ورّيني! أقول دائماً: لا, أنا لا أكتب.. وفي الحقيقة أنا أكتبُ ما يحدُث لي معهُ في رأسي, كفكرةٍ حيّة عن الإنسان التافه, المريض نفسياً, الوقح.. البليد, ال….!


كنتُ جيّداً, ثمّ أصبحتُ سيّئاً.. ثمّ أردتُ أن أكون بجانب بعض السوء إنساناً جيّداً.. بحثتُ عن الثقافة والتاريخ بعيداً عن الكتب الدراسية, وبحثتُ عن الحُب بعيداً عن رومانسيات شباب القرية, الّذي قال أشهرُهم يوماً ما: لقد أمسكتُ يدها اليوم.. فسال ريق الجمع, وكأنّهُ يريهم فيديو لإحدى الأمشاهد الإباحيّة.. بحثتُ عن الدين خارج المسجد, وجدتُ الدين خارج المسجد, داخل المسجد وجدتُ الفكر الإسلاميّ وليسَ الإسلام.. بعضهم لا كلّهم دوماً حتى لا أعمّم, كان في جهة والدين في جهة.. بحثتُ أيضاً عن الأخلاق فوجدتها خارج المجتمع, بحثتُ عن نفسي فوجدتها في الخلاء, وجدتُ الإنسان في الوسع.. في الطبيعة الخالية من الضجيج.. قبل هذا كنتُ حيواناً, لا أشعر.. ليسَ لي رأي.. ليسَ لي حقوق.. لي فقط واجبات.. أعطي ولا آخذ.. أبذر ولا أحصد.. أجدُّ ولا أجد.. كنتُ في نطاق بشع.. مليئ بالتجاعيد.. كنتُ عجوزاً وأنا في السابعة عشر من عُمري.. أنا عُمري الجديد بدأ عندما بدأتُ عن الحريّة.. بحثتُ عنها كمن يبحث عن الخاتم في السمكة الخطأ.. وحتى بعد وجود سمكة بها خاتم الحريّة,. اكتشفتُ أنّ هذه السمكة ليست الأصليّة.. الخاتم الّذي بها لا يلمع.. لا يبرق.. الحريّة بريق.. حياة.. أمل.. روعة.. لم أجد هذا.. فأنا الآن أبحثُ عن السمكة الصحيحة, لأجد الخاتم الأصليّ.. ولن أرضى بعودة القرش.. ولا باستمرار لبس الخاتم الخطأ.. أنا الآن أنزعُ من يدي تماماً أيّ صلة تربطُني بفبراير, حتى الثورة سأنساها لأنّها للكثير -والكثرة تغلب القلّة- كانت من أجل المال والمصلحة.. سأنسى فبراير.. بتفاصيله, بسبتهِ وأحدهِ وخميسهِ.. حتي عيد ميلاد حبيبتي سأنزعهُ من فبراير.. سأبحثُ لأجد وطني, سأفتّشُ عليه كالأرملة التي تفتّشُ عن ابنها الوحيد في شوارع ظلماء, سأصرخ وأندب وأبكي لأدعو الناس لمُساعدتي.. في النسيان, والبداية من جديد.. لتصحيح المسار.. لالا” هذه الجملة مستهلكة”, بل لإعادة الوطن.. الوطن سرقوه باسم الثورة قبل 44 عاماً, والآن عادَوا ليسرقوه من جديد من كانوا مظلومين طوال 42 عاماً.. نريدُ الحياة.. نريدُ الحريّة.. لأنّي لستُ أخاف من الحريّة.. أنا أخافُ عليها.. منّا!

(أنيس فوزي)
طالب لغة انجليزيّة فاشل
مجنون..
لا يعترفُ بشيء..
لا يحبُّ المُنقادين..
يكرهُ النعات والمُجاملة, وكلمة نعم!
يكرهُ عُبّاد الدرهم, وعُبّاد الأشخاص, وعُبّاد النساء..
الوظيفة: يبحثُ عن وطن.

مقالات ذات علاقة

هواجس القرى

المشرف العام

عند حدود التلاشي

عبدالسلام سنان

الشوارع تبكي أيضا

رحاب شنيب

اترك تعليق