النقد

نجوى بن شتوان والقصة الساخرة اللاذعة

 

نجوى بن شتوان قاصة وروائية من مدينة بنغازي، رسخت أسلوب وبصمة خاصة بها، من خلال إصداراتها المتوالية (قصص ليست للرجال)، (طفل الواو)، (الملكة)، بالإضافة لإصدارها لرواية بعنوان (وبر الأحصنة)، ومسرحية بعنوان (المعطف)، ومجموعة شعرية بعنوان (الماء فى سنارتي). فهي كاتبة متعددة التجارب، ولديها حس المغامرة الإبداعية، وهوس بالكتابة في كافة تجلياتها الإبداعية.

 

تمضى القاصة نجوى بن شتوان في مجموعتها القصصية الثالثة (الملكة) التي صدرت منذ أشهر عن مجلس الثقافة العام، بنفس أسلوبها القصصي القائم على السخرية اللاذعة، وانتقاءها للقطات قصصية من المجتمع، وتشكيلها عبر قلمها الناقد المحمل بكثير من الحياد في التعاطي مع صور الحياة حولها، فالقاصة تكتب شخصياتها بحياد تام، مع تشفير قصصها برموز ودلالات مختلفة تمنح نصوصها شفرات مميزة.

تحتوى مجموعتها القصصية الجديدة (الملكة)، على أكثر من مئة نص قصصي، اعتمدت القاصة فيه على أسلوب التجريب والتمكن والاحتراف فى كتابة القصة القصيرة، فالنصوص تنضح بخبرة ونضج فني اكتسبته القاصة من سنوات طويلة في كتابة القصة القصيرة، وهى تفاجئ القارئ الذي تعود على نمط محدد بالكتابة القصصية للمرأة الليبية، متكون فى كثير من محاور خطوطه على مناغاة الحبيب والشكوى من غيابه أو هجره أو خيانته. ولكن القاصة نجوى بن شتوان تقلب طاولة الفكرة المسبقة عن كتابة المرأة في ذهن قارئها عبر ولوجها لعالم مناكفة ومشاكسة الأطر التقليدية والاعتيادية للصيرورة الاجتماعية التي استنامت لخطوط متفق عليها ضمنيا دو ن ورق مكتوب.

القاصة توخز اللحم المهترئ للمجتمع وتناكشه وتستفزه بسخرية لاذعة، وتكتب بعض قصصها بضمير المتكلم للرجل وذلك نادر في كتابة المرأة الليبية، كما فى قصتها (صورة مقطعية لفارس)، حيث تلتقط الكاتبة بفنية وذكاء قصة الزواج بالطريقة التقليدية في المجتمع الليبي، وبتلاعب فني جميل تسبغ على القصة حس ساخر ثم تنهيها نهاية مفتوحة، كما تفعل في أكثر نصوص المجموعة، تاركة القارئ في حالة دهشة ومحاولة إجابة للأسئلة المعلقة التي تركتها القصة في ذهنه، بحيث تعمد إلى نقل فكرة مجتزأة من الحياة، ثم تترك النهايات مفتوحة أمام فكر وذهن القارئ.

كما أن القاصة تدخل لمنطقة التجريب فى كتاباتها القصصية، حين لا تتقيد عند رسم شخصياتها القصصية في المجموعة ببشر من لحم ودم، وإنما تستعير الأشياء من حولها وتتلاعب بها بحس فني وبطريقة مبتكرة، كما فعلت في نصها القصصي (نمو طفيلي)، حيث صورت في هذا النص حذاء تنمو فيه محموعة من الأنوف التي هي كناية عن تدخل الآخرين في مسيرة حياتها، مما يجعلها تتخلص من حذائها وتمشي حافية دونه كي تتخلص من كل تلك الأنوف التي تحرمها من خصوصيتها الإنسانية.

قصص القاصة نجوى بن شتوان لا تحمل أي إطار زماني أو مكاني محدد، وإن كانت تلمح في مرور عابر لمدينة بنغازي، حتى وإن استعارت لها إسما آخر، كما فعلت في قصتها الساخرة المحملة بلغة لاذعة (نزلاء الشوكة)، بحيث لا تخلو ومضتها القصصية من سخرية فيها الكثير من الطرافة، كما هو أسلوبها في مجموعاتها القصصية “وظيفة الشوكة إنها أول لبنة فى وكالة الأنباء البشرية، فمن يؤمونها هم أكثر الناس دراية بأحوال الناس، وهم ذاكرة تسجيلية حية عن كل صغيرة وكبيرة صادقة وكاذبة”.

ثم تقول في مقطع أخير من قصتها بأسلوب ساخر لاذع: “لو أنك أحصيت مجموع ما في توخيرا من شوك وغادرتها لتنظرها من نافذة كوكب آخر كيف تبدو، فإنك سترى شعبا يقيم في الشارع، ويتشبع بثقافته وأبعاده، وليس من الممكن إبعاده عن شارعيته أبدا!!”.

بسخرية لاذعة ممزوجة بمرارة موجعة تكتب القاصة نجوى بن شتوان قصصها، تناكش مجتمعها .. تشاغبه .. تناوشه .. تعري عيوبه وأمراضه، وبحياد تام، دون أن تتورط في التماهي مع الشخصيات القصصية التي تتابع ركضها فوق صفحات أوراقها البيضاء، تناكف القاصة الشخصيات والأماكن، والتفاصيل اليومية برؤية تأملية ساخرة لاذعة أحيانا.

وفي لوحات قصصية أخرى تستحضر كقارئ في ذهنك بعض من لوحات “أدواردو جاليانو” القصصية، العابقة بالنفس التأملي في الكون والوجود، وهو أسلوب أصبح ينتهجه كثير من كتاب القصة الحديثة، الذين تخلوا عن الأساليب التقليدية في القصة القصيرة، من حيث ترتيب الشخصيات والوصف والعقدة والحدث بخط سردي واحد، نقرأ ذلك مثلا في إلتقاطتها القصصية المعنونة بـ (ميلاد الأرقام): “في عصور ما قبل الإحصاء، صعد رجل وامرأة إلى جبل ليحصوا عدد السكان. بعد سنوات نزل عشرات الأطفال الذين لم يعرفوا شيئا عن ذاك الرجل وتلك المرأة”.

يتداخل الواقعي مع الفنتازي في كثير من نصوصها القصصية، وتفيض القصص بلغة مشذبة مجردة محايدة، دون مماهاة عاطفية بالشخصيات أو الأحداث، في تخلص واضح من فنون السرد التقليدية.

فالنصوص متشظية بشكل مختلف، ومحملة في بعضها ببعد ترميزي مشفر، خلف لغة صارمة حادة. أحيانا لا تخفي معانيها العميقة عن القارئ الشغوف بقراءة النتاج القصصي القديم والحديث. يمكن أن نقرأ ذلك في نص قصصي تأملي جميل بعنوان (ردم وحفر)، وقصتها (إفراط في التأنيث).

نصوص الكاتبة نجوى بن شتوان في مجموعتها القصصية الثالثة الجديدة (الملكة)، محملة برؤية مميزة ومختلفة وتشكل إضافة قوية وجديدة في المدونة السردية القصصية للكاتبة الليبية، وأكيد أن السنوات القادمة سوف تشهد كتابات روائية وقصصية للكاتبة تضعها في مصاف القاصات والروائيات العربيات في الوطن العربي، لأن قلمها يحمل الكثير من التجريب والحس الفني العالي، بالإضافة لإمتلاكه القدرات الإبداعية العالية في القص المميز والمختلف.

مقالات ذات علاقة

ديوان النثرِ العربي يوسف القويري أنموذجا

أحمد الفيتوري

حواء القمودي كما قرأتها في (وردة تنشب شوكها) و (بحر لا يغادر زرقته)

مريم سلامة

المقهور.. انعطاف في كتابة فن القصة القصيرة

عبدالسلام الفقهي

اترك تعليق