دراسات

مَوَاوِيلُ الحُبِّ وَالحَيَاةِ

يَكَتْبُ الشَّاعِرُ عبد المالك التُّهَامي قصيدَةً عفويَّةً، تقذفُهَا أَعْمَاقَهُ قرصَ اندهاشٍ، وَتَبَثُّهَا رُوحُهُ مَوَاسِمَ عِطْرٍ، تَلِدُهَا قَرِيحَتُهُ الوَلُودُ طِفْلَةً شَقْرَاءَ وَسِيمَةً، يَدُسُّهَا في أَعْمَاقِنَا بهُدُوءٍ؛ هكذا عفوَ الخَاطِرِ مِثْلَمَا تَنْقُرُ الشَّمْسُ على بَابِ أَحْلَامِ الغُفَاةِ بِأَنَامِلِ أَشِعَّتِهَا بحُبٍّ وحنانٍ وهدوءٍ..

الشاعر عبدالمالك التهامي

قَصَائِدُهُ تُضِيءُ طُرَقَ الحيَاةِ، تَتَلمَّسُ الدُّرُوبَ المثلى للوُصُولِ إلى أَرْوَاحِنَا، تَتَسَلَّلُ عبرَ شَرَايينَا، طُرُقِ قلوبِنَا، إلى قلوبِنَا، وتَسْكُنُ بلطفٍ أَرْوَاحَنَا، إِنَّهَا تحفلُ بِنَا؛ ذلكَ لأنها تحتفي بالحَيَاةِ، وتنتمي لَهَا، وَتُعْلِنُ وَلَاءَهَا للجَمَالِ، وتَجاهِرُ بعشقِهَا للطَّبِيعَةِ، وتُظْهِرُ انحيازَهَا لِلإِنسَانيَّةِ بِكُلِّ تفَاصيلِهَا.

إِنَّها قصائدُ تنضجُ على وَهْجِ تجَارِبَ صادقَةٍ، تَسْتَوِي عَلَى مَهَلٍ وتوءَدَةٍ، فَالشَّاعِرُ لا يَتَصَنَّعُ مَوْضُوعَاتِهِ، فَهْوَ يَتَعَثَّرُ بها في كلِّ شيءٍ، يصطدِمُ بها قلبُهُ، فهيَ تحومُ بفتنتِهَا كالفَرَاشَاتِ حَوْلَ رُوحِهِ المتَوَقِّدَةِ، المتربِّصَةِ بِالسَّوَانِحِ، تُرَاوِدُهُ عَنِ شَعْرِهِ الفَخِيمِ، تَهِمُّ بِهِ، تُصْدِرُ لَهُ أمرًا شاعريًّا مُلْزِمًا (هَيْتَ لَكَ) ..

في أَعْمَاقِهِ يَنْصِبُ لها شِبَاكَهُ المغْرِيَاتِ، يَدْعُوهَا إِليهِ ثُمَّ يَدَعُهَا تَأْتِي طَائِعَةً إِلَى حَبَائِلِهِ الشِّعريَّةِ، أَلَم تَكُنِ القصيدَةُ دَفقةً واحدةً.!؟ إِنَّهَا تُفَاجِئُنَا وَتَفْجَؤنَا وتُلْجِئُنَا إلى أَحْضَانِهَا الدَّفِيئَاتِ الوَضِيئَاتِ..

قَصَائِدُهُ بعضٌ منهُ، شيءٌ أصيلٌ من رُوحِهِ، إِنَّهَا بَنَاتُ أَعْمَاقِهِ، تَجْنَحُ عن قلبِهِ لِتَنْجَحَ في عِنَاقِ وِجْدَانَاتِ النَّاسِ، يَزُفُّهَا إليهم مُضَمَّخَةً بِالعَفْوِيَّةِ اللَّازمَةِ، بالتِّلْقَائِيَّةِ الَّتي تُميِّزُ بينَ القَصَائِدِ الضَّوْئيَّةِ المتوَهِّجَةِ، دَائِمَةِ الطَّزَاجَةِ، وَبْينَ القَصَائِدِ التَّعِسَةِ اليَبِسَةِ، سَرِيعَةِ الانكسَارِ والاندثَارِ، القَصِائدِ التي لا يُمْكِنُنَا إِكمَالُهَا وَلا احتمَالُهَا، القَصَائِدِ الَّتي تُشْعِرُنَا بِالغَثَيَانِ، وتملُؤُنَا بِالأَسَى، وَتَرُصُّ أَعْمَاقَنَا بِالكآبَةِ حَدَّ التَّقَزُّزِ..!!

أَمَّا القَصِيدَةُ الحَقَّةُ فَهْيَ تولدُ من رُوحِ الشَّاعِرِ، تَأْتِي مُزَنَّرَةً بِالعَفْوِيَّةِ المطْلَقَةِ، والبَسَاطَةِ المثْلَى، تجيءُ ممهورَةً بتوقيعِ قلبِهِ، وبختمِ رُوحِهِ عليهَا، مُعَنْوَنَةً بعنوَانِ وِجْدَانِهِ، مُعَفَّرَةً بِعَبَقِ الحيَاةِ، فالقصائدُ عِطْرُ الحَيَاةِ الحَقِيقِيِّ، وَأَلَقِ الطَّبِيعَةِ السَّاحِرِ، مُنْتَشِيَةً بِشَذَاهَا، مَزْهُوَّةً بِأَلْوَانِهَا، مُتَزِيِّنَةً بتفاصيلِهَا، مَأْخُوذَةً بجَمَالِها وَجَلَالِها وَدَلَالِهَا وَظِلَالِهَا وَخَيَالِهَا وَخِلَالِهَا.

يُرْسِلُ الشَّاعِرُ عبد المالك التُّهَامي أغانيهُ مَوَاوِيلَ هَوًى لِلْحُبِّ وَالحَيَاةِ، لِلإِنْسَانِ والوَطَنِ وَالطَّبِيعَةِ، وَلِلْجَمَالِ فِي كُلِّ صُورِهِ وَتَجَلِّيَاتِهِ، وَلَعَلَّ أبرزَ محفِّزَاتِ شِعْرِهِ هوَ الوَطَنُ، فَهَا هُوَ يَعْلُو نَشِيدُهُ بِحُبِّ الوَطَنِ الَّذِي يُحِيطُهُ بكثيرٍ منَ الحُبِّ والتَّبْجِيلِ وَالإِعْلَاءِ، يقولُ في قصيدَتِهِ (عشق الوطن):

يا ريحَةْ الياسمين والرَّيحان يا حُبّْ في نبضي والوجدان

مالك رديع في الكونْ يا حضن لولادك وديد حنونْ

عشقتك وعشق الوطنِ مِ الإيمانْ.

إِنَّهُ الوَطَنُ الَّذِي يَرْهُنُ لَهُ عُمْرَهُ، ويُوقِفُ عليهِ حَيَاتَهُ، فَيَقُولُ مُغَازِلًا إِيَّاهُ في قَصِيدَتِهِ (وطني لك عمري فداء):

أنا طوع أمركْ أنا أنا عمري لك فداء

أنا يا وطني الحبيب أنده جاهز للنِّداء.

هُوَ الوَطَنُ الَّذِي يَأْمَلُ لَهُ السَّلامَ والوِئَامَ، وَالسَّلَامَةَ مِنَ المحَنِ والفِتَنِ؛ يَقُولُ في قصيدَتِهِ (احنا أقوى من المحَنْ):

احنا أقوى من المحنْ وأكبر من نار الفتن

حتَّى لو طال الزمن بينا ما يدوم الخِصَامْ

احنا في قلوبنا اختزنْ طبع التَّسامح يا سلام.

لِهَذا يَدْعُو الشَّاعِرُ أَبْنَاءَ وَطَنِهِ لِلْحُبِّ الَّذِي يَصْنَعُ الحيَاةَ، وَيُحيي وُجُودَهُ، يقولُ في قصيدَتِهِ (يا خوت صَفُّوا النِّيَّة):

عيشوا حياةْ الودّْ يا خوت صَفُّوا النِّيَّة

وغنُّوا غناوي الصَّوبْ والنَّصر والحرِّيَّة

يا عاشقين بلادكم والفرح في ميعادكمْ

خَلُّوا النُّفوس نقيَّة.

هَذَا الوَطَنُ الَّذِي غَدَا لَدَى الشَّاعِرِ (أَغْلَى حُبّْ) فَهوَ الحُبُّ الَّذِي تَفَتَّحَ عليهِ قَلْبُهُ، وَنَبَضَاتُهُ وَارْتِعَاشَاتُهُ، يَتَغَزَّلُ بهِ في أُغْنِيتِهِ (أغلى حُبّْ):

من أوَّل ما عرفت الحُبّْ حبِّيتك يا أرض الحُبّْ

يا بلادي يا أجمل صورة مرسومة في وسط القلبْ

وهيَ أُغْنِيةٌ مُدْهِشَةٌ، مُكْتَنِزَةٌ بِحُبٍّ دَافيءٍ، وبعاطفةٍ صادقةٍ.

وَمِنْ أغانيهِ الَّتِي يُغْدِقُ فيها عِشْقَهُ الجَزِيلَ لِلْوَطَنِ، لليبيا، أُغْنيتُهُ (أنا وطنكم)، يَقُولُ فيها:

أنا حضنكم، أنا أَمَّكم صدري الحنون ايضمِّك

أنا شمسكم، أنا ظلَّكم أناد لدروبكم قنديل

أنا عرضكم، أنا اسمكم تنسوا اسمي مستحيلْ

وفي دِيوانِهِ (عايش على ذكراك)؛ أَرَى الشَّاعِرَ يحتفي بالطَّبيعَةِ كثيرًا، يَغْمُسُ رُوحَهُ في مَحَارِيبِهَا الفَارِهَةِ، يُغْرِقُهَا في غَدَقِهَا، لِيُخْرِجَهَا منها قَصَائِدَ من ضَوْءٍ، وعِطْرٍ وحَمَائْمَ وأُمْنِيَاتٍ.

كَمَا تَحَظى حَيَاةُ المدينَةِ الآسِرَةُ بَنَصِيبٍ كَبِيرٍ من مَوْضُوعَاتِ قصائدِهِ؛ فَتَحْفُلُ بِتَفَاصِيلِهَا الكَثِيرَةِ الأَثِيرَةِ، لاسيِّمَا في قصائدِهِ عنِ المدُنِ الَّتي سَبَتْ قِلْبَهُ، وَسَطَتْ على شِعْرِهِ، فَأَغْدَقَ عَلَيْهَا منهُ حَدَّ التَّوَلُّهِ، فهوَ يَحْتَفِي بالأَمْكِنَةِ، بِالمدَنِ الآسِرَةِ: هون، المرج، البيضاء، شَحَّات، سوسة، طبرق، سرت، درنة، بنغازي، طرابلس، وغيرِهَا، وهيَ قَصَائِدُ رَائِقَةٌ شَائِقَةٌ، تُظْهِرُ افتتَانَ الشَّاعِرِ بهذِهِ المدُنِ، وامتَلاءَ وِجْدَانِهِ بحُبِّهَا، فَجَاءَتْ قَصَائِدُهُ عَنْهَا تَنِزُّ إِدْهَاشًا وَجَمَالًا.

ويمضِي الشَّاعِرُ في احتفَائِهِ بِالطَّبيعَةِ، مُظْهِرًا ذلكَ من خَلالِ افتتَانِهِ بها، أو في مَعْرِضِ تَغَزُّلِهِ بِبَعْضِ المدُنِ والقُرَى والبَلْدَاتِ كَشَطِّ الحمامة، الحنيَّة، مَسَّة، وهيَ بلداتٌ صغيراتٌ في أحضانِ الجبَلِ الأخضرِ الخصيبِ، يقولُ من قصيدَتِهِ (مَسَّه):

شَطَّ الحمامة وأنسام الحنيَّة ومَسَّه … اتصبِّح علي سحر الطبيعة وتمسى.

وَيُبِينُ تَعَلُّقُهُ بِالطَّبيعةِ في قصيدَةِ (عشقت السَّمَاء)، وَهْيَ قَصِيدَةٌ جَزِلَةٌ تُتَاخِمُ حُدُودَ الفُصْحَى بِأَلْفَاظِهَا وتعابيِرِهَا، وَطَرِيقَةِ نَسْجِهَا، واكتظَاظِهَا بِتَعَابِيرَ عَنِ الطَّبِيعَةِ، منها هذهِ الأبياتُ:

عشقت السَّمَاءْ وما في السَّمَاءْ

صوت العواصف والرعود والصَّفَاءْ

في قصيدَتِهِ (للحُبّْ غِنِّي وابتهجْ) يقولُ:

افرحْ وامرحْ وابتسمْ في رحاب النَّورْ

وازرع بذور الوردْ تجني أكاليل الزَّهورْ

للحبِّ غنِّي وابتهِجْ واطرقْ الأبواب تنفرجْ

بأحلى الأماني والسُّرورْ

إِلَى آخِرِ القَصِيدَةِ الحَالِمَةِ، المفْعَمَةِ بِالأمل وَالأَلَقِ وَالعَبَقِ.

وإن كانَ ذِكْرُ الأسمَاءِ – أَحْيَانًا – يَشُطُّ بهذهِ القَصَائدِ الغِنَائيَّةِ بعيدًا عنِ طبيعَةِ الأُغْنِيَةِ، لِتَفْغُرَ فيها الخطابيَّةُ والمبَاشَرَةُ فمًا وَاسِعًا يَبْتَلِعُ رُوحَ القَصِيدَةِ الرَّهِيفَةَ، وَيُحِيلُهَا إِلَى مَحْضِ نَصٍّ تقريريٍّ فَجٍّ يَتَزَيَّا بِزِيِّ القصيدَةِ، كما يحدثُ في آخِرِ أَبْيَاتِ قَصِيدَةِ (درنة الحضارة).

والشَّاعِرُ عبد المالك التُّهَامِي يَحْتَفِي بِكُلِّ شَيْءٍ: القلم، الكلمة الطَّيِّبة، العروسة، الحب، الدنيا، الضمير، الصبر، السَّماء، الأمل، البسمة، التَّوكُّل، التَّفاؤل، الشمس، النور، التَّأمُّل، الصُّبح، الطير، النسيم، الورود، الأزهار الأشجار، الحقول.

أَمَّا قصيدَتُهُ (السَّلام مسك الختام) فهيَ قصيدةٌ إنسانيَّةٌ رَائِعَةٌ، يقولُ فيها:

في السُّجود وفي السَّلام .. السَّلام يا أهل السلام

رمز التَّصَالح والتَّسَامحْ السَّلام مسك الختام

وتَعْتَنِي قَصَائِدُ دِيوَانِ الشَّاعِرِ عبدِ المالك التُّهامي بالأُسْرَةِ بِشَكْلٍ خَاصٍّ؛ فَتُخَاطِبُ كُلَّ فردٍ فيها، تُغْدِقُ عليهِ حُبًّا، وَتَدْلُقُ عليهِ وِدَادًا، يقولُ عنِ (الابن)، في مُرَاقَصَةٍ شِعْرِيَّةٍ من أغاني ترقيصِ الصِّغَارِ:

يسلم ويعيش ايسلِّمه ايناغيني وانكلِّمه

إن شاء الله يكبر ونربِّيه وكلّْ علوم نعلَّمه

كَمَا يُعْلِنُ مَحْبَّتَهُ لأُخْتِهِ في قَصِيدَةِ (يا خَيِّتي)، يقولُ:

نبع الوفاء يا خَيِّتي .. يا قلب عاشق فرحتي

يا وِنْستي في دنيتي يا عيون تزهى لجيِّتي

وين ما غزلي ايتخبَّلْ نفرد جناحاتي بشوق انجيَكْ

ايروق خاطري في لمحه وين ما إِيديَّا تحتضنها إِيديَكْ

ننسى الزَّعل واجروحي معَ بسمتك يا روحي

يا خيِّتي .. يا أيد تمسحْ دمعتي.

وتَتَّسِعُ محبَّتُهُ للأُنْثَى، وتبجيلُهُ لهَا في كلِّ حَالاتِها، أُمًّا وَأُخْتًا وَزَوجَةً وَابْنَةً، ومُنْجِبَةً للأَبْطَالِ الميامينِ، فَتَتَجَلَّى نظرَتُهُ المبَجِلِّةُ لِلْمَرْأَةِ، وتَوْقيرِهِ لها، كما سَنَرَى في قصيدَتَيْهِ (يا شريكة حياتي، أُمّ الشَّهيد)، يَقُولُ:

” المرأة شريان الحياة المرأة سِرّْ وجود الكونْ

واحنا للمرأة انتماءْ لولاها ما كنا انكون

هيَّ الأمّ وهي الأختْ وهيَّ الزوجة وهي البنتْ

وهيَّ المعنى والمضمونْ…”

ومن جَمِيلِ أَشْعَارَهِ الرُّومَانِسيَّةِ، عَالِيَةِ الشَّجَنِ قَصِيدَتُهُ (الدِّنيا بَكَتْ)، يقولُ فيها:

القَمْرَة اختفَتْ ما تملا النُّجوم مكانها

الدُّنيا بَكَتْ كحَّل الحزن أجفانها

ياما طَعَنت قلوب عاشت بجرح أحزانها.

وَتَتَجَلَّى الغِنَائِيَّةُ العَالِيَةُ فِي أُغْنِيَتِهِ (يا حبيبي يا روح الرُّوح):

يا عشق الرُّوح يا حبيبي يا روح الرُّوح

يا غصن الوردْ أنفاسك بالعطر اتفوحْ

عَطَّرت أنسامي بورودكْ يا أحلام العمر الورديَّة

زَيَّنت أيَّامي بوجودكْ يا مناهل ودّْ وحنِّيَّةْ

نَسَّيتني حيرتي وظنوني زهيت الخواطر وعيوني

يا بلسم قلبي المجروحْ يا حبيبي يا روح الروح.

وَالشَّاعِرُ مملُوءٌ بِالتَّفَاؤُلِ، مُتَعَلِّقٌ – أَبَدًا– بالأمل، مَسْكُونٌ بِالحيَاةِ، مُقْتَنِعٌ بأنَّ الخيرَ مُنْتَصِرٌ عَلَى الشَّرِّ، والجَمَالَ غَالِبٌ على القُبْحِ، وَالأمل طَاغٍ على الأَلَمِ وَالبُؤسِ وَالقُنُوطِ، يَقُولُ من قصيدَتِهِ (الدُّنيا بخير):

الدّنيا بخير مهما صار ومهما يصيرْ

الدّنيا بخير ديما فضل الله كبير

شوف الشَّمس معَ طلعتها شوف الناس اللِّي عشقتها

تسعى للحُبِّ وللخيرْ ..

في قَصِيدَتِهِ (أجمل شعور إنساني)، يَبْرُزُ انحيازٌ فائِقٌ لِلحُبِّ الَّذِي تَتَنَفَّسُهُ رُوحُهُ، فَهْوَ الدَّوَاءُ الشَّافِي كَمَا يَرَاهُ، يَقُولُ:

ايقولوا النَّاس الحُبّْ في الغيبة .. القيتا زهاء ما فيه حتَّى عيبة

روحي اتنفَّس بيه … ونبضات قلبي بكلّْ الوفاء تهديه

للِّي عشق بلسم دواء يشفيه .. الحبّْ ما تصعب عليه صعيبَةْ

ومن أجمل أغانيهِ هذهِ الأغنيةُ الجَذْلَى (روحك عشيقة روحي):

روحك عشيقة روحي يا زهوةْ عيوني بيكْ

يا اللِّي مداوي جروحي تسلملي الله ايخلِّيكْ

تسلم للعين المشتاقة، يا روح الرُّوح العَشَّاقة

تهديني الحبّْ ونهديك ..تسلملي ربِّي ايخلِّيكْ

وَيُرْقِصُ أَعْمَاقَنَا بِأُغْنِيَتِهِ النَّاعِمَةِ (أمرك حبيبي):

غير أؤمر نعطيك عيوني كان اشويَّة نزيدك عمري

نفرشلك بالودّْاجفوني يا اللِّي عارف قيمة قدري

الشَّاعرُ عبدُ المالك التُّهامي، ذُو نَفَسٍ شِعْرِيٍّ قَصِيرٍ، بِإِيقَاعَاتِهِ الجذلَةِ المتَسَارِعَةِ، وَجُمَلِهِ الموْجَزَةِ المنْجِزَةِ، فَضَرُورَاتُ الغِنَاءِ تَسْتَوْجِبُ أَنْ تأتيَ الَقَصَائِدُ هَكَذَا، بِرقيَّةَ التَّعَابِيرِ، مَضْغُوطَةً، مُكَثَّفَةً، ذَاتَ نَفَسٍ قَصِيرٍ لَكِنَّهُ يَمْلَؤُنَا دَهْشَةً وَانْبِهَارًا؛ لتَقتحِمَ أعمَاقَنَا لحنًا رَائقًا تَدْلُقُهُ الأَعْمَاقُ مثلَ زفرَةٍ، مثلَ كَلِمَةِ تَعَجُّبٍ سَاحِرَةٍ.

يَظْهَرُ تَأَثُّرُ الشَّاعِرِ بِالقصيدَةِ الشَّعْبِيَّةِ اللِّيبيَّةِ الكلاسيكيَّةِ، فَفِي كَثيرٍ من قِصَائِدِ دِيوَانِهِ يَنْظُمُ شِعْرَهُ على بُحُورِ الشِّعْرِ الشَّعْبيِّ اللِّيبيِّ المعْرُوفَةِ، كَمَا سَنَلْحَظُ في مَطَالِعِ ِ القَصَائِدِ الآتِيَةِ وَمَا يَتْبَعُهَا من أَغْصَانٍ وَتَشْطِيرَاتٍ في قَصَائِدِ: (علي غايتك)، و(معاهن عذر)، و( شوَّقتني)، و(عيش البسمة)، و(الغيَّة قسامي)، و(يا صاحبي)، (ايهيلن امعاهن عذر)، الَّتي نَسَجَهَا جَمِيعَهَا عَلَى نَظْمِ (البورجيلة) المعروفِ، والمشْتَهَرِ بـ (ضَمَّةْ القَشَّة)، يَقُولُ:

” على غايتك وين ما اتريدياتميلي خافي ندم وبلوعتك تشكيلي “

” شَوَّقتني، شوَّقت قلبي الظامي … رَجَّعتني لماضي ربيع أيَّامي

وفي قصيدَتِهِ (عيش البسمة):

أزرع بذور الخير في وجدانكْ … وانسى الزعل واطوي جميع أحزانك.

و: ” يا صاحبي اللِّي ابلوعتي نشكيله يحسابني بلحن الغلاء انغنِّيله”.

و: ” ايهيلن امعاهن عذر بعد امناهن .. لنظار ما ايغفَّنْ قليل هناهن “

وإن كُنْتُ أَلْحَظُ قَلَقًا عَرُوضِيًّا في عَجُزِ البَيْتِ الأَخِيرِ ” لنظار ما ايغفِّن قليل هناهن”، فقد سَقَطَ مَقْطَعٌ صَوْتِيٌّ مُكَوَّنٌ من حَرْفَينِ (متحرِّكٍ وساكنٍ)، فلو أَضْفْنَا – مثلًا – كَلِمَةَ (لي) بعدَ الفِعْلِ (ايغفَّنْ) لاستقامَ الوَزْنُ، وسَلِمَ العَرُوضُ من اِضْطَرَابِهِ وَارْتِبَاكِهِ.

وَمَا يُميِّزُ هذا الدِّيوَانَ اِغْتِنَاؤُهُ بِأُغْنِيَاتٍ صَبَاحِيَّةٍ، طَازِجَةٍ، مَرِحَةٍ، عَابِقَةٍ بِبَخُورِ الطَّبِيعَةِ، مُنَدَّاةٍ بِرِيقِ الأَفْجُرِ النَّدِيَّاتِ،يَبْدُو أَنَّهُ كَتَبَهَا لِتَكُونَ أغنياتٍ للصَّبَاحَاتِ الوَضِيئَةِ، تَتَغَنَّى بالصَّبَاحِ والحيَاةِ والجَمَالِ وَالطَّبِيعَةِ والأمل وَالتَّفَاؤُلِ، كَقَصَائِدهِ:” يا متوكِّل، تَفَاءَلْ خير، مستبشرين، فال السَّعد، صوت العصفور، نورك شمس، شوف تأمَّل، نور الأمل، يا مرحبا يا صبحنا، أمل وسرور، الشَّمس طلعت، غَرِّد يا طير، محْلَى نسيم الصِّبح، صباح الخير، يا ودَّاده”.

كما تُنْبِئُ هَذَهِ الأُغْنِيَاتُ الطَّرِيَّاتُ عن تَعَلُّقِ الشَّاعِرِ بِالطَّبِيعَةِ، وافتتانِهِ بالجمَالِ، وكِلَاهُمَا من مفرداتِ الحياةِ البَائِحَةِ بِالعِشْقِ، والْمُعْلِنَةِ عَنِ انجذَابِ رُوحِ الشَّاعِرِ إليها، وانصهارِهِ فيها، واندغامِهِ بها، وتماهيهِ معها.

خِتَامًا .. هَذِهِ أُضْمُومَةُ أُمْنِيَاتٍ بَاهِرَاتٍ أَطْلَقَهَا الشَّاعِرُ فِي فَضَائِنَا بَالونَاتِ فَرَحٍ، وَحَمَائِمَ أَمَلٍ، وَغَيْمَاتِ رَجَاءٍ عَمِيمٍ، آمُلُ أَنْ تُمْطِرَ أُغْنِيَاتٍ كَامِلَاتٍ لَحْنًا وَغِنَاءً، وأَجْزُمُ أَنَّهَا إِضَافَةٌرَائِعَةٌ، مَاتِعَةٌ، يَانِعَةٌ، وَمُهِمَّةٌ جِدًّا لِلْمَكْتَبَةِ الفَنِّيَّةِ اللِّيبِيَّةِ، وَلِمُدَوَّنَةٍ الشِّعْرِ الغِنَائِيِّ اللِّيبِيِّ وَالعَرِبيِّ عَلَى السَّوَاءِ.

بنغازي: 17/ 11/ 2019م.

مقالات ذات علاقة

التبو ودورهم في بناء ليبيا

امراجع السحاتي

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (13) .. عداء الأمكنة وقوس التحولات

المشرف العام

البناء النصّي في شعر عبدالمنعم المحجوب (11) .. الزمن الوجودي في ديوان (عزيف)

المشرف العام

اترك تعليق