المقالة

ميول ديستويفسكيّة

فيودور دوستويفسكي (الصورة: عن الشبكة)

أنْ تربط ديستويفسكي بأحد المواضيع اليوميّة أو الجدليّة أمر سهل جدّاً لأنّه كَتَب الواقعَ وجعلَنا نراه أكثر ممّا يتاح لنا في الواقع ذاته. فلديك عنده علاقتُه بعلم النفس وفرويد والوجوديّة وفردانيّة نيتشه والإلحاد والمسيحيّة والسياسة والأنظمة الشموليّة والسجن ونبوءاتُه الأدبيّة والمقامرة وكيف ظهَرَ في السينما وعنده المرأة أيضاً، وغيرها.

رفيقٌ أم لا؟

لأنّي أميل جهة اليسار في الغالب وجدْتني أُلبِس «فيودور» حلّة الرفيق بالاعتماد فقط على انطباعي عن شخوص روايته «الجريمة والعقاب» – روبين وسونيا – وفي الرواية من البؤس الإنساني ما لا يعرّيه إلّا مَن آمنَ بما قال ماركس.

الفقر ومخالطتُه للفقراء، وضْع روسيا الاقتصاديّ والسياسيّ آنذاك بقيصرها، وعزلة فيودور واستبداد والده واحتكاكه المباشر بالمرض في مستشفى الفقراء المُلاصِق لمنزله ومكان عمل والده – كل هذا دفعَه إلى الانتساب إلى عضويّة حركة «تراشيفسكي» الثوريّة السرّية التي ضمّتْ مجموعةً من الأدباء والمفكّرين. وقد تعدّدت الروايات عن التحاقه بتلك الحركة، وتقول إحداها إنّه ارتادها فقط لوجود مكتبةٍ فيها، لكن سنصدّق الرواية التي تقرّبنا أكثر لما نَسبَه لنفسه من أنّه يعتبر المعذَّبين جميعاً إخوةً لنا. وقد شهد مقرّبون منه على أفعاله في نُصرة الضعفاء والمقهورين في الكثير من المواقف، إذ كان يتلو قصائد غوغول الثوريّة في اجتماعات الحركة السرّية ولم يكن ينقصُه إلّا أن نتخيّله حاملاً العلَمَ الأحمر ملوّحاً به في الشارع.

قُبض على فيودور وحُكِم عليه بالإعدام قبل أن يخفَّف بالحكم في السجن خلال اللحظات الأخيرة. قادَهُ القدَر مرّة أخرى إلى ملامسة النفس البشريّة، وهي أكثر ما أُغرم به وهو القائل إنّه يجد عزاءه في «التسلّل إلى داخل الشخصيّات المحيطة به». يتمتّع أبطالُه، الذين يفكرّون بالعالم، بوعي عميقٍ وإرادةٍ قويّة. وكَتَبَ هذه التجربة القاسية والغنيّة في السجن في كتاب «ذكريات من ديار الموتى» والذي يُعَدّ من أجمل كُتُبه.

وأنا في خضمّ هذا البحث ومحاولة إثبات ماركسيّة ديستويفسكي، ظهرتْ لي عبارةٌ لستالين يقول فيها «كان كاتباً رجعيّاً، ونحن لا ننشر كتبَه لما لها من تأثير سيّئٍ على الشباب، ولكنّه حقّاً كاتبٌ عظيم حقّاً». ثار جدَلٌ من جديد وتناقَضَ تداخُلُ الـ«مع» والـ«ضدّ»، وهي الثنائيّة المرافِقة لديستويفسكي الدائمة عند سبْر أغوارِه. لكن ماذا كان سيقول ماركس عن ستالين؟

لم أحاول التغلّب على حيرتي بعدما اكتشفتُ أنّ أغلبيّةَ الباحثين التبَسَ عليهم الأمر، أو دعونا نقول اختلفت الآراءُ بينهم حَوله. لكنّ سلوايَ مؤقّتة لأنّ الحَدس ألهمني بأنّ ديستويفكسي في الجهة نفسِها معنا، أي أنّه رفيقٌ بمعنىً من المعاني. فمَن يعرّي شخوصَ رواياتِه لن يساوِرَه شكّ في أنّ الروائيّ الروسيّ الكبيرَ في معرض كَشفِ الظلم لا محالة والسعي لتغييره. وما جوهرُ اليسار غيرُ ذلك؟

وصَفوه بالرجعيّة لأنّه ضدّ أخْذ الأمور بالقوّة. وهو مَن جادَ بهذا الديالكتيك بين أقصى الخير وأقصى الشرّ. أليس اليساريُّ هو مَن يستخدم الوسيلةَ العادلةَ لتحقيق النتيجة العادلة، والمساواة غايته؟ إلى هذا يجب أن يُقالَ إنّ الصراع هو الطابَعُ الأبرزُ لما يدور في عالم ديستوفيسكي والصراع هو محرّك التاريخ ومنتِج الطبقات؟ في محاولةٍ منه لوضع أفكاره المجرّدة على محكّ الحياة العمليّة، ظَهَرَ لنا هذا التناقضُ، وهذه الحيرة، خصوصاً لمن هم مثلي في بداية طريقهم المعرفيّ الجانح نحو اليسار.

في الوقت الذي كنتُ أعدّ فيها هذه المقالةَ بدا لي ديستويفسكي كأنّه شخصٌ من شخوص روايته. لعلّه أحدُ الأخوةِ كارمازوف الغامض والذي أحاول سَبْر أغوار نفسه المتردّدة المهزوزة. إنّ ظهورَ المشاعر الفرديّة عند ديستويفسكي شرخٌ آخَرُ في حكمي على اشتراكيّته، لأنّها مَشاعرُ تسير في اتّجاه عكسِ الجَمْع والجماعة. دَعَمَ هذا الشكّ عندي كلامُ نيتشه عنه، فهذا المؤمنُ بالفردانيّة يحبّه ويعتبره الوحيدَ الذي أفاده بشيءٍ في علم النفس. اقرؤوا معي كلامَ نيتشه، وتخيّلوا أنّ قائلَه هو راسكولينوف في «الجريمة والعقاب»:

«أمّا في ما يخصّنا، فإنّنا نريد أن نكون مَن نحنُ في حقيقتنا: الأوائلَ المتفرّدين الذين يتحوّلون وحدَهم إلى قانون، أولئك الذين يصنعون أنفسَهم بأنفسهم»

وانأ أقرأ هذا الوصفَ عن شخوصه لاحتْ لي روايةُ «اللص والكلاب» لنجيب محفوظ التي حسبَ علمي محسوبةٌ على الاتّجاه اليساريّ. نبّهتني هذه الإشارُة الى أنّ حدْسي نحو ديستويفسكي لا يزالُ في الكفّة الراجحة. وكلّما تعمّقتُ في البحث زادَت الهوّة، البحثُ عن الفَرق بين مصطلحات اليسار والماركسيّة، الشيوعيّة والاشتراكيّة بكلّ تفرّعاتهما. وما يثارُ في مدى نجاعتها.

يقتضي الأمرُ البحثَ أيضاً في الأدب الملتزم وتاريخ روسيا والوجوديّة وفلسفةِ الأخلاق والفلسفة المثاليّة ومَسيرتِه الكتابيّة. فقدْ أثبتتْ رواياتُه وقصصُه منذ بداية نشاطه الأدبيّ حتى نهايته أنّ اهتمامَه منصبٌّ على القضايا الاجتماعيّة وأنّه مولعٌ بالأمور الجاريةِ اليوميّة. يقول كونستانتين ليونتيف إنّ المثلَ الأعلى الاجتماعيّ عنده مطابقٌ للمَثَل العام الأعلى الاشتراكيّ في عصره وعصرنا ومخالفٌ لآراء ممثّلي الرجعيّة القديمة والمعاصِرة. يقول:

«إنّ الإنسان على سطح الأرض لا يحقُّ له أن يُعرض عمّا يجري عليها ويتجاهلَه، فثمّةَ أسبابٌ أخلاقيّة ساميَة تمنعُه من ذلك».

تأثّر ديستويفسكي بالفكر الاشتراكيّ الطوباوي من خلال جوزف فورييه، وأدركَ كما بيّنَ بعد أنّ الحضارةَ تقفُ على منعطفٍ تاريخيّ. آمنَ بأنّ الشعب ليس عتلةً ميتة، ولا هو سبّورةٌ نظيفة يحقّ للانتيليجنسيا الكتابةُ عليها. بل هو كائنٌ حيّ مستقلّ، وقوّةٌ تاريخيّة تتحلّى بالعقل والوعي الأخلاقيّ. أي إنّه ليس مادّةَ التاريخ بل صانِعُه، وهذه نظرةٌ ماركسيّة ترفضُ، مثلُها مثلُ ديستويفكسي، أن يُنظرَ إلى الشعب كمادّةٍ سلبيّة. وذلك خلافاً لعديد من المفكّرين الغربيّين الذين يحُطّون من دَور الجماهير والشعب.

اتّفَقَ ديستويفسكي مع الماركسيّة أيضاً في توحيد عقل وأخلاق الفرد الواعي والجماعة الإنسانيّة بعالمَها الأخلاقيّ الذي يحوي خبرةَ الأجيال وحِكْمتها. يُثبت ماركس وأنجلز أنّ من المستحيل إجراء أيّ تغييرٍ ثوريّ عميقٍ حقيقيّ في العالم من دون تعميق ورفْع مستوى الوعي الذاتيّ والتاريخيّ للجماهير. كما أثبتْا أنّ اتّحاد الفرد والجماهير من دون إلحاق أيّ خسارةٍ باستقلال كلّ منهما ممكنٌ بصورةٍ واقعيّة في مسار مشاركَتهما في التغيير الثوريّ للحياة معاً.

لكنّ ديستويفسكي دانَ بقوّةٍ كلَّ قهرٍ وسفْكٍ للدماء لتحقيق ذلك، ولهذا اتّهم بالاشتراكيّ الرجعيّ! وقد تنبّأ هذا العبقريّ بالثورة المقبلة في رواية «الشياطين» أو «الموسومون» (١٨٧٢) ودانها بالعنف الثوريّ سلفاً. ولعلّ مردّ ذلك لكونه مسيحيّاً يؤمن بالتضحية في سبيل الجموع. لكنْ أين نضع هذا المقتطفَ الذي يعترفُ فيه بتعذّر تحقيق ذلك:

«إنّ الإنسانَ لا يستطيع أن يعيشَ بنقاء، لا يستطيع أن يكونَ خيّراً بحقّ، ولا يمكنه تكريسُ حياته لرسالة المسيح، وهذا شيءٌ يجب أن نتصالحَ مع ذواتنا بسموّ حوله، عوضاً عن الغضب واحتقار الذات».

ولأنّ الإنسان لغزٌ غامضٌ يجب حَلّه، وضعَني ديستويفسكي في هذه الخانة من اللاجزم، ولا يزال بالنسبة لي لغزاً غامضاً وَجَبَ حلُّه بالكثير من البحث. مع شبه يقينٍ أنّ الكثيرَ وصل إلى الحلّ، فلربّما أجد ما أُضيف. لكي أقتربَ منه أكثر، سأحاولُ أن أكونَ شيوعيّةً روسيّةً كما في قول بوشكين «أن يصبحَ المرءُ روسيّاً حقيقيّاً، روسيّاً بمعنى الكلمة قد يعني فقط أن يصبحَ أخاً لجميع البشر، أي إنساناً عاماً». وكما قال أنجلز «لم تولد من العدم الأفكارُ الاشتراكيّة العالميّة في هذا العصر فهي ليست إلّا نتيجةً طبيعيّة ورَدَّ فعلٍ مباشراً في الوعي الإنسانيّ للفوضى التي تغمرُ تنظيمَ العالَم الاقتصادي والاجتماعي».

أتمنّى أن يحفزَ هذا المقالُ المتخصّصين والباحثين باللغة العربية على المزيد من التعمّقِ في هذا الموضوع الشائك. أمّا أنا فلكي أقومَ بدوري في الحكم والترجيحِ، فإنّي أتساءل: هل ديستويفسكي رفيقٌ، أم أنا ديستويفسكيّة؟

______________________

المراجع:

أندريه جيد، دوستويفسكي مقالات ومحاضرات، ترجمة إلياس حنّا إلياس، منشورات عويدات بيروت ، الطبعة الأولى ١٩٨٨

مجموعة من المؤلّفين، ديستويفسكي: دراسات في أدبه وفكره، ترجمة نزار عيون السود – منشورات الهيئة العامّة السورية للكتاب، ٢٠١٢

فريدريك أنجلز، الاشتراكيّة بين الخيال والعلم، ترجمة يوسف حوراني، منشورات دار مكتبة الحياة

مقالات ذات علاقة

العولمة العميـاء ومُعضلة التخلُّف!

خالد السحاتي

الصادق النيهوم… بين محاكم التفتيش ودواوين المحنة…

علي عبدالله

عن الصادق النيهوم الهيبي الذي كتب الكتاب الأخضر وعن كتابته

أحمد الفيتوري

اترك تعليق