الذكرى الأولى لثورة 17 فبراير - ميدان الشهداء
قصة

ميدان الشهداء

إلى إبنتي “رند” مستقبلا ملونا بعلم الاستقلال…

الذكرى الأولى لثورة 17 فبراير - ميدان الشهداء

>

شوارع عديدة ومستقيمة تؤدي إلى ميدان الشهداء… كل يوم في آخر النهار، تلبسني والدتي وتأخذ يدي الصغيرة في راحة يدها….. ننزل درجات العمارة الكائنة في شارع الشط (ادريان بلت سابقا) ثم ننعطف يسارا نحوميدان الشهداء. غالبا ما أرفض امتطاء العربة، أدعي رغبة في دفعها ثم اتملص من يدي والدتي وأهرع إلى الشباب المتجمعين على الكورنيش، أزاحمهم وأدخل رأسي بين عمودي الكورنيش الاسمنتي المستدير، أفتح عيني أرقب الموج وهوينكسر كقطع الكريستال الثمين على الجدار ويتناثر، فتصل بعض من حبيباته على وجهي، أغمض عيني، وأسحب وجهي بسرعة من بين العمودين وأعود لأمي مسرعة ومنتعشة بلذة الحدث.

تحاول أمي إقناعي بركوب العربة وتعدني بكل المغريات، وتسكب في أذني كلمات عذبة وتقبلني من خلف أذني وتحضنني ثم تضعني برفق في العربة التي أنزلق إليها بدعة وهدوء… كان الشارع مظللا بأشجار الزينة المخضرة الأوراق والمتشابكة الأغصان ونباتات “الدفلة” بورودها الملونة… نمر إلى جوار نافورة الغزالة، تتوقف امي قليلا وتطلب مني النظر اليها وهي ترش مياهها على جسد المرأة المستلقي.

نستأنف السير، فنصل إلى لسان اسمنتي يشق البحر، يقف عليه الصيادون بسناراتهم الطويلة، يمسكون بحبلها المتدلي بيد واحدة، يضغطون بأصابعهم على نهايته وهم يطعمونها بقطع من قالب الخبز المبلل، ثم يلقون بها إلى اليم…. تتوقف عربتي قليلا، أراقب المشهد وتفاصيله، ولا أفهم كيف تخرج الأسماك من المياه، ويهاجمني الخوف وأنا اراقبها عن كثب تنتفض وتتلوى حتى بعد الرمي بها في الدلو.

تحت سور السرايا الحمراء تصطف “الكراريس” تجرها الأحصنة بـأسرجتها والجمتها المزركشة وقد حجبت عيونها قطع من الجلد الأسود، ادور برأسي أحاول رؤية عيونها، يرتعد جسدي الصغير كلما ارتعدت أعناق الاحصنة وقرعت الأجراس المربوطة حولها….. تبطئ أمي العربة وتشير إلى الأحصنة وتكرر ذات العبارة “شوفي الحصان… شوفي الكروسة”….

في ميدان الشهداء، أهاب سور المبنى الأحمر ودائما ما تسترعى انتباهي الشرفة الصغيرة البارزة منه والتي لا يتناسب حجمها مع القلعة الضخمة… كان يحفر سورها نفق مقوس طريقا للسيارات يصل الميدان بباب البحر …. ثم مدخل آخر يؤدي إلى سوقي المشير والترك يعج بالداخلين والخارجين منه محملين بالأكياس والأقمشة والأمتعه أغلبهم من النساء.

تقع على طرف الميدان نافورة رخامية تقف على رؤوس تماثيل في شكل أحصنة، مياهها تميل إلى الإخضرار، وتسبح بها أسماك حمراء، محاطه بأشجار النخيل، تطل عليها عمارة شاهقة ذات اقواس يقع أسفلها دكان شهير للحلويات الشامية.

كان يتوسط الميدان عمارة ضخمة تمتد عرضا، لها بابين وعدد من المصاعد ويتوسطها منور كبير. أنزل من العربة وأمارس التزحلق على أرضية الرصيف الحمراء اللامعة، تمسك أمي بيدي وتدخلني على عجلة من الباب الواسع للعمارة، نصعد السلالم الرخامية الواسعه الهادئة، حتى نصل إلى بيت جدي…

مازلت أتذكر جيدا الصالون الأحمر وحجرة الأكل اللامعة عند المدخل، كان المطبخ يطل على منور واسع، أقف في شرفته وأصرخ بأعلى صوتي أنادي الجيران لأسمع صداه يصدح من جنباته ثم ينكسر كموج شارع الشط.

كانت الشقة في الدور العلوي، تطل على سطح العمارة الذي كان مشرعا للأصدقاء والأقارب في عيد الاستقلال، نتراص على حافة السطح، نتفرج منه على الاحتفالات والألعاب النارية التي كنت بقدر ما تعتريني الرغبة في النظر إليها وهي تتدلى بأعناقها الملونة نحوي، بقدر خوفي من صوت الانفجار الذي يسبقها…. وفي المولد النبوي الشريف تخرج الزاوية الكبيرة من مدخل سوق المشير بالدفوف والطبل و”السناسق” إلى ميدان الشهداء، يتغنى مريدوها بالرسول الكريم، تتهادى أجسادهم المغلفة بالجلباب يمنى ويسرى على وقعها.

وفي منتصف شهر شعبان تصل إلى الميدان فرق سيدي المكاري الآتية من زاوية الدهماني برقصاتهم ذات الأصول الافريقية وتنوراتهم البيضاء الطويلة وهي تدور بدورانهم، معهم بعض النسوة بفراريشهن الداكنة كلون بشرتهن، يتغنون ” هلا هلا يامدينة…هلا هلا ليل علينا” متجهين نحوحوش “القره مانلي” بالمدينة القديمة.

وفي ليلة الخميس يقف باعة عقود الفل والورود والياسمين في الميدان يبيعونها “للصدارات” و”العراسة”، وتمر من الميدان مواكب الأعراس يرتفع منها اصوات أبواق السيارات، يتغنى راكبوها “اجعل ليلتها مرتاحة…. زي طريق الملاحة”….

بين ليلة وضحاها توقفت الاحتفالات ومنعت الزوايا الصوفية من الخروج والإنشاد…. اختفت فرق سيدي المكاري و”القوديا” التي تمارس الطقوس، كما تلقى سكان العمارة المستطيلة انذارا بالرحيل حيث أزيلت بالكامل إضافة إلى جامع سيدي حمودة مجاور لهما، قيل في حينها أن البلدوزر – بقدرة قادر- تعطل أكثر من مرة عند الإزالة.

وهكذا تغير المكان. حلت ساحة واسعة محل العمارة الضخمة بعد أن هجرها قسرا سكانها الذين عاشوا معا لسنوات طويلة وانفرطوا، وطليت الساحة باللون الأخضر واستبدلت تسمية “الميدان” بــ”الساحة” و”الشهداء” بــ”اللون الأخضر” فأصبح اسمه الساحة الخضراء، لتشهد الساحة حرق الكتب والآلات الموسيقية، وخطابات الكراهية والتهديد والوعيد، والألبسه الكرنفاليه والنياشين، والاستعراضات العسكرية. وفي أغلب الاوقات كانت “الساحة” فضاءا مفتوحا تجلد ظهره الشمس طوال النهار وتنهكه الأمطار شتاءا حتى يبهت لونه. ثم تحولت لموقف للسيارات يستظل بظلها العمال الأفارقة يسترزقون من تنظيف وغسل السيارات. اختفت الأحصنة أونفقت، وأزيح تمثال سبتيموس من الميدان، وهدم اللسان الأسمنتي فاختفى الصيادون وسناراتهم وحلت محله بحيرة اصطناعية تمتلئ بالقاذورات الطافية على سطحها، أغلق القوس المؤدي إلى “باب بحر” ووضعت سيارة “فلكس واجن” سماوية عند مدخل متحف السرايا تذكرني بسيارة هتلر المرسيدس وكلتاهما المانيتا الصنع بحجة أنها من مقتنيات الانقلاب.

بهتت ألوان الساحة وبات سكان طرابلس يتفادون المرور بها، حتى مواكب الاعراس اختارت طرقا اخرى… كئيبة بلا نكهة، موقف للسيارات فارغ إلا من سيارات الموظفين بالمصارف الواقعة على حدود الميدان والتي يجلس تحت أقواسها العمال والمهاجرون الباحثون عن الأعمال الموسمية، يتحلق بعضهم حول النافورة الرخامية ينفثون الدخان ويعدون الساعات…

هكذا تحول وسط طرابلس النابض بصور شهدائها إلى خواء بأرضية خضراء في طريقها للزوال.

بعد أيام معدودة من الثورة… خرج الشباب متجهين جميعا إلى وجهة واحدة “ميدان الشهداء”، دفع بي الهتاف إلى خارج بيتي لا أصدق أذني، أخرجت بناتي ليستمعن معي… “أهم أهم الليبيين أهم” ! الوجهة كانت شرقا على طول الطريق الرئيسي… شباب حي الأندلس الذين كانوا قبل أيام يتحلقون حول المقاهي التي يعج بها الحي… يرتدون الثياب ذات “الماركات” العالمية ويملسون شعورهم بكريم “الجيل”… شباب حي الأندلس الذين يتناولون المأكولات الخفيفة ويتجرعون الكابتشينووالمكياطه… يجوبون الشارع الرئيسي المسمى “بالملهاد” بسياراتهم الفارهة على وقع الموسيقي الصاخبه ذهابا وإيابا، هؤلاء الذين كانوا يزاحموننا على الطريق ولا يتركون لنا مساحة… هؤلاء.. هم من خرجوا نيابة عنا جميعا… يطالبون برحيله ويحرقون صوره ومقاره في العاصمة التي يتحصن بها…وصلوا إلى الميدان فاشتعل حماسة بعد أن كان بحيرة من الطحالب الآسنه، وتجمع هناك شباب المدينة والظهرة وفشلوم وزاوية الدهماني وميزران وبن عاشور وقرجي والسياحية وسوق الجمعة وتاجوراء، وهومازال في قلعته الحصينة تصل إليه هتافات حناجرهم المبحوحة، فينتفض وأولاده يمسكون بخناق بعضهم البعض ثم يتفقون على إرسال كتائبهم المسلحة ورعاع لجانه الثورية لإفراغ الرصاص في حناجر شبابنا الذي لم يكن يملك إلا صوته.

أفرغوا الرصاص الحي فيهم كما اعتادوا كالهمج إطلاقه في غزوات أعراسهم……لم يستشعروا المدينة ولا المدنية، غم البحر صدورهم فردموه، وأزعجت السرايا الحمراء أبصارهم فنكلوا بالتجار الذين تتكأكأ دكاكينهم على أسوارها وصادروا أرزاقهم وبضائعهم، أهملوا مباني المدينة القديمة ونهبوا ميزانياتها حتى تصدعت مبانيها وانهارت وفرخ فيها سكان بوجوه مختلفة ولغات أعجمية وأزدهرت فيها تجارة المخدرات والدعارة….. لم يطالبوا سوى برحيله…. لا أكثر، بعد أن داس على كرامة الشهداء ونزع اسمهم من الميدان.

أفرغوالرصاص على الكلمات حتى تلك التي تمجد شهداء بنغازي ودرنة والبيضاء وطبرق والمرج…. وكلما تناثرت الكلمات من أثر الرصاص انشطرت وولدت كلمات أخرى تصطف إلى جوار بعضها البعض في اشكال وصور وجمل تخلب الأبصار والأسماع.

ثم خرج علينا في الميدان يرتدي قبعة بأذنين منكستين خلف أسوار القلعة… كان يصرخ ويهدد ويتوعد ودعى انصاره لإحتلال الميدان والبقاء فيه وحرمان سكان طرابلس منه…. تحول ميدان الشهداء إلى ساحة للمدمنين والمشردين ومرتادي السجون المفرج عنهم، وهكذا من ميدان للشهداء إلى ساحة للفساد… جفت النافورة… كما جف حلق السكان، وهجم عليها الظلام بشراسة كما هجم الكتائب بيوت الناس الآمنه، وعمت الخيام البنية والخضراء اللون الساحة، وخلف السكان الجدد بقايا الطعام والشراب وحبوب الهلوسة وأوراق السولفان والأبر والملاعق…..

ولم يهدأ لطرابلس بال حتى بعد أن ناضت “نوضة” التحرير…. وتحررت أغلب احيائها، إلا بعد أن وطأت أقدام سكانها ذاك اليوم رجالا ونساء واطفالا أرض ميدان الشهداء، ودارت دواليب سياراتهم التي كانت قد نضبت خزانات وقودها بحرية على اللون الأخضر الباهت…. دخلت نساؤها الميدان يحملن أعلام الاستقلال التي قطع الكتائب أيادي محيكيها، والتي خبأها أهل طرابلس تحت مخادعهم وهم يحلمون بيوم تتراقص فيه الإعلام على وقع الهتاف والدموع….

وفي يوم مشمس، وضعت ابنتي الصغرى “رند” على العربة وانطلقت بها في شارع الشط باتجاه ميدان الشهداء… كانت الاعلام ترفرف على طول الطريق… الهواء منعشا، والهتافات تأتي تباعا كالموج… حررت “رند” نفسها بنفسها من العربة وانزلقت نحوالرصيف… تملصت من يدي واخذت تجري نحوالميدان وهي تغني بصوت عالٍ… “معليشي شفشوفه… معليشي”.

17. 2. 2012

مقالات ذات علاقة

مسعود وأخواته

جود الفويرس

العالم ينتهي في طرابلس

عائشة إبراهيم

جريدة أمادو

المشرف العام

اترك تعليق