من أعمال التشكيلي بشير حمودة.
قصة

موت مؤجل

مروان بن جبودة

من أعمال التشكيلي بشير حمودة.
من أعمال التشكيلي بشير حمودة.

 

ولقد كنت تدرك بوضوح أن الأشياء ليست كما تبدو الآن أمامك , وأن ذلك الشيء الخفي الذي كان يربطك بهم قد تحطّم للأبد , وأنك غير مستعد بعد اليوم لتصحيح الأمور , وأنهم ليسوا إلا انعكاسات باهتة لذاتهم القديمة , و أنّ الحياة لديك انتهت وإنك لست إلا موت مؤجّل .
لماذا تتردد هذه الكلمات دائماً داخلك ؟ وخاصة كلما استيقظت في الصباح , بمجرد أن تفتح عينيك تردد شفتاك بلا إرادة منك هذه الكلمات وكأنها أصبحت نشيدك الصباحي اتجاه الحياة , صوت العصافير مزعج حقاً ويبعث على السأم ولا تعلم أي جمال في هذا الصوت .
ولقد كنت تدرك بوضوح أن الأشياء ليست كما تظهر الآن أمامك , وأن تلك المشاعر التي كنت تكنّها اتجاههم تسرّبت من داخلك , كالماء في وعاء ضخم موضوع على التراب به ثقب صغير , فتنسلّ منه المياه دون أن تشعر بذلك وتتوهّم بأنه لا يزال ممتلئ حتى إذا احتجت له ورفعته وجدته فارغ .
وأن ذلك الشيء الخفي الذي كان يربطك بهم قد تحطّم للأبد , أنت معهم ولست كذلك , تتحدّث إليهم ولا تسمع صوتك , تشعر وسطهم أنّك وحيد , إنك على خشبة مسرح , والظلام يحيط بك , أنت داخل هالة من الضوء , ضوء يظهرك ويحصي كل حركاتك وأنفاسك .
وأنك غير مستعد بعد اليوم لتصحيح الأمور , فعندما جلست معها بعد مطالبات حثيثة ورجاء منها , ذلك الرجاء المكلل بالدموع والأمنيات , كانت تتحدث طوال الوقت وأنت صامت أمامها تنظر ما ورائها , ورغم ذلك  تحاول أن تنفث دخان سجائرك بعيداً عنها , تقول لك ” ما بك ؟ ” وترد عليها ”  ما بي ؟ ” فتقول ثانية ” أنت لست هنا ” فتقول أنت ثانية ” أنا لست هنا ” فتهم بتركك فتمسك يدها برفق وتقول لها : ” إن الحرب .. إن الحرب هكذا لا بد أن تترك شيئاً “.

وأنهم ليسوا إلا انعكاسات باهتة لذاتهم القديمة , ” هل تعتقد انك الوحيد الذي تعيش هنا وتتأثر بالوضع  , انظر حولك كلنا نقف على ذات الجمر , فلا توهم نفسك وتضع العالم كله على ظهرك , إنك لا شيء ” تدير ظهرك إليهم , ليس كما السنين الأولى . بعد منتصف الليل تخرج من المنزل تتأكد أن الجميع نيام , تتسلل بحذر , تخرج للشارع والهواء البارد يصفعك , تحكم ياقة المعطف وتدخل كلتا كفيّك في جيبه , وبماذا يفيد المعطف , تمشي طويلاً , تمشي وتمشي و ملوحة البحر تحرق عينيك إذاناً على قربك منه , ليس البحر بعيد عنك , هو شارع وحيد يفصلك عنه , تتأكد من أن الحبل معك , في غرفتك تحت الضوء تأكدت من إحكام عقدته , ولكن على كل حال يجب دائماً أخذ الاحتياط , تمشي وتمشي , عبرت السياج القصير , عبرت ذكرياتك البعيدة , عبرت تلك الوجوه الكثيرة , الروائح والألوان , غاصت قدماك في الرمال , تحاول أن تسرع كأنك تمشي على الهواء , انتهت الرمال و جاءت الصخور , صخرة وراء صخرة , حفرة وراء حفرة وهدير الموج لا يتوقف , والأمواج تعلو وتعلو , والهواء يتشابك مع الماء حتى يصيبك الرذاذ بقوة , ولكنّك قررت أن لا تتراجع , فتصعد وتصعد , وفي نهاية الجرف الصخري ممر صغير , شق خلفته الآف الأقدام التي مرت من هنا , تقف في الأعلى وتواجه اندفاع الهواء , تمد ذراعيك و ترفع رأسك للأعلى , تتنفس وتتنفس , أنفك يزفر الهواء الساخن , لا تشعر به ولكن الأنف دائماً يخرج الهواء الساخن , تنظر إلى البحر , تنظر و تنظر , تتراجع قليلاً تخرج سيجارة من جيبك و تتكوم على نفسك لتشعلها , تسحب دخانها تسحب وتسحب ثم بعد ذلك تقرر العودة من حيث أتيت فلست إلا موت مؤجل.

مقالات ذات علاقة

أول

المشرف العام

قصص قصيرة جداً

خالد السحاتي

البخت

نورا إبراهيم

اترك تعليق