قصة

موت رجل عرس شعب

 

كنت أسير في أحد أهم شوارع طرابلس، بعد انتشار الخبر، الذي لم يتأكد حينها، عن مقتل معمر القذافي، صحبة ابني الأكبر حيان البالغ من العمر 17 سنة. كنا نسمع أصوات الأعيرة النارية المختلفة احتفالا وتهليلا  للخبر. كان حيان يقول لي، بثقة الخبير: هذا صوت آر بي جي، هذا صوت 14ونصف، هذا 24. ..، وكنا حين نسمع إطلاقات بندقية نضحك (لم تعد البندقية في ليبيا تعتبر سلاحا ذا شأن!!). كان حيان موجودا، مع أسرة جدته لأمه، في مدينة الزواية، وحين دخلها الثوار، في شهر أغسطس (رمضان)، وتركز على أحيائها قصف كتائب القذافي العشوائي لم يكن ممكنا إخراجه من هناك، فعاش أياما صعبة” ينام” و”يستيقظ” على وقع إطلاق النار، المعايشة التي أكسبته قدرة على تمييز أصوات الأعيرة النارية لمختلف الأسلحة أكثر، ربما، من قدرته على تمييز أصوات أقاربه وأصدقائه! كان يتحسر على أنه لم يحضر معه بندقيته الكلاشنكوف كي يساهم في التعبير عن الفرحة. ( منذ البداية كان متحمسا للتطوع والذهاب للقتال في الجبهات مع الثوار، غير أنني كنت أثنيه بحجة أنه قاصر وغير متدرب، لكن أمام إصراره وخوفا من أن يهرب في غفلة مني، رضخت لحل وسط يقضي بأن ينضم إلى المجلس العسكري بالحي ويشارك في حراسته).

قبل ذلك كانت الفرحة تعم المدينة بخبر تحرير سرت وكنت أجلس معه في مقهى صغيرة بحي زاوية الدهماني، القريب من وسط المدينة، حين صاح بعض الرواد مهللين بأن معمر القذافي قد مات وعلت أصوات التهليل والتكبير. أنا وحيان تشككنا بالخبر وكنا نخشى أن يتكشف عن أنه غير صحيح مثل كثير من الحالات السابقة عن أبناء القذافي سيف الإسلام وخميس ومعتصم. دخلت المقهى لأستطلع جهاز التلفزيون المفتوح وشاهدت الخبر مكتوبا على شاشة قناة الجزيرة التي تنسبه إلى مصادرها. الخبر غير مؤكد. سمعت شخصا يصيح في هاتفه: الكلب مات! الكلب مات! اقتربت من أحد الشباب المهللين الواقفين أمام المقهى وقلت له: أخشى أن يكون الخبر غير صحيح. قال بأنه يتمنى أن يكون صحيحا، ثم أضاف بأن المهم في الأمر هو تحرير سرت لأن ذلك يعني أن تحرير ليبيا قد تم.

ركبنا أنا وحيان سيارتنا وتحركنا. كانت الشوارع مزدحمة والهواء مشبعا برائحة وطاقة مشاعر النصر المنبعثة من أصوات أبواق السيارات وصيحات الفرح والتكبير الصادرة من حناجر الرجال والنساء والأطفال ورفرفة أعلام الاستقلال تلوح بها الأذرع النشطة من نوافذ السيارات والواقفين على الأرصفة والسائرين في الشوارع، وكلما اقتربنا من وسط المدينة كان الازدحام يزداد وبعض الشوارع منعت حركة السيارات فيها. وكان الثوار وأفراد الشرطة الذين ينظمون حركة المرور متهللين ويلوحون بالأعلام وإشارات النصر.

بعد أن وجدنا مكانا لإيقاف سيارتنا، نزلنا، وتمكنت أنا من مراقبة حركة الشارع بشكل أفضل.

كانت السيارات تزدحم بالراكبين المحمولين على أمواج الفرح القوية (بعضها كانت أسطحها أيضا مشغولة). على ظهر إحداها كان مجموعة من الشباب يغنون ويصفقون وواحد منهم يرتدي باروكة هائجة إشارة إلى تسريحة القذافي الشهيرة الذي يسمى” أبوشفشوفة(الشعر الأشعث غير المرتب)” نسبة إليها. شاب آخر يقف في ركن من ميدان الجزائر حاملا رسما كبيرا يمثل بورتريها للقذافي مرتديا زيا نسائيا ليبيا تقليديا. شابة صغيرة جميلة ترتدي ملابس نسائية عصرية تظهر بجذعها الرشيق من النافذة الخلفية للسيارة التي تقودها امرأة وفيها امرأتان أخرييان، يبدو أنهن نساء من أسرة واحدة، وتخاطب شبابا واقفين على الرصيف بتهلل طالبة من أحدهم ركوب السيارة معهن(الغالب أنه من نفس الأسرة). النساء من السيارات كن، على غير العادة، يلوحن للرجال المارين أو الواقفين على الأرصفة بإشارات النصر.

في ميدان الشهداء، كان الازدحام أكثر كثافة والأعيرة النارية أكثر ترددا وأعلى دويا. طلب مني حيان عدم دخول الميدان خوفا علي من الازدحام ورائحة المقذوفات النارية الخانقة، كما قال. سمعت صوتا يناديني باسمي، وحين التفت وجدت ثائرا شابا من الرجبان (يرتدي زيا عسكريا ويتأبط بندقية) أعرفه فسلمنا وتبادلنا التهاني وحديثا قصيرا حول آمالنا وهواجسنا بشأن مستقبل البلاد.

ونحن نعود بالسيارة كانت امرأة توزع الحلوى بالشارع على أفراد السيارات المارة. وعند مرورنا بإحدى البوابات طلب مني أحد الثوار الشباب بتهليل وأدب أن أشعل أضواء التنبيه البرتقالية، انتبهت حينها إلى أن معظم السيارات تفعل ذلك. على مسافات متقاربة بطول طريق السور المحيط بطرابلس (والذي اكتسب اسمه من السور الذي أقامه الإيطاليون لحراسة طرابلس من المقاتلين الوطنيين الليبيين) كان كثير من الأفراد يكبرون متهللين ويرشون المارة بالماء المخلوط بخلاصة زهر البرتقال، وهو طقس تقليدي يفعله الليبيون في حفلات عقد القران والزواج. أحدهم صاح وهو يرشنا بماء الزهر هذا: حياة جديدة! حياة جديدة!.

قال حيان:

تصور، موت رجل عرس شعب!

________________________________

* الأصل العربي (مع تعديلات طفيفة) للمقال الذي نشرت ترجمته الإنغليزية في The New York Times الجمعة 21- 10- 2011 تحت عنوان: In Tripoli, Blaring Horns and Shouts of Joy

مقالات ذات علاقة

كذبة فبراير

المشرف العام

دوامة السنين

يوسف القويري

المنفى

خيرية فتحي عبدالجليل

اترك تعليق