من أعمال الفنان التشكيلي رضوان الزناتي
المقالة

مواقع الحروف

ما يعجبني في الفيسبوك ويشدني إليه؛ هو أن ما تكتبه فيه لا يبقى، بل يموت في غضون أيام.

الكتابة ينبغي أن تموت حتى لا تفقد جمالها وهيبتها.. وحتى لا تكون كقطع النصوص التاريخية والأدبية التي نحفظها عن ظهر قلب؛ مجردة من ملابساتها وظروفها وأسبابها وظلالها وبيئتها وإيحاءاتها… وربما حتى من بعض حروفها أومعانيها!.
..
أجمل النصوص أقصرها عمراً، كما أن أجمل المخلوقات هي الورود والفراشات وقوس المطر، وليس ذلك بسبب ألوانها أو عطرها، فلو أطالت البقاء لكرهنا ألوانها، ولسئمنا عطرها، فالموت وحده هو الذي يُضفي على الحياة بهاءها جمالها.
..
أفضل وأجمل وأصدق الكتابات هي تلك التي كُتبت على رمال الشاطئ، وكلما كانت أقرب إلى المدِّ كانت أجمل، فالكتابة على الشاطئ هي وسطٌ بين الكتابة على الماء وبين الكتابة على الصخر..
ذلك لأن الكتابة على الماء وأدٌ.. أما الكتابة على الصخر فمحكومٌ عليها بالموتِ خلوداً، أو بالخلود موتاً..
أليست أجمل التماثيل هي تماثيل الثلج والشمع، وأحلى لقاء هو الموعود بالفراق، وأشهى الطعام قليله، وألذُّ الباه آخره، وأكرم الأحجار أندرها؟!
..
الموت له فضلٌ على كلِّ الكائنات.. والكتابة ليست استثناءً، فهي أيضاً كائن حي؛ يحيى في أذهان نُقَّاده، ويتنفس في عيون قُرَّاءه، ويأكل من أيدي شارحيه ومفسريه، ويمشي على بساطِ مادحيه، ويتشاجر مع شاتميه ولاعنيه.. ثم يموت فلا يُصلى عليه!.
..
الكتابة لا تُعمَّر طويلاً، فبعض الكتابات تموت قبل أن يجفَّ حبرها، وبعضها يعيش لأيام، وأرذل عُمر الكتابة لا يتعدى شهوراً!.
..
الكتابات التي نظنُّ أنها عاشت قروناً هي ليست كتابات، بل هي شواهد قبورٍ لتلك الكتابات، ولو بقي كُتَّابها أحياءً لتبرؤوا منها، ولتنكروا لها، ولربما لعنوها ومزقوها!.
..
الكلمة هي إبنة لحظتها ومناخها وبيئتها، وحين تُجرَّد من كل ذلك؛ تُصبح كمومياء لملكٍ من الملوك، في متحفٍ من المتاحف، بلا تاج، ولا عرش، ولا صولجان.. ولا حتى هيبة!.
..
الكلمة هي وليدة زمانها ومكانها، وأهل زمانها ومكانها، وآذان أهل زمانها ومكانها، وعقول أهل زمانها ومكانها، وثقافة أهل زمانها ومكانها، وهواجس ومخاوف وهموم ورغبات وأحلام وطموحات وآمال وآلام أهل ذلك الزمكان!.
..
ألا ترى أن الصدى لا يعيد لك كلماتك كاملة، بل يعيد لك آخر حرفين من كل كلمة، لأن الأحرف الأولى ماتت في أذن الصدى، ليسمح لآخر حرفين أن يموتا في أذنك!.
..
الكتابة تنفد، ونفادها مغادرتها لزمانها، ورحيلها عن وقتها، وتجاوزها لعمرها الافتراضي.. القصير جداً!.
وعمر الكتابة القصير جداً، هو سرُّ جمالها..
ولهذا.. أحببت الفيسبوك، ورمال الشواطيء، والجليد…
والغبار المتراكم على زجاج سيارتي!!.

مقالات ذات علاقة

عن الأجيال والأحوال

أمين مازن

دروس تونس الثلاث: الحياة، الثورة والوفاق

أحمد معيوف

تجربة رائدة ومميزة…!!

عطية الأوجلي

اترك تعليق