المقالة

من وحي عرفة

عرفات (الصورة: عن الشبكة)

عرفة: يوم مشهود وموعد منتظر يترقبه كلا منا بلهفة وشوق، يدعو ربه أن يكون في يوم عرفة على جبل عرفة يهتف بذلك النداء الرائع لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

هناك على ذلك الصعيد الطاهر سويعات من التجلي -لا تقدر بثمن – من الأنس والقرب، تصعد إلى تلك البقعة المباركة فترتفع إلى عليين تنقى، تتزكى، فتتلقى، سكينة، طمأنينة، نفحات، رحمات.

تنظر من حولك إلى ذلك الصعيد لتجد ملايين متراصة متزاحمة أتت من كل حدب وصوب وجاءت من كل فج عميق، كلها تقر بضعفها وقلة حيلتها، تجأر إلى الله على تعدد لغاتها واختلاف أعراقها، إنها الأمة الواحدة رغم تنائي الأقطار وتعدد الأمصار، إنها أمة التوحيد، ربها واحد، كتابها واحد، نبيها واحد، وحدتها الرسالة وجمعت بينها أخوة إيمانية علت بها عن علائق طينية ومصالح آنية.

عرفة يوم للمعرفة والتعارف، للاعتراف والعرفان، معرفة أعمق وأصدق لأنفسنا وأحوالنا، فإذا بنا نقر بأننا المقصرون، المذنبون أصحاب المعاصي وأرباب الهوى، نعرف ونعرف أكثر والمعرفة بالداء أول الخطوات نحو العلاج.

نعترف بأننا مليار وثلث المليار أو نزيد لكننا في الميزان لسنا سوى غثاء كغثاء السيل، نحن في حالة بعد وإبعاد، نحن في دنيا الناس مهجرون لاجئون، أراضينا مسلوبة، أعراضنا منتهكة، مدننا مدمرة، يحكمنا من هم فينا وليسوا منا، بأسنا بيننا شديد، قلوبنا شتى، ورؤانا مختلفة.

في هذا اليوم نعترف ونعترف ونعترف، نعترف أننا جاوزنا حدودنا وظلمنا أنفسنا وهونا شرعنا فهنا عن الناس وتخلفنا عن الركب.

نعترف أن من بيننا من يظلم ويتجبر، من يتعالى ويتكبر، من نسي الله فأنساه نفسه، فهل بعد الإقرار والاعتراف من عودة إلى الحق وتمسك بحبل الله والسير على هداه.

هل من وحدة للصف بعد تشتت وقيام لدولة العدل في أنفسنا وأسرنا وأوطاننا، هل من رجوع إلى الصراط المستقيم والدرب المبين، هل من غيرة على محارم الله وتغير لأنفسنا حتى يغير الله ما بنا.

وللعرفان في عرفة طعم خاص إنه إقرار واعتراف بنعم الرحمن واله العظام، وهو يوم ذكر وشكر حمدا للرب المتعالي أن وفقنا للخير وهدانا للطاعة ووعدنا بالمغفرة وأنزل علينا رحمته ورزقنا من فضله العظيم، وللعرفان دلائل وإمارات، لعل أبرزها استخدام النعم في الطاعات والسير في درب الصلاح والإصلاح.

ومع العرفان والاعتراف يأتي عرفة ليجسد لغة التعارف، تعارف بيننا وبين الله، وتعارف مع أنفسنا، وتعارف مع واقعنا، وتعارف بين أبناء الأمة الواحدة لعلهم يجتمعون على القواسم المشتركة بينهم -وما أكثرها -وينبذوا الفرقة والخلاف ويعودوا لصفاء التوحيد ووحدة الصف.

ونحن لا نعترف بأنفسنا فقط بل إن اعترافنا يتجاوز حدودنا فنعترف بكل البشر مهما اختلفوا عنا جنسا أولونا، ديانة أو عرقا

نعترف بهم ونتعارف معهم نمد نحوهم جسور التواصل ونتعاون معهم على البر والتقوى مرددين بين جنبات الكون تلك الآية الكريمة: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم  ) , فالتمايز عندنا والتميز لدينا يكون بالإيمان والعمل الصالح لا بالجنس واللون والعرق , في المقابل ونحن نعترف بالآخر ونعزف معزوفة التعارف وننشد منظومة للتعاون مع بني الإنسان مذكرين بكرامته في آية من كتاب الله نتلوها على العالمين يقول فيها المولى تبارك وتعالى : ( ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا )

في المقابل نريد من العالم أن يعترف بنا كأمة لها ثوابتها وقيمها ولديها هوبتها ورسالتها فلا يطلب منا أن نذوب في ثقافات أخرى ولا يراد منا أن نبدد قيمنا ونتجاوز شرعنا ليرضى عنا ويدخلنا في دائرته التي يسميها متحضرة.

فنحن نحترم خصوصية الآخر ولا نكره أحدا على شي من أمرنا ولسنا سوى دعاة نبغي الهداية له ونرجو الإصلاح لشانه

فيا أيها الأمم اعتراف وتعارف، تألف وتعاون، تنافس وتكامل هو ما نقدمه لكم لنصنع معا فسيفساء حضارية منسجمة لصالح الإنسانية، ذاك هو نداءنا الذي نؤكده ونعيد إرساله لكم في يوم عرفة ونحن نعلوا بالإنسان أن ينحني أو يخضع لغير الله فنصدح بأصواتنا في يوم الموقف العظيم: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك.

ويا أيها الأحباب في يوم عرفة ونحن وقوف على جبل عرفة أجسادا أو أرواحا لنكن أصحاب معرفة واعتراف، لنكن أهل تعارف وعرفان ولنجدد العهد مع الله أن نكون أرباب همم عالية وغايات نبيلة ولنسعي أن نأتيه بنفوس زكية وقلوب سليمة.

مقالات ذات علاقة

سيميوطيقيا ليبية

سالم العوكلي

عندما حنطنا الملك الصالح

محمد عقيلة العمامي

ازمة قيادة ام غياب إرادة

المشرف العام

اترك تعليق