من أعمال التشكيلي الليبي .. علي العباني
قصة

من وحي حياة وشخصية وروحانيات الراحل الكاتب الصحفي بشير كاجيجي

قصتان من وحي حياة وشخصية وروحانيات الراحل الكاتب

الصحفي الاستاذ بشير كاجيجي

قصتان قصيرتان من وحي حياة وشخصية وروحانيات الصديق الراحل الكاتب الصحفي الاستاذ بشير يوسف كاجيجي، احدهما منشورة في كتابي قصص من عالم العرفان، ذكرني بهما ابن الراحل الكريم الاستاذ محمد كاجيجي وطلب مني ان ازوده بهما، ورايت نشرهما، تذكيرا لاصدقاء الصفحة بشخصية مرت بهذه الحياة كانت مثالا للشفافية وجمال الروح، وقوة المحبة للناس والاندفاع بلا تحفظ في طريق الخير وخدمة الاخرين، لكي نتلمس في جمال شخصيته القدوة والمثل الذي يحتدى، رحم الله الراحل بشير قاجيجي واكرم وفادته عليه في دار البقاء ونفعة ببراكاته عليه رضوان الله.

د. أحمد ابراهيم الفقيه

موت يليق بصاحبه

(إلى روح الإنسان الجميل والصديق العزيز الراحل الزميل الصحفي الأستاذ البشير كاجيجي)

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

يذكر صاحبه عياد الطاهر الذي رافقه في رحلة علاج إلى عمان في الأردن، إن البشير يوسف كاجيجي لم يكن في خطته السفر ولديه التزامات في طرابلس تستوجب منه البقاء، بينها انتظار ابنه العائد من كندا لقضاء بعض الأيام في طرابلس، بينما كان عياد قد بدأ بناء على نصيحة أحد أطبائه بتهيئة نفسه للسفر إلى عمان، مستهلاً هذه الإجراءات، بتحرير نماذج التأشيرة وتقديمها مع جواز السفر إلى القنصلية الأردنية، توطئة لتحديد موعد السفر، وشراء التذكرة، وسأله صاحبه البشير كاجيجى عرضاً، عمن سيرافقه من أسرته، في هذه الرحلة، فاكتشف أن صديقه سيسافر بمفرده، لأنه لم يجد أحداً من رجال الأسرة متحرراً من المشاغل بحيث يتيسر له مرافقته، ولم يجد هو أن حالته تقتضي أن يصر على إيجاد هذا المرافق، حتى لو أرغم ابناً من أبنائه الكبار، على أخذ إجازة طارئة لهذا الغرض، فهو قادر على رعاية شئونه وقضاء احتياجاته بنفسه، والذهاب في رحلة العلاج دون عون من أحد. وهنا بدا البشير بمراجعة ظروفه والتزاماته، التي توجب عليه البقاء، ويرى أنه يمكن إعادة ترتيب الأمور، بحيث يوفق بين السفر إلى الأردن، وبين التزاماته المحلية، فابنه القادم من كندا، باق مدة تتيح للأب أن يسافر، ويعود أثناء وجوده في البلاد، ومسائل أخرى تحتمل التأجيل، وحبه للسفر والترحال يدعوه لأن ينظر بجدية في مرافقة صديقه في هذه الرحلة، فهو من ناحية يخفف عبء السفر على صديقه، ويضمن لنفسه صديقاً يحبه ويفرح بصحبته وقضاء الوقت معه، ومن ناحية ثالثة يستطيع وهو في هذه السن المتقدمة، أن يقوم ببعض الكشوفات والمراجعات الطبية في مدينة هي عمان، صارت مركزاً من مراكز العلاج، تتنامى سمعته الطيبة، وصيته الذي يوحي بالثقة والاطمئنان، بسبب ما يلقاه الناس من عناية واهتمام وخدمة، تجعلهم يلهجون بالثناء عليه، وينقلون رضاهم عنه إلى الآخرين، وكان عياد سعيداً بهذا القرار الذي وصل إليه صديقه البشير، شديد الامتنان لهذه الأريحية التي تصرف بها، في حين كان شرط البشير على صاحبه كما يقول عياد، هو أن يحرص حرصاً كاملاً على سلامته، وهو في أرض الغربة، وألا يرغمه على أن يعود به في تابوت، كما يحدث كثيراً مع الذين يرافقون المرضى في رحلات علاجهم، فهو يريد أن يطمئن أنه لن يتعرض لمثل هذه الصدمة، أو أن يمر بتجربة عنيفة مؤلمة كهذه التجربة التي يعيشها المرافق عندما يموت المريض في أرض الغربة، بينما تقتضي المروءة أن ينتظر بموته إلى حين العودة إلى بلاده لكي يموت فيها، مصراً على أن يأخذ عهداً من عياد، بأنه لو حانت منيته، فإنه يجب أن يسعى لتأجيلها، حتى يعود إلى طرابلس، ليجنبه مأساة أن يكون شاهداً على مثل هذا المصير للصديق الذي يسافر معه، وكان عياد حسب قوله يعيد إليه طلب هذا التعهد، راجياً منه أن يستخدم ما لديه من جاه عند الله أن يعينه في العودة إلى أهله سليماً بعد هذه الرحلة، لأنه يعرف أن البشير كاجيجي ليس بعيداً عن الجوانب الروحية والصوفية، وكان شاهداً على كثير من كراماته وقدرته على معرفة أسرار كتلك التي لا يعرفها إلا أهل الكشف والرؤيا، ويستطيع بما يتمتع به من قربى لدى الله، وما له من حظوة لا يعرفها إلا أهل الولاية من أمثاله، أن يضمن له ذهاباً وإياباً سليمين من رحلة العلاج إلى الأردن. ويعترف عياد بأن سبباً من أسباب فرحه بمرافقة البشير كاجيجي له، أنه يعرف هذه الجوانب الروحية الثرية الغنية لديه، ويتفاءل بوجوده معه، ويرى في هذا الوجود، أن رحلة العلاج ستكلل بالنجاح بفضل الله وما يتمتع به البشير من جاه لديه. وكان البشير ينكر إنكاراً كاملاً أن له مثل هذه القدرات الروحية أو هذه الولاية، ربما كغيره من أهل الصلاح أمثاله، ولكنه كان يحب الحديث عن أصحاب الكرامات من أهل الله، وكان يقول دائماً إنها طاقة يبذلونها لتحقيق طلبات الناس الذين يقصدونهم بطلب الشفاء أو النجاة، فالرجل الصالح لا يستطيع أن يقضي هذه المصلحة إلا ببذل جهد من صحته، فهو يشفيك ولكنه يستنزف من طاقته ما يجعله مريضاً، وهو ينجيك من الهلاك، إلى حد أن يستهلك طاقة قد تؤدي إلى هلاكه، ويرد على رجاء صديقه عياد أن يعيده آمناً سليماً إلى أولاده من رحلة العلاج، قائلاً إن مثل هذا الرجاء لو توجه به لرجل من أهل القدرات الروحية، فكأنه يسأله أن يشفيه وينجيه من الهلاك ليمرض ويهلك هو، لأن بعض هؤلاء الناس يموتون فعلاً في سبيل إنقاذ إنسان عزيز من الهلاك، ثم يختم كلامه بحمد الله وشكره أنه ليس من أهل هذه القدرات الروحية ليفتدي صديقه عياد بحياته، فيعيده لأسرته سليماً بينما يذهب هو للقاء مولاه.

واكتشف عياد، وهو يصل رفقة البشير إلى عمان ميزة أخرى لم يكن على علم بها، وهي أن البشير الذي عمل في فترة من حياته مستشاراً إعلامياً في سفارة ليبيا في بغداد، يتمتع بحجم من العلاقات والصداقات يعود إلى تلك الفترة مع عراقيين وجدهم الآن قد انتقلوا إلى عمان، ومع أردنيين خاصة من أعضاء الوسط الصحفي كانوا يتخذون من بغداد مركزاً لاتصالاتهم، وأن هذه العلاقات جعلته قادراً على انتقاء أفضل الدكاترة، والحصول على تسهيلات في الأسعار، والإقامة في المستشفيات، وفوق هذا وذاك دعوات تنهمر عليهما بلا حصر لتناول وجبات الغداء والعشاء، وحضور حفلات الشاي، بل وحفلات رسمية ومناسبات إعلامية يدعوه إليها أهل الإعلام والصحافة، وكان عياد الذي يسافر للعلاج من أمراض الحساسية التي سببت له ضيقاً في التنفس، يسافر على حسابه الخاص، ويهمه اختصار المصاريف إلى حدها الأدنى، وكان خائفاً ألا يكفي المبلغ الذي استطاع توفيره وسافر به للعلاج لتغطية كل مراحله، مستعداً أن يترك المرحلة المتبقية إلى رحلة أخرى يقوم بها، بعد أن يكون قد نجح في توفير ما تحتاجه من مال، ولكن مع هذه التسهيلات والمساعدات، فإن النقود تكفي كل مراحل العلاج بل تفيض ويبقى ما يعود به منها إلى البلاد، وهو يعزو هذا التوفيق إلى وجود البشير كاجيجي معه، وما يمضي في ركابه من خير وفلاح.

وكانت المراجعات التي يحتاجها البشير كاجيجي يسيرة سهله، وجعلت لها العيادات الأردنية، بسبب كثرة الطلب عليها، روتيناً واضحاً محدداً لا يأخذ غير يوم واحد يكون خلاله المريض قد أكمل فحوصه، كما حدث مع البشير الذي كان سعيداً لأن الكشف أظهر أنه يتمتع بصحة جيدة وأن كل أجهزة جسمه تعمل بكفاءة عالية، مع حقيقة أنه لم يترك عضواً في جسمه إلا وأخضعه لهذا الكشف قلباً ومخاً وطحالاً وكبداً ورئة واوعية وأوردة وبنكرياس وبروتوستاتا وأمعاء ومعدة ومسالك بول ومرارة، وجاء إلى صديقه عياد يتباهى بما أنعم الله عليه من صحة قائلاً: حمداً لله كل شيء تمام، لكي تعلم أنني لم أكن أحتاج للمجيء إلا لكي أكون عوناً ورفيقاً لك.

أكمل رفيقه عياد الطاهر مراجعاته وعلاجه، وتزود بالأدوية التي يحتاجها لأمراض مزمنة مثل السكر وضغط الدم العالي، وحان ميعاد العودة إلى البلاد، إلا أن البشير، الذي عاش فترة من عمره في مصر، قال لصاحبه، إنه سيكون خجولاً من نفسه إذا ركب طائرة تعود به إلى ليبيا، عبر الأجواء المصرية، دون أن يهبط في مصر، ويبقى بها عدة أيام، يزور خلالها ضريح أمه، ذات الأصل والمنشأ المصري، ويلتقي بعدد من أحبائه المصريين، فمصر – كما يقول دائماً – هي وطن القلب بالنسبة له، ولم يكن عياد يمانع في أن يقضي أياماً للفسحة في مصر مع صديقه، ولكنه يرتبط بعمل لا يريد أن يغيب عنه طويلاً، فاشترط ألا تزيد هذه الزيارة إلى مصر عن ثلاثة أو أربعة أيام، وأضاف قائلاً لصديقه بأنه أوفى له بالتعهد الذي طلبه منه بألا يموت أثناء رحلة العلاج في الأردن وتوريطه في أعباء نقل التابوت الذي يحمل جثمانه في رحلة العودة، لكن الإضافة التي يقترحها وهي زيارة مصر، تأتي خارج هذا التعهد، فهو لا يضمن إذا دخل زحام القاهرة ألا يصاب بعدوى مرض من الأمراض، بسبب حساسيته وهشاشة صحته، وأمراض الجهاز التنفسي القابلة لالتقاط العدوى، ولذلك فهو لن يستطيع أن يستمر في هذا التعهد أبعد من مغادرة الحدود الأردنية. فطمأنه البشير إلى أنهما يومان للفرح والتسلية، يقضيانهما في ضيافة الأصدقاء، ولن يتهدد حياة صديقه أي خطر بعون الله.

وفي القاهرة، كان هناك صديق من أصدقاء البشير ينتظرهما بسيارته في المطار، لينقلهما إلى الشقة المفروشة بمنطقة وسط البلد، التي اعتاد البشير على تأجيرها، ويحكي رفيقه عباد الطاهر، الذي يعرف مصر، وعاش فيها سفيراً لمدة عامين ونيف، أن تلك الأيام الثلاثة كانت أجمل إجازة قضاها في حياته، مرح وضحك لا ينتهي، وكان للبشير مجموعة ممن يسميهم شلة الأنس، فنانون شعبيون، يتحلقون حوله، كلما جاء إلى القاهرة، أحدهم كان يحمل آلة موسيقية هي العود، يتخصص في عزف وغناء الأغاني والطقاطيق القديمة، والمنولوجات الضاحكة، أما بقية أعضاء الشلة فهم من أهل النكتة والإضحاك، يرسلون الدعابات والقصص الساخرة على السجية، فتأتي طازجة عفوية، مثل تلك الحواريات التي تسمي في مصر “القافية”، وتعتمد على تكرار كلمة “ايشمعني”، وكان للبشير أصحاب من مشاهير أهل الصحافة المعروفين بخفة الدم، بينهم محمود السعدني وكامل زهيري، ممن يحبونه ويحضرون كل ليلة هذه السهرات، ويدخلون في قافية مع أعضاء شلة الأنس، على غرار دعابة تقول:

ــ حماتك؟
ــ اشمعنى؟
ــ دخل ثعبان إلى غرفتها، وعندما رآها ارتعب صارخاً الحقوني.

فتأتي الإضافة من أحد الضيوف الصحفيين قائلاً” “يستأهل، مين اللي قال له يدخل؟”

كما أن لديه أصدقاء من أهل الفن نساء ورجال، وكان عياد شديد الاندهاش، كيف تأتي لصديقه أن يعرف هذه النجمة أو هذا النجم، وكلهم لا يتحرجون من المشاركة في التنكيت والغناء والرقص، وكان خط الهاتف مفتوحاً مع مطعم المشويات المعروف “أبو شقرا” ليأتي بأطباق الكباب والكفتة، على امتداد ساعات السهرة، وهناك خادمة تقوم بخدمة أعضاء السهرة وإحضار فناجين الشاي والقهوة لمن لا يستسيغ شرب الكحول مثل أعضاء شلة الأنس. وكان عياد يخشى أن تزيد النفقات عن النقود الموجودة في حوزتهما، ولكن البشير كان يسدد حساب المطعم وحساب المشروبات، يوماً بيوم دون أن يسأل صاحبه المشاركة في الدفع.

في اليوم الرابع صحا البشير مبكراً، رغم أن السهر تأخر كثيراً في الليلة الماضي باعتبارها ليلة توديع الأصدقاء، لأن موعد العودة إلى طرابلس، يحين مساء هذا اليوم، وهذا الاستيقاظ المبكر استدعاه واجب زيارة ضريح الوالدة في مقابر سيدنا الشافعي، كما تعود أن يفعل كلما جاء إلى القاهرة، وعندما عاد كان يحس بشيء من الإرهاق، فاستأذن في أن يتمدد فوق الكنبة بملابسه، ليأخذ إغفاءة يعوض بها سهر البارحة، قائلاً لصاحبه إنه كلما ذهب لزيارة أمه أحس بها تطلب منه أن يبقى معها، فقد طالت مدة فراقهما عن بعضهما، وكان دائماً يجد الأعذار لتأجيل هذا البقاء، إلا أنه هذه المرة أحس بطلبها يأتي أكثر إلحاحاً وقوة، ربما لأنه تأخر كثيراً في تلبية ما تريده منه، فسأله عياد أن يترك المزاح في مثل هذه المواضيع، وغادر الشقة لشراء بعض الصحف والمجلات لكي يتسلى بها في الطائرة وأثناء انتظارها، وعاد ليهاتف المطعم طالباً الغداء، تاركاً صاحبه يستغرق في إغفاءته، وعكف على ترتيب الشنطة، وجاء الطعام من أبي شقرة، واهتمت الخادمة بوضعه في الصحون على طاولة الأكل، قبل أن يتجه عياد لإيقاظ صاحبه، وعندما اقترب منه ظنه لم يكن نائماً، لأنه وجد ابتسامة كبيرة تغطي كامل وجهه، إلا أنه لاحظ عينيه المغمضتين، فأدرك أنه مازال نائماً رغم الابتسام، وهزه من كتفه قائلاً: “إنك تضحك وأنت نائم، فلابد أنك مستمتع بأكل الأرز باللبن مع الملائكة”.  وعندما رآه ثقيلاً في نومه لا يستجيب بسرعة لهزات كتفه، أضاف قائلاً، وبصوت أكثر ارتفاعاً: “هيا انهض، وستجد أن كباب أبي شقرا لذيذ أكثر من طعام الملائكة”.

لم يتحرك البشير، فهزه بأكثر قوة، قائلاً له إذا كانت هذه دعابة من دعابتك، فإنها للأسف تأتي ثقيلة هذه المرة، أرجوك أن تنهض لأن هناك سفراً وراءنا، ولا وقت لمثل هذا الهزار. وكانت الخادمة تقف في مكان قريب، فتحركت تستطلع ما يحدث وعندما رأت حالة القلق التي انتابت عياد، جاءت هي أيضاً تشارك في إيقاظ البشير بأن شدت يده وذراعه، وأصابتها حالة فزع عندما لم تجد استجابة منه.

بعد أن تجاوز صدمة المفاجأة، أدرك عياد الطاهر، أنه تلقى إشارات كثيرة من صديقه، تؤكد أن زيارة القاهرة لم تأت من فراغ، وأن رغبة أن يبقى مع أمه في فراديس السماء، لم تولد هذا الصباح عند زيارته لها، ربما من قبل أن يتحرك من عمان، لقضاء أيام في القاهرة، بل هي موجودة ربما قبل أن يتحرك من طرابلس، وهو يتحدث عن التابوت الذي لن يتحمل مسئولية نقله إلى طرابلس، وتوقف كثيراً أمام مقولة إن صاحب القدرات الروحية، لكي ينجي إنساناً من الهلاك، قد يتسبب في هلاك نفسه، فهل كان البشير بهذا الموت الفجائي، يفتديه هو، هل ضمن له العودة سليماً إلى أسرته لكي يلاقي هو حتفه، إنه احتمال لا يمكن أن يغادر ذهنه، ولاشك أن ما خفف كثيراً من الإحساس بالفقدان ومأساة الموت لدى زميله عياد هي تلك الابتسامة التي رآها تملأ وجهه عند وفاته، إنه بالتأكيد موت يليق برجل مثل البشير قاجيجي عاش في سلام مع نفسه ومع العالم ومات موتاً هانئاً سعيداً كما عاش.

الفساد الآخر

(الى روح الصديق الراحل الاستاذ الصحفي بشير كاجيجي، رحمه الله، اهدي هذه القصة التي كان صاحب الفضل في احداثها)

من أعمال التشكيلي الليبي .. علي العباني

لم يكن اسمه فقط الذي يؤهله لهذه المهمة، بما يوحي به من بشر وبشارة، ولكن خصالا كثيرة غير اسمه البشير ابو البشير، جعلته يحظى باجماع ابناء وبنات دفعتنا لان يكون هو منسق الاتصال بيننا بعد  ان وصلنا الى ختام  تلك الدورة الدراسية التي استمرت لمدة عامين،   في ضاحية من ضواحي القاهرة، ومعهد اسمه المعهد الدولي لتنمية المجتمع، اقامته اليونسكو لتاهيل كوادر وخبرات في تنمية المجتمع بين العاملين في الدولة، فكل الموفدين ممن ضمتهم البعثة منتسبين للجهاز الحكومي في مختلف اقطار الوطن العربي، وكلهم في مقتبل سن الشباب، اشتركوا في هذه الدورة ليتولوا قيادة العمل التنموي وتنفيذ الخطط التي تضعها حكوماتهم .  واهم هذه الخصال انه رجل اجتماعي بالطبع والسليقة، محب للناس، مقبل على الحياة، بارع في صناعة الاصدقاء، تربي منذ طفولته وسط الحركة الكشفية، حيث كان والده قائدا كشفيا،   وتطور في مراتبها حتى تبوأ اعلى درجاتها، وقد غرست فيه الكشفية حب السفر والاختلاط بالمجتمعات، والاعتماد على النفس، وخلقت له علاقات في مختلف البلدان، التي تنقل بينها شرقا وغربا دونما كلل ولا ملل، واتاح له عمله في الصحافة  اشباع هذه الهواية، فان لم يجد مهمة يسافر فيها على حساب الصحيفة، سافر على حسابه الخاص، وهو لا يعجز عن ذلك، يضع الكاميرا على كتفه وقليل من النقود في جيبه، واكثر من بطاقة تتيح له الاقامة في بيوت الشباب اذا تعذر   وجود ما يكفي من النقود للاقامة الفندقية الفاخرة، والسفر بحرا او برا اذا تعذر المال لشراء تذاكر الطيران، وباعتباري ابن مدينته طرابلس وانتمي لنفس مهنته الصحافة وكنت مبعوثا معه في نفس البعثة،  فقد كنت اكثر  الرفاق اتصالا به وانتفاعا بعلاقاته واتصالاته، ورغم مرور عدة اعوام على تخرجنا، من تلك الدورة في  منتصف الستينيات، تربو ربما على خمسة اعوام،  فقد ظل خيط الود موصولا بين كل اعضاء وعضوات تلك البعثة ويبلغ عددهم خمسين شخصا من بلدان المشرق والمغرب العربي،   لان البشير كان مثابرا ومجتهدا في نقل الرسائل، وابلاغ بعضنا بعضا بتجدد العناوين والهواتف، وتزويدنا بما يستجد ويطرا على حال العضو اوالعضوة فنبادر بارسال التهنئة اذا كانت المناسبة فرحا والتعزية اذا كانت  ترحا، ورايته ذات يوم يفاتحني في استصدار نشرة اسمها الرابطة، فابديت حماسي لها وترحيبي بصدورها، ظنا مني انها نشرة تطبع على الالة الكاتبة على طريقة ما يسمى الماستر، ولكنني وجدته يقول انه سيطبعها طباعة الصحف، وعندما ابديت احتجاجي على تحمل هذه المسئولية التي ستكلفه انفاقا فوق الجهد والوقت، هون من الامر قائلا انها ليست الا نشرة صغيرة في اربعة اوراق حجم الفولسكاب،  وسيجعلها فصلية، وقد حسب كلفتها ووجد انها لا تزيد على بضع جنيهات في مقدوره توفيرها من راتبه الشهري، وكل ما استطعت فعله هو اقناعه بان اتقاسم معه تكاليف الطباعة تاركا له تكاليف التحرير ثم الارسال وما يحتاجانه من جهد ووقت،  وهو انفاق سوف يضاف الى ما يتكلفه من مصاريف اثناء هذه الاتصالات والمهاتفات والرسائل، علاوة على ما ينفقه من وقت عندما يسافر الى هذا البلد او ذاك في الاتصال بهؤلاء الاصدقاء وتفقدهم في اماكن اقامتهم او عملهم واستئجار سيارات الاجرة او استخدام المواصلات العامة لتحقيق هذا اللقاء والتواصل، ولم اره يوما يشكو اويطالب احدا بان يساهم معه في تغطية هذه المصاريف، لانه يقول بانه عمل سيقوم به حتى لو لم يكن تكليفا والتزاما، انه هواية وحب للتواصل مع الناس، وهو سعيد لان لديه هذه الشبكة من الاصدقاء يتواصل معها اثناء سفره بدلا من ان يبقى وحيدا يجتر الوحدة والضجر في بلاد غريبة لا يعرف اهلها،   ولم يكن غريبا ان نجده قد سعى لاحضار احد هؤلاء الاصدقاء الى طرابلس، وجاء يدعونا لعشاء او غذاء يقيمه على شرفه في بيته، فبسبب عمله الصحفي كان قريب الصلة  من هذه اللجان التي تقيم الندوات والمؤتمرات فاذا وجد ندوة قريبة من اختصاص احد الاصدقاء، اسرع فقدم اسمه وعنوانه ودبر له دعوة لزيارة ليبيا مدفوعة تكاليف السفر والاقامة.

وبين بلدان العالم كانت اقطار الوطن العربي، هي التي تحظى بالاولوية في رحلاته وزيارته، ثم انه اختار قطرا من هذه الاقطار العربية ليعطيه الافضلية الدائمه في زيارته، هو المملكة المغربية، ربما لان المغرب كانت اول بلد يراه في حياته بعد بلده ليبيا، بل ويضيف انه عندما سافر وهو  في سن المراهقة، اتاح له جو الحرية الاجتماعية هناك ان يعيش قصة حب قصيرة الاجل، كانت اولى صبواته في تلك المرحلة المبكرة من العمر، وظل ولاءه لا يتحول، وحبه للمغرب  لا يطرأ عليه تبديل ولا تغيير، ولا تأتي فرصة للسفر الا وكان اختياره الاول المغرب،  وبسب تردده الكثير على المغرب، صار زملاء البعثة المغاربة،   هم اقرب الاصدقاء اليه، فهو لا يزورهم الا محملا بالهدايا من طرابلس، ويلقى هناك الترحاب والضيافة، يفتحون له بيوتهم، ويعود بعد زيارة الى المغرب مفعما بارقى مشاعر الحب والامتنان والاعجاب بما يتجلي في سلوك هؤلاء الاصدقاء المغاربة من معاني الكرم وحسن الضيافة وما يتجشمونه من عناء في سبيل تامين اجمل وابهى اقامة له هناك، اذ يمنحونه وقتهم ويستخدمون سياراتهم في الانتقال به من مكان الى اخر، بما يجعله يحس دائما وحسب تعبيره، انه محمول على بساط سحري من الفرح والهناء والراحة، وطبعا كان حريصا على ان ينقل حبهم لنا وينقل حبنا لهم بما يبذله من جهد في نقل الرسائل منهم واستكتاب رسائل من طرفنا لكي يبرهن انه يقوم بمهمة حلقة الوصل خير واجمل وانبل قيام، ولا يمل من تكرار اسمائهم في اطار المديح والشكر والامتنان مما يجعل اسماءهم دائما حاضرة في اذهاننا، حمزة الازرق، وفاطمة التيجاني، وعمر التازي، وبشرى البناني، وبلال العمراني، وعندما اصدر النشرة كانت الاولوية لاخبارهم وتصاويرهم والثناء المتكررعلى كل رجل وسيدة منهم،  ولم اكن شخصيا لاتصور ان هذه العلاقة الوثيقة التي انشأها البشير مع اصدقائه المغاربة، يمكن ان تنفصم عراها الا بالموت، غير ان عاملا يبدو انه اكبر من الموت، تدخل لافسادها، هو العامل السياسي، فقد حصلت صيف عام1971  محاولة انقلاب الصخيرات كما صارت تعرف التي قام بها بعض ضباط الجيش صد الملك الحسن الثاني، صنعت حماما من الدم، دون ان تنجح في الاطاحة بالملك، الذي استطاع النجاة ودحر الانقلاب، وعاد الى عرشه ناقما على الانقلابيين الذين اسرع بقطع رؤوس اغلبهم، وناقما على الدول التي اظهرت تاييدا لهم، وفي مقدمة هذه الدول ليبيا التي طرد سفيرها وقطع علاقته الديبلوماسية معها، ورد على حملاتها الاعلامية بحملات اكثر عنفا وشراسة، الا ان خطوط التواصل الشعبي ظلت مفتوحه، بسبب العمالة المغربية الكثيفة في ليبيا، وظلت شركات الملاحة وشركات الطيران تواصل  رحلاتها المنتظمة بين البلدين، دون تغيير، وكان هذا ما يهم زميلنا بشير الذي لم تكن تعنيه السياسة كثيرا، ولم يكن انتسابه للصحافة ليجعله اكثر قربا منها فهو يحرر اركانا فنية اجتماعية بعيدا عن فخاخها وشراكها، ولم يعبأ بالمناخ السياسي المتوتر بين ليبيا و المغرب، فما ان حانت الفرصة حتى قطع تذكرة السفر وامتطى الطائرة التي حطت به في بلاد حبه الاول المغرب، دون ان يكون واعيا بقوة الصدمة العاطفية التي تتنتظره في بلد الاحباء هناك، فكما تعود ان يفعل، لحظة ان يحط رحاله في فندقه المفضل في  مركز العاصمة المغربية، فندق باليما،   حتى يباشر الاتصال بحلقة الاصدقاء، الذين تعود ان يراهم يهرعون اليه، ويتحلقون حوله منذ اولى لحظات وصوله، ويتناوبون فيما بينهم  على استضافته، ويكون هو قد فتح حقيبته المليئة بالهدايا، جلبها من اسواق الاليكترونيات في طرابلس، اجهزة مذياع ترانزستور، واجهزة تسجيل،  والات تصوير صغيرة دقيقة، واحيانا عطور وربطات عنق، وتصادف انه لم يستطع ان يتصل باي احد منهم، فالردود تاتيه من كل بيت ان فلانة او فلان غير موجودة او غير موجود، وكان يترك رسالة برقم هاتف الفندق ورقم الغرفة، ويجلس قريبا من الهاتف ينتظر، فلا تاتيه اية مكالمة ردا على رسالته التي تركها لكل واحدة ولكل واحد منهم.  نعم قد ينشغل او يمرض اويغيب واحد  او اثنان اوثلاثة ولكنهم جميعا يغيبون، جميعا لا يردون، بدا له غريب هذا الاتفاق على الصمت ازاء مكالماته ورسائله، ومضى اليوم الاول فجدد الاتصال بهم واحدا واحدا في اليوم التالي ليجد نفس النتيجة،  وقرر في صباح اليوم الثالث انه لابد ان يقطع الشك باليقين، وان يترك الاتصال هاتفيا ويباشر الاتصال الشخصي منذ الان، وراى ان يبدأ بواحد منهم اسمه بلال العمراني، فهو اكثرهم مكانة اجتماعية، وارقاهم رتبة في الوظيفة، ويحظى باحترام الجميع، وعلى اتصال دائم بهم، وسيكون قادرا بالتاكيد  على شرح ما غمض من اسباب امتناعهم عن الرد، خاصة وان مكتبه ليس بعيدا من وسط المدينة، فهو يعمل رئيسا لشئون الموظفين في مجلس المدينة، وسبق ان زاره حيث يعمل في صالة كبيرة، يحتل اكثر مكاتبها فخامة  تربض فوقه مجموعة هواتف، وصفين من المكاتب على شماله ويمينه، يجلس اليها موظفون يأتمرون بامره وينفذون اوامره،  وما ان وصل الى مقر المجلس، وصعد الى الصالة في الطابق الاول، حتى وجد حاجبا، ذكر له اسم الصديق الذي يريد زيارته، فقاده اليه، يشق به تلك الصالة المستطيلة، التي تحتلها مكاتب الموظفين يعلقون ابصارهم به، وسمع الحاجب، قبل ان يتوسط الصالة مقتربا من مكتب الرجل الذي جاء لزيارته، ينطق اسمه بصوت جهير قائلا  البشير ابو البشير من ليبيا،  فاذا بالسيد بلال ينهض من مكتبه ويصيح في الحاجب قائلا: “تعال هنا، من هذا الذي تنطق باسمه، ومن يريد؟”. فرد الحاجب مسرعا:

ــ انه يسأل عنك استاذ بلال .
ــ لكنني لا اعرف شخصا بهذا الاسم.

وكان البشير قد وصل الى حيث مكتب صديقه، فتقدم منه لاحتضانه، لانه ظن استنكاره وانكاره لمعرفته، ناتج عن سوء فهم ولبس حصل له عند سماع الاسم، فاذا الرجل يتراجع خطوة الى الوراء،  ويقول بمنتهى الجفاء والبرود: “انت باين عليك غلطان يا سي الاستاذ”. وصاح في الحاجب الذي ظل واقفا ينتظر التعليمات: “خوذ الواحد السيد للاستعلامات، يشرح لهم الحاجة دياله في المجلس واشكون يبغي، لانه انسان غريب عن البلاد، وكايحتاج لشكون يساعده”.

لم يكن صديقنا البشير يحتاج ان يذهب مع الحاجب الى الاستعلامات لكي يشرح لهم ما يحتاج اليه، ولم يكن قد بقى فيه جهد او نفس اورمق يصلح لاداء اي جهد، ادرك ان الصديق ينكر معرفته، فاسرع الخطى الى فندقه فندق باليما، الا ان حجم الصدمة كان كبيرا لانه ما ان وصل الى ردهة الفندق حتى وصل ارتفاع ضغط الدم معه الى اعلى معدلاته، وسقط امام موظفي الاستقبال مغميا عليه، وتصادف وجود طبيب الفندق الذي لا يأتي عادة الا بناء على استدعاء، فاسعفه، وتحلق حول سريره عدد من موظفي وعمال الفندق،  وجميعهم يعرفونه بسبب تردده الكثير على فندقهم، يسألونه عن سبب هذه الغضب الذي كاد يقضي عليه، فلم يجد حرجا في ابلاغهم بالسبب وهو ان صديقا حميما انكره وادعى انه لا يعرفه، فافهموه ان مثل هذا الانكار يتكرر كل يوم، وباعتبارهم فندقا يستقبل كثيرا من الليبيين، فقد شهدوا مثل هذه الحالات وعرفوا دافعها وهو الرعب المهول الذي اسهمت الحكومتان في صناعته، فالحكومة الليبية  ترسل بالعملاء وتحاول تحقيق اختراقات في صفوف المخزن والشرطة والجيش، والحكومة المغربية تقابل هذه الاختراقات بملاحقة كل من يتصل بعملاء ليبيا وتضييق الخناق عليهم، حتى صار المغاربة العاملين في الدولة يخشون ان تشملهم دائرة الاتهام فيحاولون قطع صلتهم باصدقائهم الليبيين، وعدم التواصل معهم، وعدم الرد على من ياتي للاتصال بهم،   الى حد التنكر لاقرب هؤلاء الزملاء والرفاق، وكان الانكار في حالته اكثر تبريرا، لان جاء لصاحبه وسط حشد من الاذان المفتوحة والعيون المفتوحة، لمجموعة من اعوان الدولة، لهم بالتاكيد علاقات واتصالات بالاجهزة الامنية، فكان الرعب مضاعفا في حالة صاحبه بلال العمراني، ولكنه مع ذلك كان يجب ان يكون رجلا فلا ينكره هذا الانكار المهين الحقير، ولم يجد صديقنا البشير سببا للبقاء هذه المرة في المغرب، وفوجئنا به يعود بمثل هذه السرعة، وظل لعدة ايام لا يستطيع ان يستوعب او يفهم او يصدق ما حدث او يجد فيما كان يقوله الناس عن الاسباب، ما يصلح مسوغا او مبررا له، لانه كان على ثقة ان الطبيعة الانسانية اكثر صلابة وان الصداقة اكثر متانة وان الاصحاب اكثر وفاء  من مثل هذه الهشاشة وهذا السقوط الاخلاقي وهذا الرعب الذي رآه، وكانت ردة الفعل التي واجه بها الموقف اكثر حدة مما توقعناه، فقد طوى صفحة المغرب طيا كاملا، ونسى ان هناك بلدا فوق الخريطة اسمه المغرب، وامتنع نهائيا عن السفر اليها، بينما واصل سفره الى بقية بلدان العالم، بما فيها تلك البلاد العربية التي تضم اعضاء من دفعتنا في مركز تنمية المجتمع، الا انه اوقف اتصاله تماما بكل اعضاء الدفعة، واستقال تماما من مهمة التنسيق وضبط الاتصال التي كان يقوم بها، وقال انه يريد ان يوفر على نفسه غضبة اخرى وارتفاع ضغط دم اخر، قد يؤدي به هذه المرة الى القبر، وظل حانقا غاضبا على ما حصل لا يريد ان ينسى او يغفر، مع اننا كنا نقول له ان الذنب ليس ذنب اولئك الاصدقاء ولكنه ذنب سياسة عاهرة داعرة كافرة هي التي تفعل هذه الافعال بالناس، وهي التي يصدق عليها ما يصدق على الموت عندما نقول انه هادم الملذات ومفرق الجماعات وميتم البنين والبنات، فهو ما تفعله السياسة في بلدان التخلف العربي قبل غيرها، فكان يوافق على كلامنا  قائلا نعم لفساد السياسة العربية،  وهو فساد موجود وقديم وله سجل وتاريخ منذ سالف العصور، الا انه ليس هو ما كان سببا في الحالة النفسية التي عانى منها،  ولا ارتفاع ضغط الدم وحالة الاغماء التي رافقته،  وانما السبب كان فسادا اكثر قوة وعمقا من فساد السياسة، مكانه نفوس البشر هذه المرة، هو الذي تفاعل مع فساد السياسة  وانتج الصدمة التي اصابته ولا يزال يشعر بتبعاتها تفعل فعلها في عقله وقلبه حتى اليوم.

مقالات ذات علاقة

أنا و أشياءٌ أخرى لا تهتمُ بي

محمد النعاس

غمضة وسؤال

المشرف العام

موسم الخرافة

كريمة حسين

اترك تعليق