المقالة

من معنى الثورة إلى ثورة المعنى

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية
من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

1/

ليس التنميط وسيادة الفكر والسلوك النمطيين خطا يمكن اعتباره مجرد عقبة عادية من مقتضيات بلوغ الصواب مثلاَ، لكنه في الواقع عرض لداء وبيل يصيب المجتمعات البشرية فيقلص وعيها حد أن ويفقده امكانية التطور والارتقاء، ويمتد ليطال كل ثقافة تلك المجتمعات بمختلف مكوناتها المعنوية والعملية، والتنميط ( وهو أمر لا علاقة له بالتصنيف المنهجي الذي يقتضيه منطق المعرفة الفلسفية والعلمية ) تصنيف سكوني للموضوعات التي يتناولها، وقولبة (تحنيطية) لها في أطر جامدة تفقدها ( إضافة إلى الصلة بالمنطق والعلم ) كل السمات الحيوية التي قد تكون لها، فما ينمط لا يجتزأ من سنة التغير التي تحكم كل الموجودات بما في ذلك الجمادات، لكن التحنيط يدرج تغيره في سياق إن لم يكن نكوصياَ فاجتراري يجعله شبيها بمسرنم، ويسيره باتجاه التفكك والتحلل، وذلك ما لا تخطئه الملاحظة المهتمة في إطار الواقع المعاش، حيث يتبدى في أوضح صوره انبتاتا لصلة مكونات ذلك الواقع بالمعنى . يختزل الفكر وقد أفرغ من ثراءه الدلالي في شعارات جوفاء فارغة وتغدو اللغة ألفاظاَ يستعاض بما يضفي عليها من زخرف عن دلالاتها الدقيقة، وتسقط السلوكيات بما تشمله من علاقات الواقع الذي يسوده التنميط في هوة التبلد ومستنقع الابتذال. وفي ذلك كله بعضاَ من معاني الموت بالحياة.

والمؤسف أن تلك هي السمات التي يخلص إليها المتأمل في واقعنا العربي الحديث والمعاصر (تحديداَ منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى يومنا الذي نعيش) فالنمطية كسمة مميِّزة والتنميط كمنهج واسلوب يسودان هذا الواقع فكراَ وشعوراَ وحساَ وسلوكاَ عملياَ، على المستويين الفردي والجماعي. ويصيرانه أزمة معقدة تواجه عقل الواحد منا ووجدانه بما يضاهي تهديد العدم والفناء، الأمر الذي يقتضينا مجتمعين وكل منا على حدة موقفاَ جدياَ إزاءها، إ ولا يمكن للهروب هنا أن يكون خياراَ اللهم إلّا كإقرار بالعجز عن المواجهة وتسليماَ بالهزيمة، فالمواجهة وحدها الإمكانية المتاحة لتأكيد الذات وإثبات الوجود، إن.

على العربي (كل عربي) مواجهة وباء التنميط وصور النمطية في ذاته وواقعه، ليس فقط لمجرد أنه عربي، ولكن أيضاَ كمحاولة للتفلة من أسر الابتذال والتبلد ولتأكيد آدميته. ولتكون المواجهة فاعلة وذات جدوى فلا أقل من أن تكون (ثورة) حقيقية، إذ لا معنى لامتعاضنا من تردي واقعنا ومعيشنا، ولا قيمة لرفضنا لما نحن عليه بدون فعل هادف إلى تغيير ذلك كله، فلا بد من الثورة، لكن أية ثورة؟ وبأي معنىَ؟

2/

لقد عشنا وعايشنا فيما بين المحيط الهادر والخليج الثائر تواتراَ من الثورات لم نوفر فيها جهداَ في استيراد الأفكار الثورية من الغرب ومن الشرق ولا تعففنا عن استعارة وانتحال الأيديولوجيات مختلفة الالوان ومتباينة الأطياف، حتى أننا لن نبالغ إذا ما قررنا أن ذلك كل ما استطعنا إنجازه من حداثة، وأقررنا من ثَمَّ أن حداثتنا لا تشبه حداثة غيرنا، وأنها (حداثتنا) الممهورة بوسم الثورة، كانت ولمّا تزل أقرب إلى كرنفال أو حفلة تنكرية ارتدى فيها ثوارنا ومثقفونا ومفكرونا ومنظرونا الثوريون أقنعة مفكري ومنظري الثورة من الشرق والغرب، ودون أن يراود أياَ منهم ولا َمنا نحن (الذين يصرون على أنهم فكروا وثاروا من أجلنا ولهدف تحريرنا) أن الثورة لا تُستعار ولا تُنتحل ولا تتحقق بالمحاكاة والتقليد، كما أنها لا تشترط أيديولوجيا لتحققها مثلما ليس شرطاَ أن تنشئ الثورة أيديولوجيا لتبريرها، فلا شيء يسيء إلى الثورة، بل ويفقدها حقيقة كونها ثورة بقدر ما يفعل توسلها بأيديولوجيا لإثبات وجودها . لم يخطر أياَ مما هو بحكم البديهي لأحد منا، لينتهي بنا الأمر إلى هذا الواقع العربي المأزوم الذي نتخبط فيه.

لكن واقعنا هذا لا يبرر بحال أن نكفر بإنساننا العربي ولا بثقافتنا العربية الإسلامية بزعم أنها خرفت وعقرت وما عاد بمقدورها أن تمدنا بما نحن في حاجة إليه لنتحرر من مساوئ ما نرسف في ردغه ولا لنغير واقعنا، ولا بالثورة بزعم أنها لم تخلق لنا ولا خلقنا لها، لا مبرر للكفر ولا للقنوط والبحث عن كباش فداء نلقي عليها تبعات اخفاقنا. ولا يجدينا غير أن نواجه حقيقة أن الثورة (أو إن شئتم الثورات) التي وسمت حداثتنا العربية قامت بمعزل عن إنساننا العربي وعن ثقافتنا العربية الإسلامية وعن الثورة كمعنى يوافق كليهما، معنىَ متمحور حول خصوصيته التي تنطلق منهما وتعود إليهما. ذلك المعنى هو تحديداَ ما افتقرت وتفتقر إليه ثوراتنا العربية، وإن لم يبدُ أن أياَ منها قد افتقدته ولا طمحت إليه أو استهدفت تحقيقه أو حتى استلهمته، والسبب البين لذلك هو أن (معنى الثورة) شأن كل المعاني السامية والمنهضة قائم خارج إطار المتاح والمتداول من مفاهيم وأفكار ومواضعات وكل ما يُدعى ثوابتاَ، ولعل أكثر ملامحه مباشرة قيامه كنقيضٍ وضدٍ لذلك المتاح والمتداول، فالمتاح والمتداول من معنى الثورة هو أنها فعل فئوي نخبوي (تضطلع به مجموعة من العسكر غالبَاَ) تقلب نظام حكم قائم لا لتغيير الواقع الذي يفترض أن ذلك النظام أفسده أو يرسخ فساده، بل للاستحواذ على السلطة الذي ما أن يتحقق حتى يسفر عن قرينه (إعادة تدوير الفساد) والتفنن في طرائق تحقيقه، دون نسيان نسبته إلى السابقين واختلاق أعداء وهميين للثورة التي تنعت بالعظيمة دون أن تكون لها أدنى علاقة بالعظمة إلا إذا عنت عظمتها كونها رميماَ وخردة دعاوى وادعاءات ثورية إن ما يفيده قولنا أن (معنى الثورة) قائم خارج إطار المتاح والمتداول، هو أن الثورة تند عن التنميط من أي مصدر جاء فلسفي أو أيديولوجي، والنتيجة الوحيدة لقسر الثورة على حمل أية دلالة سواء كانت محايدة تقتصر مهمتها على التفسير كالدلالة الفلسفية، أو غرضية (في الواقع مغرضة) تستهدف التبرير والتوظيف الأيديولوجيين، هو أن تفقد حقيقتها، وتكف عن كونها ثورة .

فالتنميط يجعل من السلطة هدفاَ للثورة، ويوهم من يثور بسبب افتقار وجوده وحياته للمعنى محاولاَ استعادته إليهما، بأن السلطة هي مكمن ذلك المعنى. وعندما يغدو ذلك الوهم نمطاَ مهيمناَ على فكر وسلوك الناس، لا يعود من مبرر للحديث عن الثورة أو ادعاءها والانتساب إليها، إن معنى الثورة ثائر على كل الأنماط وكل المتاح والمتداول، إنه الإنسان الذي حاجة به إلى قادة سوبرمانات وملهمين يقودونه، خصوصاَ إذا كانوا من معدن النماذج التي ابتلينا بها، عميان أبصار وبصائر. إن الإنسان هو معنى الثورة، التي لا معنى لها ولا قيمة بدونه، ولا أهمية أيضاَ.

مقالات ذات علاقة

ذكريات خَريفية

فاطمة غندور

الثورة فعل شمس ساطعة

مريم سلامة

معاناة

أحمد الفيتوري

اترك تعليق