النقد

من شواطئ الغُــربة لمتاهــات التشـظِّي

قراءةٌ في المجمُوعة القصصيَّة “شواطئ الغُـربة” للأديب الدكتور خالد السَّحـاتي

وداد معـــروف (مصر)

غلاف المجموعة القصصية شواطئ الغربة.
غلاف المجموعة القصصية شواطئ الغربة.

أَرْسَلَ إِلَيَّ الكَاتِبُ هَذِهِ المَجْمُوعَةَ القَصَصِيَّةَ مِنْ فَتْرَةٍ لَيْسَتْ بِالقَلِيلَةِ, لكنَّنِي اسْتَمْهَلْتُهُ بَعْضَ الوَقْتِ حَتَّى أَتَفَرَّغَ لَهَا جَيِّداً, فالكاتبُ لَهُ مَكَانَةٌ لَدَيَّ، وَيَسْتَحِقُّ مِنِّي أَنْ أَتَنَاوَلَهَا بِاهْتِمَـامٍ يَلِيقُ بِهِ وَبِهَا.

* نبدأ بالتَّعـريف بالكاتب:

هُو: خالد خميس السَّحــاتي, من مواليد مدينة: بني غــازي ليبيا, عُضو هيئة التدريس بكليَّة الاقتصاد والعلوم السِّياسيَّة بجامعة بني غـازي, وعُضوٌ في عديد من الجمعيَّات الثقافيَّة والأكاديميَّة في الوطـن العــربيِّ, فــازت أقاصيصُهُ عــام: 2009 في برنامج (قصص على الهـواء), ونُشرت بمجلة العــربي الكويتيَّة.

هذه المجمُوعة القصصيَّة: (شـواطئُ الغُــربـة) تقعُ في: 94 صفحة, (وصدرت عن المكتب العـربي للمعارف في القاهرة عام 2019م في طبعتها الأولى)، تتكوَّنُ المجمُوعةُ من: سبع قصصٍ طوالٍ نسبيّاً, وستٍّ وعشرين ق ق ج, تتخلَّلُ القصص لوحات فنية(للفنان التشكيلي الليبي: د.معتوق أبورواي), أهدى الكاتبُ مجمُوعتهُ إلى وطنه الحبيب ليبيا, أرض البُطُولات والأمجاد في الماضي والحاضر, قـدَّم للمجمُوعة الأديبُ الليبيُّ: سالم علي العـبَّار.

تُهيمنُ على قصص المجمُوعة مشاعـرُ الغُــربة والوحدة والحنين الدَّائم للأُم, والمُرُور على الأطلال, تستحضرُ ذكرياتُ الطُّفُولة والصِّبا, ونقد الواقع وتجسيد قضايا الأمة وأنسنتها، تتعرَّضُ للرَّحيل والارتحال والهجرة ولشواطئ الغُـربة, أفرج فيها الكاتبُ عنْ قصصٍ طالما خبَّأها؛ من عـام 2009, حتَّى عــام 2019، فلمْ يُبْدِهَـا لَهُمْ إلاَّ حِينَ طِبَاعَةِ هَـذِهِ المَجْمُوعَةِ, كَقِصَّةِ: (لعنة الكلمات), التي أظهرتْ لنا الزَّعِيمَ الكَرِيهَ, بِكِبْرِيَائِهِ وَبعُنُقُهِ المُشْرَئِبِّ دَائِماً, واللذان كانا سبباً في نُفُور بطل القصَّة منْ هاتين الصِّفتين المُنفِّرتين, بعدما حملهُما جاهلٌ جَهُولٌ, قاد القبيلة برهبة السِّياف, واستباحة الدِّماء, قطع رقاب منْ تجرَّأ على إيذاء زعيم القبيلة وَلَوْ بِكَلِمَةٍ, أَذَلَّ قَبِيلَتَهُ وَأَرْهَبَهَا, لِذَا نَفْهَـمُ لِمَ أَخْفَى الكَاتِبُ قِصَّتَهُ (الكلمات الملعُـونة) كُـلَّ تلك السَّنَـواتِ؟.

تأتي قصة: (خربشات صبيانيَّة) لتُسلِّط الضَّوء على حال بعض المُعلِّمات اللاتي ينشغلن بأنفُسهنَّ وزينتهنَّ وثرثرتهنَّ عن تلاميذهنَّ, ثُمَّ يتعاملُ التلاميذُ مع المُعلِّمة بطريقتهنَّ المُضحكة؛ لكنْ يُصيبُ انتقامهُم ناظر المدرسة، وتنجُو المُعلِّمةُ المُهْمِلَةُ.

القصة أعجبتني, ففيها أسلُوبٌ ساخرٌ مُحبَّبٌ للقارئ, كما أنَّها لا تخلُو من بسمةٍ يضعُها الكاتبُ على ثغـر القـارئ, فهي حقّاً “خربشاتٌ صبيانيَّة”.

وفي قصة (القلب الذهبي) تتجلى الخيبة ويتراءى الخذلان, في زوج يحمل قلبا ذهبيا استدان ثمنه, يعود لبيته ليهديه لزوجته, فلا يجد إلا ورقة على المنضدة تعلمه فيها الزوجة بتركها للبيت ناعتة إياه بانعدام الوفاء, وقد أحسن الكاتب في تصوير تلك المقابلة, بين زوج محب يفعل فوق ما يستطيع ليسعد زوجته, وزوجة تفرط فيه باستهانة متهمة إياه بالغرور والكبرياء وانعدام الوفاء.

أما في قصة (متاهات التشظي) ففيها البطل يبحث عن الحب في بيوت ملأى وهي فارغة, لا يجد له موطئ قدم في دروب الضياع ومدن الوحشة, يحمل نفسا تمزقت بين مدن الغربة وبيوت تحولت فيها الأرواح إلى دمى جامدة تيبست فأصابت الحياة بجليد الغربة.

القاص خالد السحاتي
القاص خالد السحاتي

في قصة (المحفظة): والمكان فيها المكتبة، والشخوص: بطل القصة وأمين المكتبة ورجل عجوز تشبه ملابسه ملابس جد البطل, يرتدي نفس القبعة والقفازين مع اختلاف الألوان, متوتر ومدخن, ومع هذا وقور مهاب, يغادر سريعا, ينسى محفظته فيحل الطمع فيها وتساور البطل أفكار كأنها وحش كاسر, حاول الفرار منها والتغلب عليها, لكن فيها حل لجميع مشاكله وسداد ديونه, ظل الصراع داخله حتى تدخل أمين المكتبة. قصة جيدة وفيها طبيعة النفس البشرية, وتشابك وارتباك مشاعرها إزاء لحظة قنص متاحة, لكني تمنيت لو حذف الكاتب السطرين الأخيرين الذين فيهما يطل الكاتب بتبريره لما حدث.

وفي قصة (تجليات الأقدار): أراد الكاتب أن يقول إنه قد يريحنا البوح, ويداوينا من آلام عشناها وعاشتنا, حتى نتخلص منها بالبوح لمن لا نعرف, ونتركها تغرق في بحار لا سواحل لها, حينها نشعر بالراحة والهدوء, لحد أننا قد نموت انتشاء بتلك الراحة والسكينة, بعدما رفعنا عن صدورنا ما أطبق عليها أزمانا.

ومن قصة (رحيل): عشنا في سطور قليلة فوضى غرفة الابن وأوراقه المُبعثرة وسريره المُهترئ, كُلُّ هذا يتحوَّلُ بلمسات الأُم إلى غُـرفةٍ جميلةٍ مُنظَّمةٍ, حتَّى كان اليومُ الذي عاد فيه فوجد الفوضى كما هي, وهُنا عرف أن أمه قد رحلت. وكنت أود أن يتوقف هنا, ولا يردف النهاية بتلك العبارة (وظل حنانها كما هو لم يغادر قلبه)، فهي من المعلُوم من الحكيِّ بالضَّــرُورة.

لُغة الكاتب فُصحى متينةٌ, تتميَّزُ المجمُوعة بأنَّها مُشكَّلةٌ مضبُوطةُ الحُرُوف, لمْ يستعمل العاميَّة الليبيَّة إلاَّ في قصَّةٍ واحدةٍ, تميَّز الكاتبُ دكتور خالد السحاتي في القصص الأطول نسبيّاً, أمَّا القصص القصيرة جدّاً, فكانت تحتاجُ إلى التكثيف والاختزال أكثر من ذلك, بها بعض المُباشرة, لو استخـدم بعض الغُـمُوض لكـان أفضــلُ.

تناول موضُوعاتٍ شتَّى تناوُلاً جذّاباً, هُو كاتبٌ يمتلكُ أدواته السَّرديَّة بتمكُّنٍ ملحُوظٍ, كان همُّ الوطن واضحاً جدّاً في عديدٍ منْ قصص المجمُوعة مثل قصص  :(لعنة الكلمات وطوابير وهجرة، وليتهُ أسماها الرسالة المُبتلة لكان أليقُ بموضُوعها), كما كانت هُناك أكثرُ منْ قصَّةٍ بطلتها الأم, كما كان كوبري قصر النيل في مصر بطلاً لقصَّة: (ارتحال) ممَّا يعني التواصُل الحميم بين أهلنا في البلاد العربيَّة وأرض الكنـانـة.

في الختام أتمنى التوفيق للكاتب المبدع د. خالد السحاتي، وأنتظـرُ قـراءة مزيـدٍ من إبداعـاته الجادَّة الرَّاقية كهـذه المجمُـوعــة.

مقالات ذات علاقة

تجارب نسوية في الشعر الليبي

المشرف العام

محاور تحليلية لدلالة الذات

عائشة بازامة

قراءة نقدية في قصـة: ضجيج الصمــت، للقاص خالد السحاتي

المشرف العام

2 تعليقان

دكتور وائل علي السيد 2 يونيو, 2021 at 16:12

قراءة واعية وتحليل عميق من الكاتبة والتاقدة أستاذة وداد معروف استطاعت أن تجعلنا نلم بقصص الدكتور خالد الشحات على المستويين الموضوعي والفني وأن تسبر أغوار عالمه القصصي بكل اقتدار

رد
المشرف العام 2 يونيو, 2021 at 17:16

نشكر مرورك الكريم
مودتي

رد

اترك رداً على المشرف العام الغاء الرد