المقالة

من خفيف الكلام .. صندوق بريدي

كان الفنان عبد الرزاق بن نعسان مشهورا بمفاتيحه لأنها كثيرة يعلقها بحاملتها الكبيرة ويعلقها بحزام سرواله حتى أنني سألته مرة عن سبب عددها ولم يجبني كما لم أي صديق سأله عنها،لكانت كثيرة الأمر الذي قد يجعلك تعتقد أن من بينها مفتاح الجنة ومفتاح النار.أما فلست من هواة جمع المفاتيح ولا أملك منه ما يستحق مفتاحا يحمي خزائنه،وأنا لا أحب حمل المفاتيح لأن حملها فيه مسؤولية كأن تفقدها جميعا أو تفقد مفتاح باب البيت الرئيسي مثلا ويكون الوقت شتويا ماطرا والسيدة زوجتك لا يصلها صوت تخبيطك عالباب فيما أنت تعاني بردا ومطرا وظلاما،والحاصل أن من بين مفاتيحي مفتاحا صغيرا أنيقا وجميلا ذلك هو مفتاح صندوق بريدي في تلك القاعة الدائرية الجميلة ببلدية طرابلس بميدان الجزائر،ثم فقدت صناديق البريد أهميتها لأسباب معروفة وأسباب معروفة، ولم يعد من أحد يمنحها ابتسامة برسالة تأتي من حبيب بعيد أو برسالة فيها قبول للدراسة في جامعة خلف الحار أو صخب فرحة بطرد يحمل كتبا،على أن كلمة ” المفتاح ” تجاوزت معناها المباشر في فتح الأبواب المغلقة وصار مصطلحا ينفع استعماله في أمور وقضايا أخرى لا عد لها،فالمرأة تقول أن مفتاح قلب الرجل معدته،والقاضي أو المحامي يبحث عن مفتاح القضية،واللص يبحث عن مفتاح الخزينة،الآن لم يعد حيا فيها إلا الصمت الذي اتسع وترسخ باختيار المهدي الحاراتي عميدا للبلدية والذي قال عنه أحد أنصاره بأنه رجل المرحلة،وقد بادر في أسرع قراراته بقفل ميدان الجزائر من جميع جهاته بالقطع الخراسنية العملاقة مما أنهى أي صلة اقتصادية أو تجارية له مع الشوارع الأخرى التي تمثل قلب المدينة ورئتها لكل سكان المدينة،ماتت تلك الشوارع ولم تعد تشهد أقداما تتزاحم في دكاكينها،السيارات لم تعد منه ضج سكان المدينة بما فعل الحارتي حتى تم اقتحام الميدان وأزيلت تلك الحواجز الخرسانية.
هذه الذكريات أيقظها مفتاح صندوق بريدي والذي لم يعد له من فائد إلا تذكيري بأن الظلام كان هنا،لذلك أحتفظ به كي لا أنسى سنوات الظلام،

مقالات ذات علاقة

زمن حقيقي

يوسف الشريف

رسائل الإتزانية

علي بوخريص

تاريخُهن لم يُكتب!

فاطمة غندور

اترك تعليق