قصة

من خطف العيد.. من جعل العودة مستحيلة؟

(حكايات بالمناسبة)

بوابة الوسط

من أعمال التشكيلي الليبي أسامة النعاس

(العيد بهجة. العودة حلم. أين هما في حقول الحزن بالمنطقة؟)

(1) الحكاية الطويلة…

وصل إلى هناك قبل أيام العيد. كان الوقت في العشية. ذهل لما شهده ورأى بعينيه. البيت بكامله أضحى ركاما. كل البيوت المجاورة أيضا. ركام وهديم على مد العين. شقوق وثنايا. حفر وتجويفات يتسرب منها ماء أسود. جدران متصدعة. فراغ موحش. لم يتبين أي شيء. اختلطت الأمور. ضاعت المرئيات. البحر القريب ساكن وميت. ليس ثمة حراك. بكى بكاء مرا وحارقا. تواصل البكاء ثم النحيب. ظل يعزي نفسه على ما شاهده ورأى. البيت ركام. والبكاء والحزن هما الحقيقة الوحيدة في هذا العالم وما عداهما فهو كذب مطلق. لم يعرف الفلسفة من قبل. لم يتعلمها لكنه قد يصبح فيلسوفا دون أن يدري!

ضاع كل شي…

البيت أكوام وركام ومياه سوداء. ضاع العمر. ضاعت الأحلام. واصل البكاء ومن بين الشقوق والثنايا لمح ذكريات من والده الراحل: الراديو العتيق والصور القديمة. رحل منذ زمن وبقي الراديو وبقيت الصور على حالها مثل دار بن لقمان. كان الراديو دائما يصدح بأغاني فيروز وشادي الجبل وسلام قدري وعلي الشعالية وأهازيج محمد بالحمد ونشرات الأخبار وصوت خديجة الجهمي في أضواء على المجتمع. وكانت الصور تعبق دائما بأنفاس الماضي الذي مضى: محل القوبو اليوناني وبن خيال ومصوراتي العمال والعهد الجديد. خلفية الجامع العتيق وأحيانا الكورنيش وميدان البلدية والطاولة الطويلة التي فوقها قروش الزهور. تعيده إلى مسرة العيد والتقاط الصور هناك مع الأسرة بالمناسبة.

ضاع كل شي. وبكل قوة لديه ورغم الحزن والبكاء استل الراديو والصور من بين الشقوق ونالت يديه الخدوش والجروح. فرح بذلك فرحا لا يحد. لكنه واصل البكاء وعاد إلى حيث كان قد هجر ونزح.

(2) العيد المخطوف…

السر يختفي. يموت على الشفاه. العيد يقرع الأبواب والبيت موحش بلا أب. لا بهجة. لا فرح. لا مسرة. وجوه غريبة زرعت الرعب في أرجائه واختطفت الأب إلى المجهول. مر عيد وراء عيد. مرت الأيام. انقضت الساعات والسر ظل يختفي. كل يوم يختفي على الشفاه التي لا تنطق. لا تتكلم. لا أحد يجرؤ على الكلام في هذا الزمن.

الطفل يسأل أمه: باتي وين؟

.. والبيت موحش والوجوه الغريبة ظلت في الخيال والعيد يقرع الأبواب. ولا جواب. لم يحدث هذا في زمن العصملي أو الطليان أو أيام الجاهلية أو الإغريق. لم يحدث. وليس ثمة من يعرف شيئا. العيد أيضا يخشى الخطف ويطل خائفا من بعيد.

(3) عودة سلمى…

عاشت الأجيال العربية مع الهزائم والنكبات. فتحت أعينها عليها. عانت كثيرا وشعرت بالقهر والوجيعة. الخيام المرقعة بدأت معها الرحلة الطويلة التي لم تنقطع منذ عام 1948 وما بعدها. صار المواطن الفلسطيني لاجئا خارج أرضه. وعبر الخيام وليالى الحزن والدموع والجوع والتشرد.. نشأ مزيد من الظلم والظلام. دفع المواطن المسكين وحده الفاتورة. قصائد العودة. أمنيات العودة وحدها دون فعل لم تفلح. كبر الحزن. المذابح والتهجير.. والمزيد من الرحيل وضياع الأرض.. وأمنيات العودة عالقة في الهواء. والخيام المرقعة تواجه الريح وحيدة في الشتاء والصيف وكل الأيام والأعوام. والإغاثة والأمم المتحدة.. والقهر.. والأناشيد لم تقتل ذبابة. وكذا الجيوش تلك الأيام. كانت أكثر نجاحا في شوارع عواصمها وسجونها. ضاعت القضية بمرور الأعوام.

والطفلة سلمى ظلت تحلم بالعودة.. ولم يحدث شيء من ذلك. مرت الأعوام. كبرت.. هرمت. أضحى لها من الأحفاد الكثير.. وصار الحلم مثل حلم الدجاجة بمغازة قمح. يدفع المواطن وحده الثمن هناك.. في وجه الريح.. وعبر الخيام.. وعبر العالم كله رغم النضال والدماء والصبر.. ربما ما فعله العرب ببعضهم حتى الآن.. أشد وطأة مما فعله به عدوهم إن لم يتساووا معه في التنكيل والإذلال. كان العدو في الداخل أقسى وأشد وأمر. اغتيال الحريات.. ضياع الحقوق. وتواصل الخيانات على كل الأصعدة.. وتدمير روح الإنسان. والإذاعات تهرج.. وسلمى تحلم. والأرض تضيع.. والقدس الأبية المباركة.. وكل المدن العربية تعاني. اختلفت المقاييس لكن القهر واحد هناك.. وهنا. وتحلم سلمى بالعودة. والخيام تنمو والحزن يكبر. والقصائد لا تفلح. العدو في الأمام ومن الوراء. والمواطن العربي مسلوب الإرادة.. فكيف يحرر الأرض قبل أن يحرر نفسه.. قبل أن ينهض.. قبل أن يغير ما بنفسه.

لقد صار أيضا لاجئا مهجرا بائسا داخل وطنه!! ويظل عبد السلام النابلسي يصيح ويحلم بأرض السلام منذ زمن الأبيض والأسود.. جينا وجينالك يا فلسطين.. جينا وجينالك.

وتحلم سلمى.. وملايين الأطفال الذين سيكبرون ويصنعون النهار. جينا وجينالك.. رغم كل المرارات والبؤس والفجيعة.

(4) بنت الجيران

وين ع رام الله..

تشربها أذناي معا. أنسجم عبر نغماتها رغم صغر سنى.. أسمع المغنية سلوى الأردنية من راديو الجيران تواصل..

ولفى يا مسافر.. خذيت قليبى وما تخاف من الله..

كان جارنا من القدس.. يعمل في بنغازي.. كنت ألعب مع طفلته الصغيرة.. صارت فيما بعد مراسلة لصوت أمريكا في عمان. كان والدها يتحدث مع والدي عن القدس ودروبها.. والحنين إليها.. وعن عزالدين القسام.. وعبدالقادر الحسينى والعائلات الليبية التي استقرت هناك وعن الرجال الذين أتوا من ليبيا للدفاع عن تلال فلسطين عام 1948.. وذات مرة عقب عودته من القدس وكان في إجازة أهدى لوالدي مصحفا مطعما بالصدف.. فيما أهدت زوجته شالا جميلا لأمي..

كان الراديو يحمل الكثير من الأغاني.. الكثير من الشوق والحنين.. كنت صغيرا.. غير أننى ظللت لاحقا أنسجم دون أن أدرى لماذا مع صوت فيروز..

راجعون… راجعون

سنرجع يوما إلى حينا.. ونغرق في دافئات المنى

سنرجع خبرني العندليب.. غداة التقينا على منحنى

كان ذلك قبل أن تحدث الكارثة.. وتسقط القدس.. ورام الله حيث كانت الإذاعة الأردنية.. رحل جيراننا.. ظلت الأغنية تطرق سمعي باستمرار عندما تبثها الإذاعة.. وعندما صارت ترددها فتيات الكشافة والمدارس في مناسبات مختلفة.. ثم عندما نسج الكشافون على لحنها أهزوجة وطنية جميلة نظمها عبد الفتاح بوعرقوب هي.. غنوا معايا.. ليبيا استقلت.. ع الوطن الليبي بشاير هلت..

ثمة أغان تعيش في الخاطر.. والذكريات صدى السنين الحاكي.. مرت السنوات. سقطت القدس.. رحل الجيران.. صارت جمانة إعلامية.

ووين ع رام الله!!..


بوابة الوسط | الأربعاء 12 مايو 2021

مقالات ذات علاقة

الحـفــل

فتحي نصيب

عند الخامسة والخمسين…

عزة المقهور

زيارة خاطفة

ناجي الشكري

اترك تعليق