قصة

من حصاد ذلك الزمان – الرجل يموت مرة واحدة

من أعمال التشكيلي بشير حمودة.
من أعمال التشكيلي بشير حمودة.


فرز مجموعة كبيرة من الأوراق. توقف عند ثلاث منها مشدودة ببعضها بدبوس صغير، أشعل لفافة وامتص منها دفعة كثيفة من دخانها سربها بين شفتيه على مراحل، خط بالقلم الأحمر على بعض فقراتها ورسم أمامها علامات استفهام وتعجب، نظر إلى النافذة التي تحتل مساحة كبيرة من الجدار وتطلع قليلاً نحو الفضاء. فتح أحد الأدراج فتش فيه قليلاً، خرجت يده خاوية، تنهد، كنت واقفاً ولم يطلب منى الجلوس، يده لازالت تخط بالقلم الأحمر على بعض الكلمات، لم أحس بالخطر بعد، ضرب وجه المكتب بيده، ابتسمت، اختار رقماً بالهاتف وتحدث قليلاً، حاول ألا يسمعني كلماته. ارتعشت، سمعت طنيناً في أذني، التفت، قررت الخروج، تعالى. أصبح منفعلاً ـ هز الأوراق بين يديه. اخترت المقعد البعيد المواجه له وجلست استرخيت واشعلت لفافة، انتظرت الخطوة التالية. بدا يكتب شيئاً. اعتقدت أنه نسي وجودي. كيف كانت البداية؟

فاجأني السؤال تمالكت نفسي، مش عارف، كذاب، اعادها أكثر من مرة وبإصرار عنيد. التقطت إحدى المجلات الأجنبية المبعثرة على الطاولة الصغيرة تأملت صورة أحد الجنود وهو يفرغ رصاص مسدسه في رأس أحد الثوار في مكان ما، لم أحس بالباب عندما فتح. فوجئت بالحركة، التفت، الرجل الذي دخل لم يطرق الباب ولم يتوقف. بل اندفع كمن يعرف طريقه جيداً واتخذ مكاناً بالمقعد المجاور. أطلق زفيراً طويلاً من شفتيه، تأملته لم يكن من موظفي دائرتنا، لم يقع عليه بصري من قبل ولم أحس نحوه بالود ـ يحمل حقيبة جلدية سوداء كبيرة. للوهلة الأولى خيل إلىّ أنه وكيل إحدى الشركات. أخرج منها مجموعة من الأوراق. لا شك أنها تحمل تفاصيل ما فعلت، فرز بعضاً منها على عجل، وضعها على ركبتيه، غطاها بكفيه. رماني بنظراته، لن يحدث أسوا مما حدث، رميته بمثلها، وضعت ساقاً على ساق. وما بين الشهيق والزفير تمنيت لو أطلب شيئاً ساخناً، أهملت وجوده، انت الهادي؟

السؤل سخيف، تجاهلت الإجابة عليه واحتميت بالصمت لم يتبادلا كلمة، التقط الأوراق الثلاثة، قراها بحرص شديد ينقل فقرات منها إلى مفكرة صغيرة. توقف عند اللون الأحمر. رمى بشيء من يده سقط تحت قدمي. وجدناها بصندوق الفضلات. صورتها: انفجرت كرات الدم الحمراء دفعة واحدة مسترخياً ألقيت بها في المنفضة. يعتقد أني لازلت أذكرها.

اشتعلت عيناه غضباً، دس أوراقه بحقيبته. ليست هي الدليل الوحيد وقف وهمس له بكلمات، تحدث في الهاتف بصوت مرتعش. قبل أن أفكر في أي شيء أخر، فتح الباب بقوة، أندفع منه رجل أسود النظرات، وقف أمامي ـ يتبادلون وجهي بلا ملل، تذكرت عاهرات الشوارع الخلفية، يشير بكلتا يديه إلى أعلى، نهضت متباطئاً، عندما أصبح وجهي موازياً لوجهه هوت كفه على خدي كقطعة رصاص جعلت ألوان الطيف تتراءى أمام عيني. أهتز جسمي تراجعت، أصطدم ظهري بالجدار.

حاولت أن أعيد كبريائي، أصبح الغضب طائراً نارياً يعربد ويمزق صدري لكني لم أحاول رد الفعل. غرق جسدي في بحر كثيف من العرق. لم أرفع وجهي، كان إنساناً يضغط عليه بحذاء ثقيل، أحسست بالقهر وبالذوبان.

استرجعت اشياء صغيرة في حياتي فكدت أبكي، ابتعد عني قليلاً، صنع بذراعيه مثلثين على جانبيه، ماذا لو يعيدها مرة ثانية، تحرك نحو أحد الأدراج أخرج منه شيئاً، قال تعال، اقترب منى كأنما يتوقع أن أرفض، تحركت. سرنا جنباً إلى جنب عبر الممر الطويل. فتحت أبواب، راقبتنا عيون مترددة، اشتقت لكلمة. دخلنا حجرة صغيرة عارية بلا نوافذ جدرانها سوداء وارضيتها بلون الدم. راقبني وأنا أنقل خطواتي، لم يدخل معي. عندما سمعت الباب يقفل بعنف إرادي ايقنت أنه لن يفتح مرة أخرى. ماذا لو اردت أن أقوم بالحاجة البشرية، احسست بها لحظة التفكير فيها، فعلتها، جلست ـ نهضت ـ قست طولها وعرضها وارتفاعها، خلعت الحذاء، لسعتني البرودة، اشعلت لفافة ـ التصقت بالجدار كفأر مرتعب، اصبحت جزءاً منه، نفذت إلى جسمي برودة جليدية، وقفت بمنتصفها، انتصبت كعمود، عيني على ثقب الباب، لحظة اراه طريقاً للفردوس ولحظة أخرى اراه كفوهة سلاح مصوب نحو هدف ثابت، ذرعت الحجرة مئات المرات، تمنيت لو أفقد القدرة على التفكير، لكني فقدت الإحساس بالزمن، فقط لو يفتح الباب لو وجه إنسان، لو قطرة ماء. لو كتاب، لو خبر ـ لو صخب، لو نهدان، لو شفتان، لو من يبتسم، لو تتلاشى الجدران، لو يتغير لونها. أحصيت عدد اللفائف الباقية، امتحنت قوة الباب كأنه زرع في الأرض، منذ ألف عام، بصقت على الأرض، أحسست بالجوع وبالعطش فكرت لو أصرخ، استرجعت ما قراته عن الزنزانات، وتذكرت ما قاله المحقق في نهاية التحقيق الواحد بعد الخمسين، أنت مجرم عريق، العقوبة ستكون مؤلمة، ستعلق من قدميك، تجلد مائة جلدة، يسقونك ماء البحر، يطفئون اعقاب السجائر في صدرك ولسانك، يجردونك من ثيابك، تشم رائحة الأحذية الثقيلة، ستبكي، وتزحف على بطنك كالزواحف، لن تقوى على الوقوف. تتثاقل خطواتك، تتهالك، تصرخ، تعجز عن الصراخ، تتقيا. تتصلب تنهار، تختنق، تستجدي، يلتف الحبل حول العنق، يضيق، يضيق بسرعة مذهلة، قد تتبول على نفسك، تنزلق قطعة الخشب من تحت قدميك، تجد نفسك معلقاً بين السماء والأرض، العملية يسمونها الشنق حتى الموت، هي اشبه بما يحدث في أفلام رعاة البقر، أنت قرأت عن لحظة الموت، تحدثت عنها في أشعارك ـ ستعيشها. النفس الأخير، الزفرة الأخيرة، خفقة النهاية، تلك الرعشة. انتفاضة الجسد عند النزع الأخير، لكن لن يقدر لك الكتابة عنها، أمر مؤلم أن تعيش أعظم لحظات حياتك ولا تستطيع الحديث عنها، سجل ندمك على ما فعلت، تريد أن تصبح بطلاً.

هل تدري؟ سنصنع منك مجنوناً، بدأت أحس بخفقة النهاية، اختصرت الزمان والمكان، فكرت في كل شيء، واسترجعت كل أحداث حياتي وتذكرت ما طواه النسيان. تمنيت لو لم أولد، لكن الصمت ينفجر واجد نفسي محاطاً بحزام بشري.

وقع هنا … ووقع هنا

…………………..

اكتب وبخط واضح أنك اعترفت بلا ضغط أو أكراه

………………….

ابتسم أمام عدسة التصوير

………………….

صورتك في صدر الصفحة الأولى

………………

وقع هنا

……………

وجهك للجدار


     سبتمبر 1975

مقالات ذات علاقة

سقف أزرق

هدى القرقني

الرمل الخايب

محمد العريشية

ذكريات جد

علي فنير

اترك تعليق