من أعمال التشكيلي علي حورية.
قصة

من بنغازي إلى بانكوك

من أعمال التشكيلي علي حورية.
من أعمال التشكيلي علي حورية.

سألتني سيدة ركبت إلى جانبي: أنت من أين؟ قلت لها من بنغازي. تأوهت آهٍ بنغازي! إنها مدينة أمي وأبي . وبدأت تحكي عن شوارع وسط المدينة التي أعرفها جيداً، كنت مستمتعاً جداً، وحكيت لها عن الشاعر كليمنتي اربيب، عن المطربة الشعبية بطة، وقالت لي إن جدها كان يعمل إسكافياً في ميدان الحدادة ، وكان أبوها يحيك الملابس في سوق الجريد، ومازالت أمها تذكر بنغازي بالخير، رغم خروجها منها اضطراراً. «تركنا بيتنا الصغير قرب المسجد العتيق، وغادرنا في عُجالة، إنها الحرب، كنت صغيرة آنذاك، لكن مازلت أذكر، كيف جرّني عمي- الله يرحمه- بقوة، وأدخلني إلى البابور، كان البابور كبيراً ضخماً، وكانت بنغازي تبتعد عن عينيّ، وصارت تصغر إلى أن اختفت تماماً، وصرت أبكي، نسيت عرائسي القماشية المُبلَّلة فوق سطح البيت، كنت قد غسلتها قبل السفر الفجائي بيوم، ومنحتها للشمس كي تجف» قالت، مضيفة: «مازلنا في البيت نتكلم بلهجتنا هذه، وفي أعراسنا نغني الغناء الذي كنا نغنيه في ليبيا، وغنت لي: يا ليل يا عين.. بين البركة وسيدي حسين.. يا ليل ياعين .. طول السلك يودر إبرة .. وضحكت قائلة إبرة كلمة سمحة ».

أحضرت مضيفة الطائرة طعاماً حاراً أحمر لذيذاً، كالذي نتناوله في ليبيا، التهمناه، وشربنا بعده عصيراً بارداً، وواصلنا سمرنا، وحكاياتنا عن بنغازي، بنغازي الذي قفل مطارها مؤخراً بسبب المواجهات المسلحة، وقفل المطار في بنغازي أجبرنا أن نسافر إلى مدن أخرى بها مطارات كي نرحل إلى خارج ليبيا، مطار بنينة ببنغازي سافرنا من خلاله كثيراً، كنا نترك السيارة أمامه لأسابيع فلا يمسها أحد، رغم صغر حجمه إلّا أن خدماته لا تتوقف.. كان مطار بنينة شاهداً على كثير من الأحداث المفصلية في تاريخ ليبيا الحديث، من حروب وانقلابات وثورات، كانت وظيفته أن يرفع الكائن المعدني وما به من بشر إلى السماء، ثم يخفضه إلى الأرض بسلام.

الشمس بدأت تشرق من خلال زجاج الطائرة، واستيقظنا من غفوة أخذتنا إلى عالم الأحلام، قالت لي رائحتك مألوفة لديّ، وقلت لها : يا لوريتي أنت ، ربما لأن طعامنا واحد، أو غناءنا واحد، أو أحاسيسنا واحدة، قالت لي الكلمة الأخيرة صح يا ليد .. أحاسيسنا أحاسيسنا .. فطرنا في الطائرة، وهبطنا بسلام في مطار بانكوك، دخلنا الحمام، خرجنا منه، دخلنا السوق الحُرّة، ختمنا جوازات السفر، أخذنا تاكسي إلى وسط بانكوك، كان المطر يهطل، والليل قد خَيّمَ، وأضواء بانكوك المُلوّنة كلها أضاءت، قالت لي ما رأيك؟.. قلت لها: الرّأيُ رأيك.. قالت : يعني شنو .. إبرة .. قلت لها : إبرة .. إبرة .

مقالات ذات علاقة

الضـحـكُ الـمـر

إبراهيم بيوض

المِخْلاة

أحمد يوسف عقيلة

حكاية شاعر آخر

محمد النعاس

اترك تعليق