سيرة

من امي احببت القراءة…

من أعمال التشكيلي الليبي الطاهر المغربي.
من أعمال التشكيلي الليبي الطاهر المغربي.


منذ رحلت ماما (سليمة ابراهيم سالم بن عامر) بهدوء تام كعهدها في هذه الدنيا، هادئة مبتسمة، تشيع الراحة لمن حولها، محفزة من الطراز الأول، شغفها معدٍ، وانا تراودني ذكراها وتلتقيني في كل زوايا ذهني مرائيها العذبة وصوتها الحبيب…

فقد الأم مريع. فمنها يمتد حبل سري من الألفة والحب العميق والاحتماء والاندساس فيها، فكم من ليالي حضن الأم ونظرة عينها الرؤوفة منجاة فكيف بانقطاع هذا الحبل وكيف بانفلات ملامس الكود الوجداني، كيف وقع رحيلها كان على وكيف اندسست في العدم وتلمست الفراغ واحسست البون الشاسع وانقطاع الطرق وبعد القارات وكيف افتقدت الحنو العميق في عينيها: أمي ماما ماميتا سليموس اناديها بكل الاسماء التي اناديها بها وكانت تبتسم. في هذا الزمن الكاتم المكتوم لا يرجع لي غير صداي الهش.

من امي احببت القراءة. كنا ننهمك في العشيات في القراءة لحتى تدرك العتمة ضوء النهار ولازال بنا بقية نظر. لو يدركنا الصباح لا نتوقف. كانت قارئة من طراز رفيع. وكانت لغتها العربية سليمة وقوية وجزلة. وكانت تجيد الانجليزية ايضاً. والعزف على البيانو.

اشتغلت بالتدريس منذ تخرجها من اول معهد للمعلمات ببنغازي في عام 1959 تقريباً. كانت معلمة علوم وحساب وكانت تذكر دائما زميلاتها في الدراسة والعمل بخير. وتذكر تلميذاتها بالاسم وكانت تخبرني ان بعضهن كن أكبر منها عمراً. كعهد تأخر دخول البنات للمدارس في ذلك الزمن. اصبحت معلمة في الخامسة عشر من عمر ها او اقل فقد انتقلت من ست سنوات الابتدائي الى المعهد مباشرة.. كانت ماما تعشق الرسم وتتقنه حتى ان رسام ايطالي صديق لجدي حاول اقناعه بأن يسمح لها بدراسة الفنون في روما. قائلاً: سنيور ابراهيم لديك ست بنات لا بأس لو تركت واحدة تسافر لتدرس الفنون. وهيت لكِ ماما كان امراً صعباً في ذلك الزمن.

اقامت ماما اول عرض للوحاتها خارج نطاق المعهد ضمن معرض جماعي كانت الفتاة الوحيدة فيه – أرجح ان يكون بين عامي 1958-1959. حدثتني ان المعرض كان في مدرسة على البحر – ربما في الشابي او توريللي – وان جدي ابراهيم اوصلها ولوحاتها بالكاليس الى المكان وكان جد فخوراً بها. اتقنت ماما الرسم. وكذلك فنون الخياطة والتطريز والتريكو والأشغال اليدوية على يد السنيورة مارتا وفنون الطبخ وفنون الحلويات في معهد المعلمات الذي اشرفت عليه الأمم المتحدة وكانت مديرته مسز ديليني. يؤلمني انني في السنوات الأخيرة لم أسجل من امي ذكرياتها. كنت كلما هممت في ذلك خفت وطردت الفكرة كي لا (أفاول عليها بالمعنى العامي). كنت أخشى ما اخشاه ان تغيب أمي عن دنيانا – أمي التي حتى وأنا كبيرة في العمر كنت لا أحب البيت من دونها وكانت اسعد لحظاتي عندما اسمع صوت اقدامها على السلم راجعة من زيارة ما. كل وقع لكعبها على درجة يعني اقترابها وكان قلبي يخفق فرحاً ويطرب لذلك وترتاح نفسي.

كرهت ماما السمك لسبب انها تسممت به يوماً وتقيئته وهي صغيرة ومنذ ذلك التاريخ لم تأكله ابداً وإن كانت تتفنن في اعداد اصنافه. من المفارقات الساخرة تخبرني ماما ان مشروع تخرجها في عملي مادة الطبخ بالمعهد كان سمكة بالمايونيز وكم كانت منزعجة ويكاد يغمى عليها غير انها تمالكت نفسها واتممت تنظيف السمكة واعدادها على أكمل وجه وتزيينها بشكل جاذب للعين والشهية كعهدها في كل طبخها. كما ابدعت في جزئية الحلويات في الامتحان وكان صنع سويسرول بمربي الفراولة وهو نوع الحلو الذي طالما استمتعنا به مع الشاي والحليب في العشيات في ايام طفولتنا الجميلة.

كانت كراساتها لتحضير الدروس قطعة فنية في الخط الجميل والرسومات التي تزين هامش الكراسة والرسومات التي تدعم الدرس وكانت مثار الإعجاب. في صغرنا رسمت لنا أمي على ورق رسم مقوى اسود بيضاوي الشكل لوحات مائية جميلة كانت فوق سرير كل واحد منا اضافة الى وسائد الحيوان الاليفة المفضلة على سرير كل منا.

كنا ننام حاضنين قططنا وكلابنا وارانبنا المحشوة ونحلم بالمغامرات والغابات والمروج الملونة بالزهور والجبال المعممة بالسحب. وكنا نذهب فخورين للمدرسة بالوسائل التي تفننت في رسمها لنا لتعلق على حوائط الفصول.

في طفولتنا كنا نتحلق حولها في حلقات متعددة البهجات. يوم في الاسبوع كان مخصصاً للألبومات نجلس حولها تقلبها وتحكي لنا تواريخها وأناسها. وجوه كثيرة.. صور باهتة.. اماكن.. اهل واخوال وخالات واعمام وعمات.. واقارب بعاد في بلدان غريبة.

وكان لكل منا ألبومه الخاص منذ مولده وحتى ساعة الفرجة. الصور منسقة بتراتبية وملصق من حولها قصاصات لزهور ورسومات جميلة من قصها او رسمها. كان يوم الألبومات يوم جميل تنعش قلبي ذكراه اليوم، استعيد فيه ماما متأنقة مصففة الشعر رقيقة ناعمة تعلمنا بطرق غير مباشرة الحياة بتفاصيلها. ونحن ننظر الى كدس الألبومات نتمنى ان لا تنتهي.

وفي حلقة اخرى تكون ماما قد جمعت اربعة علب صابون الغسالة لتلبسها بالقماش والطرز عليها ليضع كل منا العابه فيها وقطع لعبة التركيب (الليقو) والحروف وغيرها من كراكيب، كانت ماما تحثنا على اعادتها الى علبها الأنيقة حالما نكمل لعبنا.

حلقة اخرى ونحن حولها وهي تغلف الكراسات اول العام الدراسي بالسفر الاحمر والاخضر والاصفر والازرق ذاك. كل لون لمادة دراسية معينة حسب طلب المعلمات. وتسمح لنا ان نحاول التسفير معها ولصق ورقة الاسم. كانت تتوخي استقامة طي السفر واستقامة وضع ورقة الاسم. وتخطيط اسماؤنا بخطها الجميل مما رسخ في بصري استقامة الأشياء، لأجل ذلك اتعب إذا رأيت شيئاً اعوج مثل سجاد او كتب او لوحة على جدار. تراني انط هنا وهناك أصلح الاعوجاجات” ليستقيم العالم“اقول لنفسي.

حلقة اخرى حولها وهي تعد الكيكة لنلحس عن جدار الصحن ما علق من الخليط نتلذذ بطعم الڤانيلا وبشر الليمون والبرتقال والسكر والزبدة وبعض من زفر البيض. كانت السعادة دائماً حول امي وفي مجال امي.

ازيد اليوم على ما كتبته سابقاً في محاولة للإلمام بعالم ماما المترع بالجمال والفرادة. كان مولدي -الذي يصادف هذا اليوم- محطة أمي الأولى مع الأمومة وقد شحذت له كل ابداعها في الخياطة والتفصيل والتطريز وحبك الصوف.. لا أمر اليوم على محل ملابس اطفال الا واتذكر كيف كانت ماما تحكي لي عن جهاز مولدي: فساتين من الاورقانزا مطرزة برسومات من مجلة الماني دي فاتا معشقة بغرزة عش النحل عل صدرها مبطنة بقماش ناعم ومثنية بالدانتيلا الرهيف واغطية من الريكامو والتريكو والحفة من الساتان المبطن بالقطن والمخاط عليه بالماكينة اشكال هندسية والمحاط بالبرودريه وكيف كانت السوريلات في مستشفى البردوشمو حيث ولدتُ يتفرجن منبهرات لنعومة ورقة صنائعها.

أمي عالم باذخ الجمال وبانوراما واسعة للسعادة. قد اكتب عنها طول العمر ولا أحيط الا بالنزر القليل.

في نهاية التسعينيات وبداية الألفية شجعت ماما على الكتابة حول شغفها بالزهور والنباتات وهي العالمة بعلم النبات عن فطرة وعن علم وعن شغف. كانت تنال المراتب الأولي في معارض تنسيق الزهور في بنغازي وكانت لديها حديقة جميلة تمضي الوقت في العناية بها. وكان ان وافقت على ان تكتب تحت اسم: (سليمة ابراهيم) وبدأت كتابة سلسلة من المقالات عن عالم الزهور والنبات وحكايا كقصص قصيرة عن نسوة عرفتهن في حياتها. بعضهن بائسات سيرتهن تدمي القلب. بعضهن يسرقن من وعورة الطباع لحظات غناء سري وطقطقات بأكواب الشاي على صوت موسيقى من راديو مختبئ تحت الوسادة منخفض الصوت. بعضهن يتحايلن على الفقر بالتحايل على الآخرين. بعضهن رمت بهن المقادير وسنين الجوع للخدمة في البيوت. بعضهن رعين الماعز في المقطع وعشن في اكواخ من صفيح وخصاص نخيل.

كانت امي منتبهة عظيمة للتفاصيل وللمشاعر المرتسمة على الوجوه. سردها جميل. ولعل من أجمل ما كتبت امي على حلقات سلسلة (مذكرات حاجة) من واقع تجربتها في الحج والروحانية العميقة التي حلت برؤيتها للعالم. تفاصيل جميلة مفعمة بالدهشة وبالاستكشاف للرحاب المقدسة ولغار حراء ولأحجار ونباتات الجوار الكريم وللحجيج وسلوكياتهم وللمقام وللكعبة. التقاطات مختلفة كانت لتمر مر الكرام على اي حاج اخر ولكنها عبر التقاطات امي وقلمها الجميل اخذت بعداً اخر.

كنت انذهل عندما تسلمني المادة كل اسبوع لأقدمها لصحيفة الشمس حيث تكتب تشدني اللغة الرائقة والخط الجميل. كنت اغيب في قراءة السرد وعيش اللحظات لدرجة انني اكاد الآن استرجع ما كتبت في ذهني الا قليلاً، متحسرة على ضياع ارشيفها في الحرب. وقد حاولت كثيراً عبر الزميلات في ارشيف المؤسسة العامة الصحافة وفي مكاتب صحيفة الشمس في بنغازي وطرابلس وفي اخبار بنغازي حيث نشرت بعضها، لعلني احصل عليها ولم اتمكن لضياع معظم الأراشيف في الحرب. كل ما تبقى لدي مخطوط الحلقة الأخيرة من مذكرات حاجة.

كانت تحتفظ بأعداد الصحيفة وكان لديها كراس تلصق عليها قصاصات مقالاتها موثقة بالتاريخ في نسق احترافي. حين وضعت الحرب اوزارها وزرنا ما تبقى من البيت. نظرت ماما – بصمت فوق صمتها الذي غرقت فيه بعد مقتل اخي خالد غدراً – نظرت للدمار من حولها ولأثر حريق القذائف والركام والحديقة المجندلة ولغرفتها المبعثرة وأثار العابثين وكل ما فعلته ان جلست على كرسي في السقيفة الصغيرة امام غرفتها وانزلت وشاحها على وجهها وطأطأت راسها وبقيت جامدة رافضة كل ما نقبناه من غرفتها، تدفعه بيدها رفضاً واوضحت بشدة انها ما عادت تريد شيئاً.

لن يمحو الزمن صورة ماما ذاك اليوم ولن يمحو الزمن بئر الحزن العميق في عينيها. لن يمحو الزمن تلك السنين الرهيبة وذاك الفقد المريع الذي اطاح بما تبقى من صبرها وقلب كيانها وادخلها عوالم الصمت والمرض. حتى رحلت وفي عينها ألف سؤال ومليون مجرة حزن تدور في افلاكها حسبنتها وجلاميد ثكلها.

هذه بداية واعرف ان كثيرون لديهم ما يضيفونه الى سيرة امي الغالية…

(24/10/2020)

مقالات ذات علاقة

للـتاريخ فـقـط (2)

عبدالحميد بطاو

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (40)

حواء القمودي

محاولة القبض على سيرتي الأدبية!؟ (57)

حواء القمودي

اترك تعليق