المقالة

من القبلية إلى المواطنة .. متى؟

 

عندما تغلـّـش عيونك وتنظر إلى مساحات النجيلة الخضراء التي كست فضاءات بنغازي المتربة .. ستدور بخلدك شتى التساؤلات: هل أنا في بلد صحراوي حقا؟ أم في شمال أوروبا؟ أم في السهول الاستوائبة في وسط أفريقيا؟ لكن أولا كلمة يغلش .. كلمة ليبية، وتعني أن تنظر بعينيك نصف مغلقتين بقصد التركيز وتقليل وهج الضوء لكي تتمعن. أما النجيلة، وإن كانت مكلفة، إلا أنها منحت المدينة غلالة من الاهتمام .. فهل ستكفي لجبر خواطر أهل المدينة؟ نقولوا إنشالله فاتحة خير.

لكنك في هذه المدينة التي تزهو بحدائقها، ستصادف هنا وهناك لافتة مكتوب عليها “رابطة شباب قبيلة كذا..”، بل قبل عامين ظهرت عيادة بإسم “عيادة قبيلة كذا” ولم أعرف هل كانت مملوكة لتلك القبيلة أم مقصورة على علاج أبنائها؟ وقد اختفت على أية حال. ولهذا تتساءل أي مرتبة من التمدين بلغنا؟

عبر العصور

وطبعا الشيء بالشيء يذكر.

منذ الأزل، لم تكن وحدة الأرض الليبية وليدة قرار حكومي .. بل هيأتها شتى الظروف .. وأولها البيئة الصحراوية، التي عزلتها عن جيرانها في الأراضي الخصبة .. تونس الخضراء ومصر هبة النيل، باستثناء جيوب كساحل مرسى مطروح والجنوب التونسي التي تقطنها قبائل ليبية الأصل.

الصحراء بيئة قاسية تفرض علاقات اجتماعية قائمة على القبلية .. وللقبيلة ايجابياتها في سياقها التقليدي فهي وحدات صغيرة ومستقلة .. كل قبيلة متكافلة متنقلة وذات كفاءة دفاعية.

في العصر الروماني كانت هناك قبائل ليبية .. وقبل الفتح الإسلامي توطنت قبائل أمازيغية(1). وفي القرن الحادي عشر الميلادي كانت هجرة القبائل العربية من الشرق .. هجرة بني هلال وبني سليم، فتعربت لغة الليبيين الذين ولدوا من انصهار العرقين العربي والأمازيغي(2) عبر قرابة أربع قرون، وهي العامية الليبية التي نتحدث بها اليوم!

بدايات المجتمع

في القرنين 18 و 19.. كان العهد القرملي تعبيرا عن الثقافة الليبية المحلية .. وخاصة في عهد يوسف الذي سعى لمد سلطانه على برقة وفزان. ولم يكن الأمر مجرد توسع عسكري بل محصلة لتنامي التجارة مع أفريقيا من جهة ونتيجة انتشار جماعات الكراغلة والمهاجرين من مصراته وتاجورا وسهل الجفارة للاستقرار في الواحات الليبية وخاصة قرى الشرقي وأهمها درنة وقرى الساحل بين قمينس وتوكره. والكراغلة ليسوا مجرد سلالة الزاوجات بين الأتراك والليبيين، بل أيضا عشائر ليبية عرفت بتعاونها مع السلطة في تشكيل الحملات العسكرية. لكن الكراغلة شكلوا شبكة متاجرة مدّت أواصر بين الواحات المتباعدة.

وكانت هناك عوامل أخرى تدفع إلى الوحدة .. فزان كانت قد خرجت لتوها من تحت حكم دولة الكانميين السودانية، لتهيمن على أمورها وتوحدها قبيلة أولاد سليمان اليافعة والمقاتلة .. بينما نجحت الطريقة السنوسية في تحقيق سلام اجتماعي بين قبائل برقة بفضل اهتمامها بإعادة البدو إلى التعاليم الإسلامية وبإنشاء الزوايا عند تقاطعات طرق القوافل، فأنشأت يذلك ما يشبه السلطة الحكومية، لفض المنازعات وتنظيم العلاقات.

تلك الحقبة التي تأكدت فيها وحدة الليبيين جسدها في اعتقادي الشاعر الخالد سيدي امحمد قنانه .. الذي قال شعرا بالعامية الليبية.. انتشر على لسان كل أبناء هذه الصحراء(3). قبل أن ينتشر التعليم وتأتي الفضائيات بشتى المفردات الفصحي والمصرية والشامية ثم الخليجية!

الحكومة والوحدة

الحكومة العثمانية تأرجحت بين اعتبار ليبيا ولاية واحدة وببن منح برقة صفة المتصرفية .. وإثر الغزو الإيطالي اضطرت الدولة العثمانية التنازل عن ليبيا ككل في اتفاقية أوشي لوزان فى 18 أكتوبر 1912. ومع ذلك تعاملت السلطة الاستعمارية الإيطالية مع ليبيا كولايتين .. طرابلس وبرقة .. لاعتبارات عملية .. فالحاجز الصحراوي حال دون نقل الجيوش والمعدات عن طريق البر، ولذلك اعتمد الطليان على البحر لربط شرق البلاد بغربها. ثم إن حركة المقاومة وهجرة عشرات الألوف والمعتقلات الجماعية، كلها زرعت في الليبيين شعورًا بالمواطنة أوسع من الانتماء القبلي.

الطريق الساحلي

وتدريجيا قادت التقنية التي جاءت بها إيطاليا إلى تقريب الفيافي الليبية .. التلغراف، السفن، السكة الحديد .. وفي سنة 1932 عين المارشال إيتالو بالبو حاكما على كل ليبيا كولاية واحدة، وفي عهده مُهـّـد الطريق الساحلي .. أهم إنجاز إيجابي لحقبة الاستعمار الإيطالي .. لخدمة مصالحهم ودعم وجودهم بالطبع .. إلا أن الحرب العالمية الثانية اندلعت سنة 1939 وقادت إلى خروج إيطاليا من ليبيا، ففتح الطريق الساحلي لليبيين حركة التجارة وتنقل البشر وعزز التواصل والشعور بالوطن. ومن باب الأمانة التاريخية، استغرق مد الطريق الساحلي عامين فقط، أي بمعدل ثلاثة كيلومتر في اليوم، وهو رقم قياسي، بما في ذلك عشرات الجسور لتخطي الوديان. ثم إنه ليس صجيجا أن العمال الليبين تم تشغيلهم بالسخرة، يل كانت ظروف معاشهم جيدة ، لكنهم كانوا عمالا غير مهرة طبعا.

الوحدة في زمن الإدارة

كانت المطالية بالوحدة محور مطالب الحركة الوطنية. وبينما سعت بريطانيا للاحتفاظ ببرقة المجاورة لمصر حيث قناة السويس، تطلعت إيطاليا إلى العودة إلى طرابلس. ونادى كل من المؤتمر الوطني في طرابلس وجمعية عمر المختار في بنغازي، بوحدة ليبيا(4). وخرجت المظاهرات ودارت المعارك الخطابية وعلى الصحف. وبوم أعلن استقلال برقة الذاتي في 1/ 6/ 1949، كان هتاف الجماهير المتجمعة أمام قصر المنار منددًا .. ومستغربا ” كيف يمكن لبرقة أن تضحك وطرابلس تبكي؟”.

الفيدرالية

استقلت ليبيا عام 1951 وفق قرار الأمم المتحدة، وولدت بنظام فيدرالي بثلاث ولايات.. لكن النخبة الشابة والمثقفة اعتبرته نظاما استعماريا يعزز الانفصال. ولا شك أن النظام الاتحادي كان سببا فى كثير من الارتباكات الإدارية والمصادمات بين الحكومة الاتحادية والولاة(5). وجرت محاولات للترضية وحلول الوسط، وخاصة في توزيع المناصب الوزارية، بما يسمح بتمثيل عادل لكل جهات الوطن. ومع ذلك لم تحدد عاصمة، وعقدت الحكومات والبرلمان جلساتها في بنغازي وطرابلس .. ثم البيضاء.

البترول والوحدة

لكن اكشاف النفط، خلق مشاكل بين حكومات الولايات وشركات البترول التي طالبت بضرورة تبسيط المعاملات الإدارية والقانونية. وبعد تعيين المرحوم المحامي محي الدين فكيني رئيسا للحكومة (مارس 1963 إلى يناير 1964)، صدر قانون بإلغاء النظام الفيدرالي والولايات، وهو ما عرف بتحقيق الوحدة في أبريل 1963(6). ويجدر التنويه أن فكيني أعلن إلغاء الفيدرالية بعد شهر واحد من استلامه رئاسة الوزارة، مما يعني أن المشروع كان مقررًا سلفا ! ورغم النوايا الطيبة إلا أن مذبحة الطلبة فى 14 يناير 1964 في بنغازي قادت إلى إقالته، لأنه طالب بمعاقبة الجناة.

الفساد .. وإسفين الإقليمية

إذا كانت القبيلة تكوينا اجتماعيا فعالا في بيئة الصحراء .. إلا أنها عنصر سلبي لا يتسق مع بنية الدولة الحديثة .. بل من شأنه أن يعيق حركتها وإنجازاتها ومشاريعها. فالدولة الحديثة قائمة على أساس الكفاءة فتختار موظفيها مثلا على أساس المؤهل والقدرات وليس على أساس الانتماء والولاء القبلي. وبالتالي لا تستطيع أن تختار مديري المشاريع أو الموظفين أو المهندسين والأطباء أو طلبة البعثات أو موظفي السفارات أو .. أو .. على أساس انتمائهم الجهوي أو القبلي! لكن مناخ الفساد المالي والإداري يتأسس غالبا على المحسوبية وتحالف جماعات أو شلل عائلية أو قبلية ومصلحية طبعا. وهذه تعمل في محيطها المباشر، فيهتمون فقط بمناطقهم ويهملون بقية المناطق.

وللأسف تزايد الفساد عندنا.. والنتيجة إهمال مناطق من يفرن إلى درنة إلى مرزق. والإهمال يقود إلى التذمر والإحساس بالغبن .. ويعزز مشاعر الإقليمية القصيرة النظر … ؟

وأخيرًا .. الجهوية قد تكون حلوة وممتعة في أغنية أو وجبة طعام أو على لسان أنثى متغنجة .. لكنها خطر على مستقبل الوطن. فالتحيز يقود إلى زرع مشاعر الغبن التي قد تجد من يستغلها ؟!

إذن .. ثمة ما يستدعي وقفة جادة وصادقة مع الذات!! ولنرفع كؤوس المحبة من أجل ليبيا !!

_________________________________________

* نشر أيضاً في صحيفة قورينا، اليوم الخميس 8/10/09، تحت عنوان “على نخبك يا وطن”.

(1) أنظر كتاب تاريخ الصحراء الليبية في العصور الوسطى، تأليف: جاك تيري، وترجمة جاد الله عزوز الطلحي، الدار الجماهيرية، 2004.

(2) انظر كتاب ليبيا منذ الفتح العربى حتى سنة 1911 تأليف روسى وترجمة التليسى، بيروت، 1974. و كتاب د. محمد برهانة، “سيرة بنى هلال: دراسة أدبية لغوية مقارنة” ، جامعة سبها، 1994.

(3) انظر فصل “في البدء كان قنانه” من كتابي “هذا الوطن الذي يسكننا”، القاهرة.

(4) انظر للدكتور المفتي أيضا، كتاب “السعداوي والمؤتمر بين التمجيد والنسيان”، طبعة خاصة، القاهرة. وكتاب “الجمعية: طموح للديموقراطية في مجتمع تقليدي”، تحت الطبع.

(5) انظر تفاصيل أول صدام دستورى (يناير 1954)، وكان بطله المرحوم على الديب رئيس المجلس التشريعى لولاية طرابلس، ص 206-250، من كتاب سامى حكيم “حقيقة ليبيا”، وأيضا كتاب خدورى، “ليبيا الحديثة”، وأخيرا كتاب المرحوم على الديب نفسه الذي نشر قبل عامين.

(6) انظر ص 84-100 من كتاب حقيقة ليبيا، سامى حكيم، مكتبة الأنجلو مصرية 1970.

18.10.2009

مقالات ذات علاقة

الفاعل “ضمير” غائب

سالم العوكلي

ديانا ومارادونا و”ذكرى” الربيع العربي

سالم العوكلي

الشعر الليبي الحديث في حاجة إلى نقد حقيقي

نبيلة سالم الطاهر

اترك تعليق