المقالة

من الأصوليات الى الاصالة

‏‫مايقال عن تهديدات وأخطار تواجه الاسلام ، إنما هو صادر عن سوء فهم للإسلام ، فليس بمقدور أية اخطار ان تطاول قامة الاسلام السامقة ، اما عن الاخطار الفعلية فهي تلك التي تواجه الانسان ، كل إنسان .. مسلما كان او غير مسلم .. والتهديدات تلاحقه وحده ولا تلاحق الاسلام .

وسوء الفهم ذاك هو مصدر غفلتنا عن حقيقة ان الاسلام قادر على إنقاذ الانسان مما يحيط به ويتهدده من اخطار وازمات ، بل هو الاقدر  على انقاذه من بين كل المتاح والمتداول من أفكار ومعتقدات ، بما في ذلك ( العلمانية ) التي رغم التقاءها مع الاسلام عند هدف تحريره مما يكبله ويعوق حركته ويربك حياته .. تظل قاصرة عن تقديم ما بمقدور الاسلام تقديمه من حلول لمشكلات الانسان ومجتمعه والازمات التي تواجههما ، ونحن اذ نقف جميعا في مواجهة تلك الاخطار والتهديدات فجدير بنا ان نبحث عما يمكن ان يكون لنا فيه أمل ، وان نتجه اليه مباشرة لنتعرف اليه ونفهمه ، وذلك في إطار ما يطرح هنا هو الاسلام ، فان نعرف ديننا ونفهمه هو مانحن في حاجة اليه ، ليكون موقفنا منه مستنيرا وليس تقليديا او اتباعيا لا مبرر له سوى الوراثة .. وحتى اذا كان هنالك من يرى في القول بأهلية الاسلام وقدرته على إنقاذنا مجرد مزاعم انفعالية ومفتعلة تجيء عن انحياز وتعصب لديننا ، فلا باس في ان يظن اي كان او يعتقد ما يعن له من الظنون او الاعتقادات .. فقد يكون ذلك مهما ، خصوصا مع يقيننا بان المعرفة مشاعة كالهواء والحريّة ولاحق لأي كان في احتكارها وادعاء ملكيتها دون الاخرين ، ولكن الأهم ان نولي هذا القول ما يستحق من الاهتمام لا لشيء الا لانه مهم فعلا الى ذلك فان ما طرح ويطرح من حلول لما يواجهنا من أزمات وأخطار ، إنما يجيء عن سوء الفهم المشار اليه ، مما ينأى بها عن ان تكون واقعية وناجعة ويفقدها أية جدوى تومل منها .

فلا تجديد الخطاب المسمى دينيا ، ولا التشبث بالأصوليات المتماحكة التي تزعم كل منها انها وحدها التي تجسد أصالة الاسلام دون غيرها ، ولا الايديولوجيات المتخلفة ، بقادرة على ان تدرأ عن الانسان ما يتهدده من خطر تلك الأصوليات والأيديولوجيات التي تتجاذبه ويكاد يذهب بينها بددا واشلاءا ، وليس بمقدورها إخراجه من حصار الظلم والظلام الذي يحيط به من كل الجهات ويكتنفه مثل شرنقة .

ان الخطاب المدعو دينيا والمتاح لنا والمتداول عبر منابرنا وفضائياتنا وإعلامنا ، والذي عماده السجع والعنعنات والتفسيرات التي .. حين يعجز أصحابها عن فهم النص القراني يلجأون الى الاستعارة مما يعج به التراث السابق للإسلام ، والذي جاء الاسلام أصلا ليبين مدى افتقاده للعقلانية وتهافته .. مثل قصة الخلق في التوراة المنحولة .. وذلك لتبرير الموقف المتخلف من المرأة على سبيل المثال ، والذي يعتمد لغة انفعالية متهدجة ومهولة ، ذلك الخطاب ليس فقط لايوافق العصر الذي نعيش فيه ، بل هو .. وذلك الأدهى .. لايتفق وعقلانية الاسلام الحقيقي ولا يتناسب معها ، كما ان الأصوليات المسماة هي الاخرى دينية ، والتي لا هدف فعلي لكل منها غير اقناعنا بأنها وحدها التي تجسد أصالة الاسلام من بين كل الأصوليات ، في الوقت الذي يعلن فيه تماحكها وعدائها المتبادل عن مجانبتها جميعا للأصالة وبعدها عنها ، اذ لا يعقل ان تستبدل الاصالة وجهها بأقنعة توافق اهواء البشر و تقلبات أمزجتهم ، فالاصالة حق وليس للحق سوى وجه واحد لا يتبدل ولا يتبذل في حين لا حصر لوجوه الباطل والخطأ ولا لاقنعتهما ، اما عن الايديولوجيات ، فلا شيء غيرها يقف وراء تخلف الخطاب وتماحك الأصوليات .

ذلك يضيف رفدا اضافيا للقول بان الانسان وليس الاسلام ، الانسان .. وبمعزل عن انتماءاته ومعتقداته وثقافته .. هو من يعاني الأزمات ومن تواجهه الاخطار في ذاته وفي وجوده بكل ما لذلك الوجود من معانٍ وقيم ، ويضيف تأكيدا للقول بأهلية الاسلام لإنقاذنا جميعا ، وذلك بتعليمنا كيفية التحرر مما يكبلنا ويحول بيننا وبين الانسان .. ذاتنا والآخر .. وبيننا وبين العالم الذي نعيش فيه بل وبيننا وبين الخالق ، لكن لا يبارحنا ذلك التاكيد دون ان يضعنا في مواجهة السؤال .. عن اي اسلام نتحدث ؟ وأي اسلام نعني بقولنا انه مؤهل لإنقاذنا واخراجنا مما نرسف فيه من تخلف ؟

والواقع ان الإجابة لن تكون موافقة ولا مرضية لأماني ورغبات اي توجه ايديولوجي او اصولي ، خصوصا ونحن نرى ونعايش تخبطها جميعا ولا جدواها ، ولا يبدو في الأفق المنظور ما هو مجد وفيه أمل حقيقي وواعد لنا الا بالتوجه الى المنبع الأصلي للإسلام ، الى القران الكفيل وحده بتعليمنا كيفية القراءة السليمة لكتابنا الكريم نفسه ولغيره ، وايضاً لديننا  ولذاتنا الانسانية ولعالمنا وللوجود من حولنا فما دامت كل الطرق المتاحة مزحومة ومقفلة بالهياكل الاصولية المتهالكة وبالخردة الأيديولوجية الصدئة ، لم يبق من خيار أمامنا غير ان نبحث لنا عن مخرج من واقعنا الرديء ، ولعل معرفة الاسلام نقيا يحقق لنا ذلك ، وذلك بقراءة كتابنا المقدس بنظرة متحررة من كل المتاح والمتداول من مفاهيم اصولية وأيديولوجية .

في ضوء هذا الفهم تجيء هذه المحاولة للفت انتباهنا الى ان في الإمكان ابدع مما كان وَمِما هو كاءن ، ولتدعونا الى كسر التابوهات والطواطم التي اورثتنا وأورثت ديننا تهم التخلف والارهاب ، وذلك بتأكيدها على مغايرة الاسلام لكل المنظومات والكيانات الكهنوتية ، التي ليست غير الأعمدة الفقرية للعقائد الوضعية والأسطورية المسماة اديانا ، والتي طالت بتأثيرها الدين السماوي في صيغتيه الموسوية والعيسوية وذلك بفعل ما اقترفه كهنة واحبار اليهود من افساد وتحريف لتوراة موسى وإنجيل عيسى ، ومن افراغ لهما من محتواهما حولهما الى ايديولوجيتين لحساب العنصرية اليهودية .

وهذه المحاولة كذلك دعوة إلينا جميعا الى ان نعود الى ديننا في نقاءه وأصالته ، نتعلم  منها ان  نحسن القراءة والفهم دون تحامل ولا إسقاط انفعالي ولا تعصب لا عقلاني ، وتتيح لنا سبل درء الاخطار التي تتهددنا ، كيفية القضاء على اغترابنا في عالم نبدوا فيه دخلاء ، قراءة تمنحنا أهلية الانتماء الى زماننا الذي نعيش فيه ونعايشه ، وتمكننا من ان نكون حداثيين فعلا لا توهما ولا ادعاءا وأبناء شرعيين لعصرنا دون تهافت ولا ابتذال .

مقالات ذات علاقة

أين ليبيا التي عرفت؟ (32)

المشرف العام

الصيغة العربية الليبية لدولة المواطنة

آمنة القلفاط

حقيقة اللاعنف لدى غاندي

عمر الككلي

تعليق واحد

جمعه الدويب 2 مايو, 2015 at 21:56

إن الاسلام قادر على إنقاذ الانسان مما يحيط به ويتهدده من اخطار.
كيف لنا ونحن واقعين تحت مضلة الجامع المسروق والفقيه المؤدلج؟

رد

اترك تعليق