قصة

مكـتب الرئيـس

كانت نصال الشمس قد خضبت الغرفة بلونها البرتقالي الباهر… حين دخلت بخطى واثقة لمقابلة الرئيس.

كانت قد قطعت ممرا طويلا واسعا اصطفت إلى يمينه مكاتب أغلب أبوابها مغلقة، لينتهي بمقهى مفتوح غلف أرضيته وجدرانه بلاط أبيض، ويشق الأرضية حتى منتصفها حائط قصير تعلوه رخامة بيضاء ثبت على طرفها صندوق زجاجي اصطفت على رفوفه الزجاجية -كالدمى القماشية- أكياس الشاي المستورد بنوعيها الأحمر والأخضر، وعدد من القارورات الزجاحية المعبأة بحبوب بن “الناسكافيه”، وبعض البراريد القديمة والأكواب الزجاجية تعلوها دوائر من الغبار.

بالرغم من نوافذ المقهى الواسعة فإنه بالكاد تتبين وريقات شجر “الأكلبتوس” العملاقة وقد بدت متهدلة بذبول من خلف زجاجها الذي تجمعت على وجهه الأتربة والغبار وشكلت ثنايا وتجاعيد وبقعا كثيفة.

يقف خلف الحائط القصير شاب نحيل يكز  بأسنانه على سيجارة تحترق وينفث الدخان من بينها وهو يضيق عينيه كلما علا حريقها، بينما يداه مشغولتان بتحضير القهوة والشاي على “الغاز”. كانت ركوة القهوة من الألمونيوم متوسطة الحجم  يمتد منها مقبض أسود يغمض الشاب بيده عليه وهو يضغط بسبابته، وقد غلف نصفه السفلي سخام أسود. أما براد الشاي فكانت قبعته تنتفض على وقع بقبقة المياه المغلية، كالجسد الذي يودع الحياة، ، وقد التصقت عيدان الشاي وتكومت عليه كما هو حال الغبار اليابس على النوافذ.

اصطفت في الممر أمام المقهى كراس بلاستيكية برتقالية اللون يربط فيما بينها قضيب حديدي صدىء، ويتمدد إلى جوارها كرسي خشبي مستطيل كذاك المخصص عادة للحدائق.

كانت الساعة قد قاربت التاسعة صباحاً، ومازالت تخطو بذات الخطوات في الممر نحو مكتب الرئيس، حتى وصلت اليه.

توقفت لبرهة، رفعت رأسها وتأكدت من اللافتة البلاستيكية البيضاء المنقوش عليها بالأخضر “مكتب الرئيس”، فوجئت بالباب المؤدي إليه موصدا وقد التف حوله في شكل نصف دائرة مكتب استقبال، جلس خلفه ثلاثة شبان يتبادلون الأحاديث والضحكات، يتحلقون حول طفاية سجائر بلاستيكية موضوعة على كرسي تحت طاولة المكتب، يدخنون، وقد علت من خلفهم لافتة ” ممنوع التدخين”.لم تلق عليهم بالتحية، والتفتت نحو باب آخر علقت على حاشيته ذات اللافتة، يؤدي إلى حجرة ملاصقة لمكتب الرئيس.

كان الباب الفاصل بينهما مفتوحاً، دخلت ونقرت على الباب نقرتين بعظمتي أصبعيها المعقوفتين وهي تقف في منتصفه فبدت أشبه بلوحة بارز رسمها داخل إطار خشبي.

كان مكتب الرئيس فسيحاً، نوافذه المطلة على الشارع الرئيسي واسعة، تكاد تلتهم الحائط الأيسر بأكمله، وكانت دفقات أشعة الشمس في ذلك الصباح المنعش قد سرت في أوصال المكتب وشعت فيه ألفة، عكستها ابتسامة الرئيس الواسعة.

“تفضلي…. تفضلي”

كان يجلس على كرسي جلدي بني أمام طاولته، يتصفح بعجلة أوراق الجرائد الباهتة الممدة عليها تتصدرها جريدة قصيرة القامة بعنوانها الأخضر المميز وافتتاحية رئيس تحريرها.  إلى جوارها دباسة أوراق فاغرة فاها تنتظر قضم الأوراق بنهم. كان على طرف الطاولة علبة انتصبت فيها مجموعة من أقلام الحبر الجافة الرخيصة وقد أطلت بأغطية رؤوسها الزرقاء والسوداء والحمراء.

كان قصير القامة، حنطي البشرة، يرتدي بدلة افرنجية، ويضع رباط عنق ملونا، يحف منتصف جسده حاشية الطاولة، يعبث بأصابع إحدى يديه بشعيرات لحيته المتناثرة.

ظلت الابتسامة تتوهج على وجهه وهو يكرر “تفضلي…. تفضلي..” ويشير بيده إلى إحدى الكرسيين المنتصبين أمام مكتبه.

ترددت تأدباً، لكنها سرعان ما مدت خطواتها الواحدة تلو الأخرى كدرجات سلم كهربائي. جلست أمامه على حاشية الكرسي الجلدي، وضمت ساقيها، مدت إليه بورقة موسومة بختم أخضر على حاشيتها العليا، مد كفه الحنطية الصغيرة، أخذها ثم بدأ يقرأ..

أبعدها عن عينيه ورجع بها إلى الخلف، أخرج نظارته من جيب سترته ووضعها على أرنبة أنفه، استل أحد الأقلام من رأسه، نزع عنه الغطاء وثبته على ذيل القلم، ضغط به على الورقة وخط به على حاشيتها، ثم مهره سريعاً بتوقيعه..أعاد الورقة إليها، وقد عادت الابتسامة تضيء وجهه الحنطي.

وقبل أن تهم بالنهوض من مكانها وترحل، وقعت عيناها على النافذة العريضة أمامها ،ورأت لأول مرة من أعلى، الشارع الرئيسي الذي تستقله يوميا، وقد تراصت السيارات الواحدة إلى جوار الأخرى في أوضاع غير متسقة وبدت ذات أحجام صغيرة، وضاق بعضها ببعض.  رأت رجال  المرور كأنهم نتف ثلج ببزاتهم البيضاء ، وبعض المارة هنا وهناك بلا ملامح.

التقطت بعينيها ماوراء الساتر الحديدي على حافة الطريق: أرض شاسعة، فراغ من المساحات الترابية التي خلفها ما هدم من مبان كانت عليه، حفر متناثرة هنا وهناك، وبعض البرك الطينية، وأكداس من الألواح.

التفتت إليه، وجدته ينظر نحو ذات الاتجاه، بعينين واهنتين وقد خبت الابتسامة التي كانت تضئ وجهه…التفت نحوها وهم بالكلام….ثم أمسك عنه… أشاح بوجهه، وهو يتمتم “كل شيء تغير…للأسف” .

استأذنت… خرجت من ذات اللوحة… عادت إلى الممر الذي كان قد اكتظ بالبشر.. وقد امتلأت الكراسي البرتقالية بالجالسين منهم، تجمع بعضهم أمام المقهى وقد علت أصواتهم..

خرجت من الساحة، دلفت إلى الشارع الرئيسي الذي يطل عليه المبنى، وجدت كل شيء على حاله كما تركته هذا الصباح، انتابها شعور قوي أن ما رأته من مكتب الرئيس أعلى المبنى يختلف عن المكان الذي تجوبه قدماها. كان كل شيء يتحرك أمام ناظريها كما تواترت عليه الأحداث..  عجلات السيارات المتنافرة تلتفت يمنة ويسرة وهي تدور على الأسفلت، أصوات أبواقها الحانقة، البشر يقطعون الشارع نحو المبنى بخطى متكاسلة وقد تجمعت على رؤوسهم فصول قصصهم الأليمة، الأقدام تتسلق بصعوبة رصيف الأسمنت العالي المثبت عليه علامات مرورية “ممنوع الوقوف”،  قطرات اللعاب تتناثر من الصفارات المعدنية وهي تهتز بين شفاه رجال المرور وهم يلوحون بأذرعهم، أكداس رجال الشرطة ببدلهم الزرقاء يتحركون في دوائر أمام باب المبنى الحديدي الواسع وهو يلتهم اجساد تحف بعضها البعض عند مدخله يلوكها ثم يلفظها من جديد ..

كان المكان من أعلى المبنى صامتاً، أقل تفاصيلا، وأبهت الواناً… التفتت إلى المبنى نحو الأعلى، فلم تتبين من بين أقواسه موقعها في ذلك الصباح بمكتب الرئيس.

الدار البيضاء 22. 3. 2010

مقالات ذات علاقة

امْرَأتان…

أحمد يوسف عقيلة

هموم

المشرف العام

قصتان قصيرتان

جمعة الفاخري

اترك تعليق