مكابدات الجيلاني طريبشان
المقالة

مكابداتُ جيلاني طريبشان

قبل حوالي ثلاثة عشرة سنة أعد الأستاذ أحمد الفيتوري ملفاً خاصاً بعنوان (مكابدات الجيلاني .. مختاراتٌ من شعر جيلاني طريبشان) نشره بعدد مجلة عراجين (الكتاب الرابع – يناير 2006) وقدم له بمقالته المعنونة (الجيلاني الشاعر المنفي!) التي جاءت في خمس صفحات (186-190)، أتبعها بنشر مجموعة قصائد مختارة للشاعر الراحل جيلاني طريبشان هي (إبتهال إلى السيدة “ن”، طقوس كل يوم، مكابدات، مقاطع ما قبل الرحيل الأخير، قداس، أوراق مغربية، حانة الرعب، لن تري يا امرأة، مساواة، حميمية)، ثم ضمّن هذا الملف كاملاً في كتابه (نهر الليثي في الحداثة الشعرية الليبية) الصادر سنة 2009 عن المؤسسة العامة للثقافة.

مكابدات الجيلاني طريبشان
مكابدات الجيلاني طريبشان

وفي بداية العام الحالي 2019 أثناء فعاليات الدورة الخمسين لمعرض القاهرة الدولي للكتاب صدر عن دار الأدهم للنشر والتوزيع كتاب (مكابدات جيلاني طريبشان) في حوالي مائة وخمسة وثلاثين صفحة من الحجم الصغير، متضمناً بعض نصوصه الشعرية ومقالات كتبت عن شخصيته وقراءات قصيرة في شعره المتميز. 
وقد كتب الروائي العالمي إبراهيم الكوني على الغلاف الخلفي للكتاب الصادر يقول (جيلاني طريبشان -هذا- شاعر طليعي. وهو بذلك رائد حركة الرفض والثورة عندنا.
حركة الرفض: لأنه ينزف معاناةً وألماً وتمرداً على مستوى الذات، لأن الواقع والعصر معاً يتآمران ضده، ويدفعان به إلى خنادق الغربة، ومجاهل المنفى النفسي بصورة مستمرة.
حركة الثورة: لأنه صديق حقيقي للبسطاء ونصيرهم في صراعهم من أجل الحياة، من أجل أن يخلقوا لقطار الحياة السريع “سائقاً” يقوده في طريق آخر غير المتاهة، ويطلق سراح الأيدي والأقدام الموثوقة بداخله.
جيلاني طريبشان الذي يتدفق شعره صبراً وتصبراً وطموحاً ويقيناً بالمستقبل وانتصاراً له ولقيمه الجديدة. 
إنه نزيف مستمر وصبور في سبيل قضية عادلة.)

أما في مستهل الكتاب فإننا نطالع قبل مصافحة نصوص الشاعر الجيلاني طريبشان مقالة قصيرة بعنوان (الجيلاني .. الذي لا ينظم الشعر) للأستاذ محمد صالح ابويصير، يستحضر فيها بعض ذكريات تعرفه ولقاءه الأول بالشاعر في سجن طرابلس المركزي “بورتا بينيتو” بداية سبعينيات القرن العشرين الماضي، ومسجلاً انطباعه وشهادته عن الشاعر خلال محنة السجن والتي فحواها -كما يقول- أن الجيلاني لا يقول الشعر فحسب، بل كان هو نفسه حالة شعرية خاصة، تعيشها ذاته المغتربة كل يوم، وتتفاعل في أعماق مشاعره وأحاسيسه كل لحظة، وتوثقها حروفه ونصوص أشعاره في كل مشهد للحياة.

وبعد تقديم تلك الشهادة البويصيرية الموجزة تظهر قصائد جيلاني طريبشان التسعة عشرة المنشورة في الكتاب كالتالي:
1 – مرثية العمر الضائع، المكتوبة في دبلن بإيرلندة سنة 1985.
2 – حانة الرعب، المكتوبة في يناير 1991م.
3 – هواجس ليلة.
4 – دولة.
5 – شجن، المكتوبة في الرجبان بتاريخ 12/1/2001م.
6 – مكابدات، المكتوبة في طرابلس سنة 1993م.
7 – سؤال إلى ولدي نور، المكتوبة في الرجبان بتاريخ 2/1/ 1998م.
8 – حميميّة، المكتوبة في الرجبان بتاريخ 18/1/1994م والمهداة إلى wendy cox
9 – مونولوج داخلي، المكتوبة في طرابلس سنة 1993.
10 – الطين، المكتوبة في طرابلس سنة 1989.
11 – مساواة، المكتوبة بتاريخ 20/1/1994.
12 – صور، المكتوبة بتاريخ 29-30/6/2001.
13 – تنجيم، المكتوبة بتاريخ 7/8/1994.
14 – إشارات، المكتوبة في طرابلس بتاريخ 12/5/1978.
15 – أيها النهر قف، المكتوبة بتاريخ 23/7/1976.
16 – لماذا، المكتوبة في طرابلس بتاريخ 12/3/1991.
17 – كوابيس الليلة الأخيرة، التي يهديها إلى زينب.
18 – رؤيا 2010، المكتوبة في الرجبان بتاريخ 7/10/1997.
19 – العبور الأخير.

ومن خلال هذا الثبت نلاحظ أن أربعة نصوص مشتركة هي (مكابدات، حانة الرعب، مساواة، حميمية) قد نشرت في الملف الخاص بمجلة عراجين وكتاب (نهر الليثي في الحداثة الشعرية الليبية)، وتضمنها كذلك كتاب (مكابدات) الصادر حديثاً. كما نلاحظ أيضاً أن كتاب (مكابدات) تميز وحده دون غيره بتوثيق وتضمين عتبات وتواريخ معظم النصوص المنشورة به، لتعكس كل المراحل الإبداعية التي أثرى بها شاعرنا الراحل المشهد الشعري الليبي. فالنصان المؤرخان في سنتي (1976، 1978) ينتميان إلى فترة السبعينيات وهي الفترة التي شهدت صدور ديوانه الشعري الأول (رؤيا في ممر عام 1974) عن الدار العربية للكتاب، بينما النصان المؤرخان بسنتي (1985،1989) فهما ينتميان إلى فترة الثمانينيات التي شهدت رجوعه للوطن بعد رحلة سفر سندبادية، وتغرب عن البلاد، وترحال طويل، وتجربة ثقافية وثرية متنوعة. أما النصوص الثمانية المؤرخة في سنوات (1991، 1993، 1994، 1997، 1998) فهي تنتمي إلى عقد التسعينيات الذي اعتكف فيه الشاعر الراحل ببلدته “الرجبان” بالجبل الغربي وأصدر خلاله ديوانه الثاني (إبتهال إلى السيدة “ن”) عن الدار الجماهيرية للنشر، ثم النصّان المؤرخان في (2001) اللذان ينتميان إلى فترة الألفية الأخيرة وهي في تصوري تمثل اكتمال النضوج الفكري وتطور أدواته الفنية الإبداعية. ولا شك بأن كل هذه العتبات القصيرة والإشارات الموجزة والتواريخ المدونة في صدر أو ذيل كل نصٍّ، هي بيانات ومعلومات إضافية مهمة تساعد الدارسين والبحاث كثيراً في عملية التتبع الزمني ورصد ملامح التطور الفني والموضوعي الذي طرأ على فكر الشاعر الراحل وانعكاسها على نصوصه خلال مسيرته الإبداعية.

وبالإضافة إلى كتابة الأستاذ محمد صالح ابويصير المنشورة في (مكابدات) فإننا نجد الكتاب قد ازدان بكتابات وإسهامات أخرى تسلسلت على النحو التالي:
1 – (ما يشبه الاعتذار)، للأستاذة حواء القمودي التي عرضت فيها سعيها ومثابرتها وجهودها المباركة المشكورة في تجميع نصوص الشاعر الراحل والتواصل مع أصدقاءه، وزوجته وابنه والاستئذان منهما لطباعة هذا الكتاب والتي كللت بالحصول على موافقة منهما بذلك، والتنسيق مع دار الأدهم في مصر لطباعته ونشره.
2 – (جيلاني طريبشان .. نصٌّ لم يكتمل)، للأديب منصور بوشناف والتي يلخصها قوله (لقد عاش “الجيلاني” حياة غنية بالثقافة وبالآلآم، كان مهووساً بنصًّ لم يكتب، وبأغنية لم تغنى).
3 – (أنفةٌ ليبية)، للصحفية الأستاذة سالمة المدني بصفتها رئيسة تحرير مجلة “البيت” “سابقا” والتي نظمت حفل تأبين للشاعر الراحل بُعيد وفاته، ووثقت كل إسهامات تلك التأبينية ونشرتها في عدد خاص بالمجلة ومن بينها كلمتها المنشورة في (مكابدات) التي تسألت فيها (هل يجبُ أن يموتَ الشاعرُ والأديب والكاتب حتى نكثرتَ قليلاً؟).
4 – (قميصُك المشجر)، نصُّ رثاءٍ للشاعرة الراحلة جنينة السوكني.
5 – (شاعريةُ الحلم والإحتياج: شهادةٌ في تجربة الشاعر الجيلاني طريبشان)، للشاعر الراحل محمد الفقيه صالح وهي قراءة قصيرة لامس فيها الكثير من الفكر والسلوك الشخصي وكذلك فضاءات النصّ الإبداعي لدى صديقه الشاعر الراحل ويقول فيها (.. لقد بدأ الجيلاني -في تلك السنوات المبكرة من عشرية السبعينيات- المؤسس الحقيقي لقصيدة الذات في الشعر الليبي المعاصر..).
6 – (الجيلاني القصيدة)، للكاتب الارتيري أبوبكر حامد، الذي لازم الشاعر الراحل في ليبيا لعقد من الزمن، وسبق وأن أصدر كتاباً عنه بعنوان (الشاعر الجيلاني طريبشان: القصيدة الإنسان) ضمن اصدارات مجلة المؤتمر، يقول في شهادته المنشورة في كتاب (مكابدات) الصادر حديثاً (.. لم يكن للجيلاني همٌّ خاصٌ به أو موضوعةٌ شعريةٌ يمكن حشرها في إطار مكانٍ جغرافي بعينه، وإنَّ ما بدى أنه همٌّ ذاتي في قصيدته هو بالضرورة همٌّ انساني عام..).

لقد أكدت كل تلك الشهادات والمقالات أن الراحل الجيلاني طريبشان هو إنسان وشاعر سبق زمنه، وعصرته الحياة والمعاناة وعركته المتاعب والمكابدات التي توجزها تلك الايقونة الرمزية (رجباني مقطوع من شجرة) فجاءت نصوصه خلاصةً وتجسيداً لذاك الواقع المعيشي المرير الذي تمثلته لغةً ودلالةً، برؤيةٍ تنصهر فيها المحلية والنزعة الشخصية الضيقة، لتمتد باتساع الأفق والإنسان بكل شموليته.

إن هذه النصوص الشعرية للشاعر الراحل والشهادات النثرية لأصدقائه، التي وفرتها لنا الشاعرة والأديبة حواء القمودي بإصدارها كتاب (مكابدات) جيلاني طريبشان ما كان لنا أن نطالعها بعد رحيله دفعة واحدة بين دفتي كتاب جامع، لولا إخلاصها وحبها للشعر ووفاءها للشاعر واعتناءها الخاص، والجهود التي بذلتها واتصالاتها وتنسيقها مع أطراف عديدة لإظهار هذا العمل إلى النور، والذي هو بحق إضافة تثري المكتبة الوطنية وتمنح المشهد الشعري فرصة لمزيد القراءات العميقة والنقدية الدقيقة لنصوص شاعرنا الراحل جيلاني طريبشان، ولذلك فإن الأستاذة حواء القمودي تستحق منا وافر الشكر والامتنان على هذا العمل التجميعي المهم.

مقالات ذات علاقة

الخير جمال لا يحصيه مقال

علي بوخريص

ضياع مركز كمبوت الثقافي

المشرف العام

هل لدينا تاريخ للشعر؟

سالم العوكلي

اترك تعليق