تاريخ

مقدمة كتاب ( أعلام مِن طرابُلس )

الصراخ.. من أعمال التشكيلي رضوان أبوشويشة

طرابُلسَ الغرب اسمٌ حُلو عذب ، سمعته لأوّلِ مرّة من أمي وأبي وهما يقصَّان علىَ مسامعي تاريخَ هذا البلد وقصص البطولةِ فيه وأدوار الجهادِ الوطني لأبنائه .. وكانا مشرَّدين مهاجرين فرَّا من إضطهادِ الإستمعارْ الظالم مع الأف المهاجرين وقوافلِ القادمين على الإبل والأقدام قاطعينَ الصحراء اللافحة تاركينَ وطنًا مغصوبًا قادمينَ أرض مصر الحبيبة الكريمة قِبلة الأحرار وملجأ الكِرام ونشأتُ في مصر متلهفًا علىَ رؤية هذا البلد العربيّْ … ولكنَّ الإستعمار البغيض ضرب بيننا بسورٍ منيع وستارٍ فولاذيّْ وأسلاكٍ شائكة ..
وكنَّا أبناءَ المهجر نجتمع ونتتبعُ القصيةَ وسيرها ونترَّقبُ يومَ العودةِ والخلاص .. ولم تتح لي زيارة هذا البلد إلا في سنةِ 1948م حيث قدمت الهيئة الرباعيّة الدولية التي جاءت ليبيا لتستفي أهلها عمّا يريدون في المستقبل وما هي مطالبهم وأمانيهم ،حينذاك أسرعتُ إلىَ طرابُلس لأوّلِ مرَّة خطيبًا وداعيًا إلىَ المطالبة بالحريَّة .. وطفتُ ليبيا بلدًا بلدًا وقريةً قرية أخطبُ مِنْ الأعماق .. أُلهبُ وأحمّسُ وأنادي بالإستقلالِ والحريّة ، متطوعًا متبرعًا تاركًا دراستي وأهلي في مصر .
ثمَّ رجعتُ إلىَ إكمالِ الدراسة وعدت إلىَ طرابُلسَ سنة 1949 بعد أنّ صدرَ قرار هيئة الأمم معترفًا بإستقلالِ ليبيا ، وأخذتُ أنقّبُ عن التاريخِ وأبحثُ عن كلِّ ما يتصلُّ بهذا البلد الكريم ، وأكثرُ ما همّني وصرفتُ إليه مجهودي ، الجانبُ الثقافيّْ والفكريّْ ، جانب تراجمِ الأعلامْ والعلماءْ والأدباء . فقد كُتب في التاريخِ السياسيّْ والتاريخ القوميّْ كثير وكثير ، وأُلِّفتْ في هذه الناحية كتب عديدة ، منها الثمين والغثّ والجيد والرديء والموجر والمطولّ والمترجم والمقتبس .. ولكن تراجم الأعلام مرآةً تنعكسُ عليها صورةٌ من الحياة الفكرية ويُلمس منها مدىَ التطوّرِ الأدبيّ الذي هو مقياس الحضارةُ والرقي ، ولكنّهُ في هذا البلد عسيرٌ صعب ، لندرةِ المصادر وتعذّرِ المراجعْ وتناثرِ المعلومات وقِلتها ، ثمَّ ما أُصيبت بهِ البلد من هزاتٍ عنيفةٍ وكوارثَ مؤلمهْ ونكبات منوَّعة وما أصابها من إستعمارٍ دكتاتوريٍّ بغيض أسود زُهاءَ ثلاثينَ عامًا كاد يقضى علىَ كلِّ ما لها من صلةٍ بالعروبةِ والفكرِ الإسلاميّْ ومِنْ جرّاءِ هذا كُلِهْ ذهبت أكثر الآثارِ القيِّمة والمؤلفاتِ التي كتبها أعلام الفكرِ والأدبِ والفقه ، وإمتدَّت يد السرقةِ والنهبِ والجهلِ إلىَ تلكَ الآثار فكاد أنّ يصبحَ هذا الجَانٍبُ قاعًا أجّردًا .. وهذا ما دفعني إلىَ مواصلةِ الجَهدِ والتغلبِ علىَ كلِّ الصِعاب .
وحاولتُ وما الحياةُ إلا محاولة .. والمحاولة تتطلبُ الصبرَ والإنكبابَ والبحث عن الشوارد والأوابد والمخطوطات والرِقاعْ والأوراق المبعثرة المهملة ، ويعلمُ الله أنّي في هذا لقيتُ نصيبًا وتعبًا ولكن في سبيلِ الفكرِ يهون كلُّ عسير ..
وكم ضَحِكَ منّي زملائي عندما رأوني أبحثُ عن تاريخِ الأعلامْ وأترك الموضوعاتِ الأخرىَ السهلة التي في المتناول ، ولكنّي واصلتُ المحاولة وبدأتُ أٌلقي في تراجمِ الأعلامِ والشخصيات العلميةِ ، محاضرات ، وأنثرُ مقتطفات فأذعتُ من مذياع ( لندن ) و( محطَّةِ الشرقِ الأدنىَ ) ومحطَّةِ (هولندا ) ، وألقيتُ في الصيفِ الفائتْ محاضرةً في قاعةِ ( مدرسة طرابُلسَ الثانويَّة ) ونشرتُ عددًا مِنْ التراجمِ في جريدة طرابلُسَ الغربْ ومجلةِ ( القلمِ الجديد ) ثمَّ كتبتُ مجموعةً أخرىَ لم تذع ولم تُنشر ، حتىَ إجتمعت لديَّ من هذا تراجمُ منوَّعةٍ لشعراءْ وادباء وفقهاء من العصورِ المختلفة مِنْ القرنِ الربع الهجريّْ حتىَ العصرِ الحالي .
وآثرتُ أنّ أبتعدَ عن التاريخ المعاصر والتاريخِ القريب ، فإنَّ هذا لهُ مجالاتٌ أخرىَ ، وآثرتُ أنّ أجمعها في هذا السِفر الذي أقدّمهُ لقرَّاءِ العربية خوفَ الضياعِ والتلاشي … ولا أزعمُ أنَّ هذا كتابٌ منسَّقٌ مرتَّبٌ منظَّم ، فإنَّ مشاغلي الكثيرة تحول دونَ الترتيبِ والتنسيق فقدمتهُ إليكَ كما هو علىَ علاَّتهِ .. وقد كنتُ في بادىء الأمر مترددًا في جمعهِ وطبعهِ ، ومرةً أُحجمُ عن الطبعْ لأجلِ التنقيح والزيادة ولكنّي تذكَّرتُ كلمة العماد الأصفهاني وقد جرَّبَ التأليفَ والتقديم .. (( إنّي رأيتُ انهُ لا يكتبُ إنسان كتابًا في يومهِ إلا قال في غدهِ لو غير هذا لكان أحسن ، ولوْ زيدَ هذا لكان أجمل يُستحسنُ ولوْ قًُدّمَ هذا لكان أفضل ولو تُركَ هذا لكان أجمل ، وهذا من أعظمِ العِبر ، وهو دليلٌ علىَ إستيلاءِ النقض علىَ جملةِ البشر .. ))
بقيَ جواب لسؤالّ قد يجولُ في خاطركَ : كيفَ تكتب عنْ أعلامٍ مِنْ طرابُلس ولا تكتبُ عن بَرقة وفزَّان الكريم ؟ كيف تكتب عن جزءٍ من أرضِ الوطن ولا تكتبُ عن ليبيا ، وأنتَ من دعاةِ الوِحدةِ الوطنيةِ والعربية ؟ بل قاسيتَ في سبيلها ألوانًا ، ولاقيتَ كثيرًا ؟
إنّي أؤمنُ بوِحدةِ هذا الوطن .. ولكن في هذه التراجم أكتب عن ناحيةٍ من نواحيهْ ، وجزءٌ من أجزائه ، كما يكتبُ الكاتبُ المصريُّ عن الأسكندريَّة مثلاً كتابًا خاصَّا وعن علماءِ أسيوط أو قِنا ، ثمَّ إنّي لم أجد مصادرَ تُسعفني ومراجعَ تكفيني في العصورِ التي طرقتها من التاريخِ الإسلامي .
وأذكر هنا كلمة ( يحيىَ بن خالد ) ، (( لا يزالُ الرحلُ في فسحةٍ من عقلهِ ما لم يقلّْ شعرًا أو يؤلفُ كتابًا )) ، .. وقالوا (( مَنْ ألَّفَ فقد أُستهدفَ )) فأنا هدف الناقدين ، ولكنّي أستميحكم عذرًا في أنّّ هذا مِقدار إجتهادي ، فإن أحسنت فلي أجرانْ ، وإن شطَّ المقال وأسأت فإنَّ لي أجرًا واحدًا يكفيني ويُرضيني ، قثد حاولتُ أنّ أجعلَ مِن هذه التراجمَ الأدبيَّة لَبِنةً في التاريخِ الثقافيّْ والتطوّر الفكريّْ لبلد إسلامي وعربي . هذا سهمي أدفعهُ وكتابي أقدمهُ ، وهو أوّلُ بحثٍ من نوعهِ في تاريخِ البلادِ العلميّْ . ولن أطيلَ عليكَ المقدمة فكتابي يقدمُ نفسهُ ، ويكشفُ عن ذاتهِ ، والسلام .

مقالات ذات علاقة

تعداد 1955

بدرالدين المختار

جامع الخروبة 

حسين بن مادي

الفرقة الليبية الأولي في الجيش الايطالي “فرقة سيبيل”

المشرف العام

اترك تعليق