سرد

مقتطف من رواية عطر شان

من أعمال الفنان محمد الشريف.
من أعمال الفنان محمد الشريف.


وقف قاسم عند باب المقهى، تلفت يميناً ويساراً، كأنه خائف من شيء ما، تفحص وجوه الجالسين، وعندما شعر بالاطمئنان للموجودين، دخل يضلع، والإرهاق واضح على ملامحه، كث اللحية، أشعث الشعر أغبر، رث الثياب، ينظر الكل إليه مشدوهاً مما يروه أمامهم، لسان حالهم يردد نفس السؤال: هل هذا هو “قاسم عادل” الصحفي النشيط الوسيم؟ وما الذي جرى له؟ كان يرتدي أفضل الماركات العالمية، دائماً هندامه مرتب، ورائحة عطره تعبق الأماكن، وإذا صافحك رائحة عطره تظل عالقة بيدك أسبوعاً كاملاً.

أول كرسي وجده فارغاً ارتمى عليه، نظر للنادل وقال بصوت واهن: فنجان قهوة سادة لو سمحت.

الذهول والخوف لا زالا يخيمان على الجميع، فهم لا يستطيعون التقرب منه، وسؤاله عن سبب سجنه! وماذا فعلوا به هذه المرة! حتى خرج بهذه الصورة البشعة!! يظل الخوف هو سيد الموقف، فمن يبتهج بخروجه، أو يقترب منه، قد يكون مكانه داخل عش الدبابير، فرجال الأمن الداخلي كالأشباح.

لاذ الجميع بالصمت يرصدون “قاسم” عن كثب، يتألمون لألمه، ويتحسرون لشبابه الذي ضيعه في تلك المهنة الصعبة، جلب النادل فنجان القهوة ومعه علبة سجائر مالبورو، وضعها على الطاولة، عندما رأى سجائره المفضلة؛ حاول جاهدا أن يبتسم للنادل لكن جاءت الابتسامة شاحبة، تدارك وحنى رأسه شاكراً، رشف رشفة من الفنجان سمعها كل الجالسين في المقهى، مط شفتيه وكأنه يتذوق حبات القهوة التي علقت بين أسنانه، وأشعل على أثرها سيجارة، أخذ نفساً عميقاً حتى كادت تنفجر رئتاه، وأسند ظهره على الكرسي وأغمض عينيه، من أنفه وفمه نفث الدخان، حتى تكونت سحابة فوق رأسه، انطوى على نفسه  كأنه يراجع أفكاره ومواقفه، أراه بين الفينة والأخرى يضع يده على جبهته يعتصرها بين أصابعه، هل هو الندم؟ أم التفكير في المستقبل؟ أو ربما فراغ الجيب! أو صداع يكاد يفتك برأسه!

أشعل السيجارة الثانية والثالثة ولا زال غارقاً في تفكيره وآلامه، فجأة دخل المقدم “جمال صالح”، شاح الجميع ببصره عن “قاسم”، لكن بنصف عين يراقبونه، ويتبادر إلي أذهانهم هل “جمال” نسي العشرة التي كانت تربطه بـ”قاسم”، حاولوا التغاضي والانشغال، بعضهم يلعب بالورق، والبعض الآخر يلعب بالطاولة لكن “جمال”، لم يعيرهم أي اهتمام، جال ببصره في المقهى يبحث عن صديق عمره، عندما عرف مكان جلوسه اتجه مباشرة نحو طاولة “قاسم عادل”، عندما اقترب منه ونظر في وجهه، رأيت الصدمة والفزع تسود محياه، تسمر لبرهة في مكانه، حاول بكل قوة رسم ابتسامة لكن تعبيرات وجهه لم تطاوعه، تصنع نبرة الفرح برؤية “قاسم”، أوه يا صديقي لكن النبرة كانت أقرب للعويل منها إلى الفرح، هنا انتبه “قاسم”، لنفسه وخرج من شروده، وحاول الانتصاب كالعادة لمصافحة صديقه، لكن حالت الجروح والكدمات دون ذلك، وقف بصعوبة متعاليا على كل تلك الآلام، ملامح وجهه تحمل تعبيرات كثيرة، فرحاً لرؤية صديقه الذي وقف بجانبه منذ نعومة أظافره، ولم يتخل عنه وكادت هذه الصداقة تدمر مستقبله العملي كضابط شرطة، وحزناً على عمره الذي ذهب سدى، وقهراً على كم الإهانات، وأصناف التعذيب والإذلال التي تلقاها في غياهب السجن، احتضن “جمال”، بقوة والدموع تنساب سخية ساخنه من عينيه لعلها تنسيه ما تعرض له طوال الثلاثة أشهر الماضية، جلس “جمال”، أمامه وقال: كفارة يا صديقي..

ارتسمت على شفتيه ابتسامه لكنها كانت حزينة، وترقرقت عيناه بالدموع، وكابد كيلا تسقط، وقال: على اليهود والنصارى..

يفكر جمال كيف يواسي صديقه ومن أي باب يدخل إليه، هل يخبره أنه لم يدخر جهداً إلا وسعى إليه لأجل الإفراج عنه، أو يكرر عليه النصائح التي طالما كررها مراراً وتكراراً لأجل التوقف تماماً عن الكتابة في السياسة.

مقالات ذات علاقة

ربما.. وليش لا؟

محمد الأصفر

ارزوقـة

زياد العيساوي

المرأة والطفل

فائزة محمد بالحمد

اترك تعليق